مرَّ عام على فراقه، هل تصدق، عرفته منذ سنوات عديدة، أبًا وأستاذًا ومعلمًا وداعيًا ومربيًّا، وصديقًا ندر أن ترى له مثيلاً في الحياة.

 

رأيته في غضبه ورضاه، ووسط تغير أغيار الحياة صاحب معيار فريد في تقييم الحياة ومعرفة أقدار الناس.

 

صفاته: لا تكون مبالغًا أبدًا إن قلت عنه إنه التوازن والوسطية في أرفع درجاتها، تزينها نفس هادئة مطمئنة وادعة.

 

رأيتُ الدمعةَ تسقط من عينيه يومًا، لما تُوفي أحد الدعاة الكبار من صعيد مصر، وانسابت عباراته، يذكر مآثره في الدعوة إلى الله عز وجل وتحمله الشدائد، وترفعه عن كل ما يشين، وصبره على ما جرى في سجون الطغاة، في الحربي، ثم في القلعة وغيرهما، وما من محنةٍ مرت على الدعوة المباركة، إلا وقد كان له- بفضل الله- شرف الثبات فيها وقد مات ولا يعرف عنه شباب الدعوة شيئًا، وقد لا يعرفون حتى اسمه، ويذكر ولكن حمزةَ لا بواكي له، ومع الدمعة يقول إن كنا ننساه في دنيا الناس فإن ربنا وغايتنا لا ولن ينساه.

 

لا يشغل عينيه البريق، ولا يجامل في الحق، ولا تلفته الأسماء الكبيرة عن الحقيقة، حدث أثناء إقامته في دبي وفي أحد ملتقيات الخير، أن تلفظ أحد مشاهير الدعاة بلفظٍ رأى فيه شيخنا استخفافًا بمرشد الدعوة في وقتها الأستاذ التلمساني رحمه الله- وكان السبب أن الأستاذ عمر ردَّ على سؤالٍ لأحد الصحفيين حول رأيه في إحدى القضايا الخطيرة في وقته، ليرد الأستاذ التلمساني ببساطة وقوة بمثلٍ شعبي معبر- ولكن الداعية الشهير لم يُعجبه ذلك وعلَّق بكلمةٍ غير لائقة، ليوقفه شيخنا قائلاً: يا فلان إن كنت تقصد بكلمتك مخالفته في رأيه، فلك الحق أن تخالف الرجل في رأيه، ولكن ليس لك الحق في غيبته، وإن كنت تقصد بذلك السخرية منه، فليس الإخوان مَن يعطون بيعتهم لرجلٍ بالمعنى الذي ذكرت، وسكت الشيخ بعد أن ربَّى بكلمته الداعية المشهور والحضور معه كيف يكون الحديث، ليوسط بعدها صاحب الكلمة دعاة من مصر ومن الخليج ومن المغتربين معتذرًا متأدبًا.

 

منظمًا في شئونه، تلك الصفة التي ربَّى عليها الإمام البنا أصحابه وجعلها من صفات الأخ المسلم الحق- لقد كان التطبيق العملي لهذه الصفة وجدنا في دفاتره دفترًا قديمًا يرجع إلى أوائل الستينيات من القرن الماضي حينما كان يعمل مدرسًا للغة العربية في مدرسة جلال فهمي، وجدناه قد دوَّن أسماء بعض تلاميذه مع تطورهم الدراسي، وتطورهم التربوي والدعوي، وفي نهاية تقييم كل واحدٍ منهم كتب تقييمًا نهائيًّا، وواضح أن هذا التقييم كتبه على مدار عام كامل، في الوقت الذي كان إخوانه في المعتقلات والسجون ها هو يعمل ولا يكل ويعمل منظمًا مرتبًا، وكما كان يقول إن الله تعبدنا بالإحسان، فلا ينبغي أن نعبد الله بغيرِ هدى ونظام، وليس في الإسلام شيء بغير هدف وبغير ترتيب والله يقول: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19)﴾ (الحجر) وسنن الله لا تتبدل.

 

عالم واسع الثقافة والمعرفة يمتلك مكتبةً تشتمل آلاف الكتب، متنوعةً بين الأدب واللغة والتاريخ، فضلاً عن علوم الشريعة وما من كتابٍ فيها إلا وفيه بخط يده ملاحظات قيمة ونظرات عميقة، ومع ذلك تواضعه الجم يدفعه أن يسأل مَن هم في سن أولاده من تلاميذه ويأمل بصدقٍ أن يظفر بعلمٍ نافع، وما أسرعه عندما يترك رأيه إن ظفر عند تلميذه برأي يعززه الدليل، تشغله الحقيقة، وتأثر قلبه النظرات الذكية وتفكر أصحاب الاجتهاد والبحث، حفي بالعلم والعلماء، وله في ذلك نظر ثاقب، وبُعد رأي، وتوقع في محله وقوة استنباط.

