لم يكن رحيل المرشد العام للإخوان المسلمين فضيلة المستشار مأمون الهضيبي- رحمه الله- مساء يوم الخميس الموافق الثامن من يناير 2004م عن عمر يناهز 83 عامًا بالأمر الهيِّن على إخوانه وأحبائه؛ فالرجل العظيم لم تكن حياته بالحياة العادية لداعية عادي؛ إنما كانت حياته حياةَ دعوةٍ في قلب إنسان، وكعادة العظماء يحتار المرء حين يتناول حياتهم؛ لأنه ببساطة لا يعرف من أين يبدأ؟.

 

فجوانب العظمة لديه تضعك في موقفٍ لا يُحسَد عليه أحد، هل أتحدث عن الهضيبي القاضي الذي يحكم بميزان العدل ويصل إلى أعلى المراتب في السلك القضائي؟، أم أتحدث عن العالم الجليل الذي يجمع بين علوم الشرع والقانون بشكلٍ موسوعي؟، أم أتحدث عن المجاهد الذي شارك في أعمال المقاومة الشعبية خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م واعتقله جيش الاحتلال الإسرائيلي على إثر ذلك؟، أم أتحدث عن الهضيبي الداعية الإسلامي الذي يحمل همَّ الأمة الإسلامية بين جوانحه ويبذل من نفسه وماله وراحته في سبيل دعوته؟، أم أتحدث عن الهضيبي المعتقل في سجون عبد الناصر لسنواتٍ طويلة، وعندما سمع الحكم بحبسه قال: "شهادة في سبيل الله ما كنت أظن أنني سأستحقها"؟، أم أتحدث عن الهضيبي عضو مجلس الشعب المناضل والمقاوم للفساد والاستبداد في بلاده، الرافع والمنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية والتي هي عنوان حياته، سواءٌ كان ذلك على منصة القضاء أو منصة مجلس الشعب؟، أم تراني أتحدث عن القائد الفذ الذي يقود جماعةً إسلاميةً هي الأكبر والأقدم فى العالم أجمع؟، أم أتحدث عنه كابنٍ لوالد عظيمٍ هو المرشد العام المستشار حسن الهضيبي- رحمه الله-؟، أم أم ..؟، رحمك الله يا إمام؛ لقد أتعبت بحق من أتى بعدك!!.

 

يُحكَى عنه الدكتور محمد حبيب- النائب الأول للمرشد العام للإخوان- فيقول عن الذي يتحدث عن أن الجماعة لا تعرف الشورى في مبادئها: "لا يعرف شيئًا عن الشورى أو الإخوان!!"، ثم يضرب مثالاً للشورى داخل الجماعة في أعلى مستوياتها، فيقول: "كان المستشار مأمون الهضيبي- رحمه الله- حين يريد أن يأخذ رأي أعضاء مكتب الإرشاد في قضية ما، يطرح علينا الموضوع طرحًا وافيًا بكافة تفاصيله وجزئياته دون أن يبدي رأيه الشخصي في الموضوع ولو حتى مجرد تلميح أو إشارة؛ حتى لا يوجِّهنا لا شعوريًّا إلى تبني رأيه!!، ثم يبدأ في الاستماع لرأينا في الموضوع محل المناقشة واحدًا تلو الآخر حتى نمل نحن من كثرة النقاش ولا يمل هو!!، ورغم هذا كان حريصًا غاية الحرص ألا يبدوَ على تعبيرات وجهه أو لسانه أنه مستريحٌ لرأي فلان أو ممتعضٌ من رأي علان!! فإذا ما وجد أن الآراء مجتمعةٌ أو غالبيتها قد اتجهت نحو رأي ما أقرَّه فورًا دون أن يبدي هو حتى وجهة نظره!!.

 

أما إذا كان الخلاف في القضية هو سيد الموقف عندها يتدخل هو ويدلي بقناعاته في الموضوع محل النقاش ويحسم الخلاف!!، هكذا كان المرشد- رحمه الله- وهكذا كان من سبقه".

 

إنه التواضع في أبهى صوره والقيادة الفذة في أحسن أشكالها، كان معروفًا عنه- رحمه الله- بأنه راهبٌ من رهبان الليل، لم يُعرف عنه أنه ترك قيام الليل يومًا ما.

 

كيف بربك يكون ذلك وهو دعوة في ثوب إنسان؟!.. كثيرًا ما يتَّهم الإخوان بأنهم يقدِّسون قادتهم ويضفون عليهم من الصفات ما يرفعهم إلى مرتبة الأنبياء، وردي الوحيد على كذب هذا الادعاء هو قول الإمام أحمد بن حنبل لمنتقديه: "موعدنا معكم الجنائز!!".

 

نعم، الجنائز.. كانت جنازته- يرحمه الله- الشاهدَ العدل على نبل سريرته، فبلغت- على حسب تقديرات المراقبين- الربع مليون فرد في أقل التقديرات، ووصل بها البعض لنصف مليون، وهؤلاء مَن استطاعوا الإفلات من الحصار الأمني الكبير الذي ضربته الحكومة على كافة مداخل القاهرة قبل الجنازة بيومٍ لمنع توافد المشيِّعين لحضور الجنازة، وكان أروع ما فيها أن أغلبية  المشيِّعين من صغار الشباب سنًّا الذين لم تتح لهم الفرصة لأن يلتقوا به يومًا، ولكنه كان على ما يبدو القبولَ الذي يوضع له في الأرض.. نحسبه كذلك، ولا نُزكيه على الله، وهو حسيبه.

رحمك الله يا إمام رحمةً واسعةً.. قل آمين.