"نحن لا نتحدَّى أحدًا، وهذه حقوقنا، ومن حقِّنا خوض الانتخابات، ولن نتوقف عن العمل وعن أن نقول رأينا، وكل تصرفاتنا تتسم بالحكمة في مواجهة هذا الأسلوب الغاشم المتدني"، بهذه الكلمات شخَّص المرشد العام للإخوان المسلمين العلاقةَ بين الجماعة والنظام يوم الخميس 21/2/2008م في المؤتمر الصحفي الذي عقده عقب إعلان الجماعة قرارَها دخول انتخابات المحليات المزمع إجراؤها في 8/4/2008م.

 

يُفهم من هذا التصريح أن ذلك القرار لم يأتِ تحديًا للنظام، وليس الهدف منه الحصول على عدة مقاعد في المجالس المحلية، ولكن الموضوع أعمق من ذلك بكثير؛ فالترشُّح في أي انتخابات حقٌّ أصيل لأي مواطن، شرعًا ودستورًا وقانونًا، فينبغي الاستمساك به وعدم التفريط فيه مهما كانت النتائج، ومن خلاله يمكن للإنسان أن يكتشف الفساد فيحاربه، ويرى الاعوجاج فيقوِّمه، وخاصةً في الإدارات المحلية التي وصل فيها الفساد للأعناق، وليس للركب كما صرَّح من قبل رئيس ديوان رئاسة الجمهورية زكريا عزمي.

 

استمرارًا لمسيرة الإصلاح التي بدأها الإخوان المسلمون منذ عام 1928م ولاقوا خلالها ما لاقوا من السجن والتعذيب والتشريد والقتل، فإنهم يدخلون هذه الانتخابات لإصلاح ما يستطيعون إصلاحه، ولا يصح أن يتراجعوا عن هذا الخط، وإلا اعتُبروا من الذين يقولون ما لا يفعلون.

 

رغم الهجمات الشرسة المستمرة التي يتعرَّض لها الإخوان المسلمون من وزارة الداخلية، وعلى رأسها مباحث أمن الدولة، إلا أنهم ثابتون على موقفهم دون اهتزاز، يقدمون التضحيات الغالية في سبيل عقيدتهم وحبًّا في وطنهم "مصر الحبيبة"، هذا الموقف الديني والوطني سوف يذكره التاريخ في يوم من الأيام؛ ليكون نبراسًا للأجيال القادمة التي ستتغنَّى بهذه البطولات وتلك التضحيات.

 

قد يستغرب الكثير من موقف الإخوان الثابت في هذه الانتخابات، واستعدادهم لتقديم تضحيات أكثر وأكثر، وقد يتوهَّم هؤلاء أن ذلك من أجل انتخابات المحليات فقط، وهذا وهمٌ خاطئٌ؛ لأن هذا التحرُّك مستمرٌّ منذ عقود طويلة، وانتخابات المحليات ما هي إلا مرحلة من مراحل الصراع بين الحق والباطل، وبين المصلحين والمفسدين، والنهاية وإن تأخرت فهي معروفة؛ لأنها من السنن الكونية التي لا تتغيَّر ولا تتبدَّل.

 

وتأكيدًا لمقصد الإخوان فإنهم يريدون أن يُحكَموا بالإسلام لا أن يَحكموا؛ فقد وَجَّهوا الدعوة لكل الشرفاء والصالحين من أفراد الشعب أن يرشِّحوا أنفسهم في هذه الانتخابات، وذلك حتى لا يخلوَ الجوُّ للمفسدين والمرتشين، ولذلك فلو قام الرئيس مبارك بتطبيق الشريعة الإسلامية فسوف يكون الإخوان حرَّاسًا وحماةً لهذا النظام الإسلامي.

 

الحزب الوطني الحاكم يسخِّر كلَّ أجهزة الدولة لصالحه، وخاصةً وزارة الداخلية؛ من الوزير وحتى الخفير، فضلاً عن العربات المصفَّحة والأسلحة الحديثة، وكذلك يستعين بكافة الوزارات بموظفيها وميزانياتها، وأخطر ما في ذلك أجهزة الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، وفي المقابل فإن سلاح الإخوان معية الله والصبر والثبات والثقة في نصر الله القريب.

 

ولأن الرهان الحقيقي على الشعب الذي يرتعد الحزب الوطني من أن يقول كلمته المدوية الفاصلة ليحسم المعركة الانتخابية؛ فقد كان واضحًا من البداية أن الحزب الحاكم عاجز عن مواجهة المعارضة، وخاصةً الإخوان المسلمين، فاختبأ وراء وزارة الداخلية، وتوارَى عن الأنظار، وفوَّضها بأن تحلَّ محلَّه وتُدير المعركة الانتخابية لصالحه باستخدام وسائلها التقليدية، مثل الاعتقال ومداهمة البيوت فجرًا، وانتهاك حرماتها، وسَحْل المواطنين والتحرُّش بالمواطنات، وقد تكون هناك وسائل حديثة لم تُستخدم بعد، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر فوق كيد المعتدي، والله للمظلوم خير مؤيدِ.

---------

[email protected]