 

زرته عند عودتي من سفرٍ فمنحني هدية كتاب قيم في الأصول، لأحد الأفذاذ قدم له، وكان من قدر الله أن وقفت وفي أول صفحة وقعت عيني عليها على خطأ منهجي يصح أن يُطلق عليه من الأخطاء القاتلة- ولعله لا يُعرَف للكتاب كله هنة غير هذه- فقلت له يا سيدي: قرأت هذه وأشرت إلى العبارة المشكلة، وأنا في خجل منه، فوجدته قد احمَّر وجهه وقام مسرعًا إلى الهاتف ليحدث العاملين في المطبعة لتتوقف عمليات الجمع والمراجعة للطبعة الثانية وكانت أوشكت، ثم يُكلِّم الداعية الفذ، صاحب الكتاب، ويذكر له العبارة وما فيها من خطأ وتنفرج أساريره وتخف حمرة وجهه وهو يقول لصاحبه: الحمد لله أن مكننا من تدراك الخطأ قبل الطباعة.

 

امتحن وابتلي وفي بلائه في السجن عجب وطرفه؛ يُسجن بعد رؤيته لعروسه وزوجته ورفيقة عمره وأم أولاده- بعد ذلك- ولاقى ما لاقى ولكنه لا يحب ذكر هذه الأيام، ويذكر أيام الفرج، وكان أمله في الله كبيرًا لا ينقطع، وثقته بمعونةِ ربه أوضح من رؤية عينيه للشمس في ظهيرة يومٍ صائفٍ شديد الحرارة، ولا يكاد يذكر منها إلا حوادث يسيرة.

 

منها الضابط الذي كان في بلده سوهاج في جهينة وكيف كان عنيفًا شديدًا مع المجرمين للدرجة التي كانت ترهب الناس من رؤيته وهو يمشي في الشارع، وحينما أشرفت المحنة الأولى ذهب هذا الضابط إلى مسئول شعبة الإخوان في جهينة ليقول له: "سيصدر أمر قريب باعتقالات قاسية لكم، وكذا بالاستيلاء على أوراق الشعبة فنظفوا الشعبة من الأوراق والأسماء وقدموا لي اسمين فقط على أن يُعتقلا لفترة صغيرة وسيخرجا بسرعةٍ لأني قدمتُ تقريرًا عنكم أن شعبتكم بغير نشاط"، ويسأله المسئول عن سبب دفاعه عن الإخوان فقال: أنا خبير في المجرمين، وأنتم أصلح الناس وخير الناس في هذا المجتمع.

 

يذكر الشيخ هذه القصة وهو يترحم على أمثال هؤلاء الضباط الذين يعرفون حقيقة دورهم وموضع عملهم، وأين هذا من الفراعنة الذين لا يعرفون إلا البطش بالصالحين وتقصر أياديهم عن أهل الفساد والإجرام!!!.

 

ويذكر أن الثبات من الله وحده ولا فضلَ لأحدٍ فيه والله مطلع على خفايا النفوس فإذا رأى صلاحًا ونية مخلصة ثبت وأعان وإلا كان أن يسلم الإنسان إلى نفسه وما أضيعه عند ذلك، فها هو الشيخ فلان من علماءِ زمانه دخل المحنة فتغيَّر وبدأ يبتعد شيئًا فشيئًا فلاحظ أستاذنا عليه ذلك فاقترب من مستفسرًا فعلم منه أنه أخذ وعدًا إن هو ابتعد عن الإخوان أن يُخرجوه، فابتعد ولم يخرج إلا مع خروج الإخوان من السجون في أوائل السبعينيات.

مخطئ مَن ظنَّ يومًا **** أن للثعلب دينا

وكان يؤذيه غاية الأذى أن يرى المفرطين في العلم الشرعي، المهتمين بالسطحيات، يكره التنطع، ويحزن لضعف الهمة وقصر الآمال، ويعيب الداعية الشاب غير المهتم بالحاسوب أو غير الماهر في الإنترنت، أو غير المهتم باللغة.

 

وولاؤه لدينه ودعوته آية من آيات الله، وصفاء قلبه وطهر لسانه يُعجزان مَن يراه وإن كان يحمل ضغائن الأرض كلها عن أن يحبه ويُوقِّره.

 

مرَّ عام فماذا أقول، ما يُقال كثير وما يتحرك في القلب والنفس أكثر تيتمنا بعدك يا شيخنا، رحمك الله يا شيخ ركوة، وجمعنا بك في جوارِ حبيبنا محمد- صلى الله عليه وسلم-.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع