رغم أن انتخابات المجالس المحلية المصرية لم تبدأ بعد، ولكن نتائجها بدأت تلوح في الأفق البعيد بعد مهزلة الترشيح التي شهدتها مصر، وشهدها العالم كله عبر الصحف والفضائيات ووسائل الإعلام المستقلة.

 

والحقيقة أنني لم أندهش كثيرًا من أسلوبِ تعامل الحكومة مع العملية الانتخابية، فما المطلوب من حكومةٍ يموت العشرات من أبنائها في طوابير الخبز وآخرون بنيران "صديقة" من جيراننا وأولاد العمومة الصهاينة ولا تُحرِك ساكنًا!.

 

ولكن الجديد هو أن الانتخابات هذه المرة قد شهدت إنجازات ومكاسب غير مسبوقة تُحسب للحزب الوطني الحاكم (بالعافية)، والتي يمكن أن نُوجز بعضها في الأسطر التالية:

- أول هذه الإنجازات هي "الفكر الجديد" في التعامل مع العملية الانتخابية، وهذا الفكر قد تفتق عن أسلوبٍ جديدٍ ومبتكرٍ قد نجح بفاعليةٍ كبيرةٍ عندما تمَّ استخدامه بصورةٍ غير مسبوقة، وهذا الأسلوب هو منع الترشح واعتقال المرشحين المحتملين مقدمًا لمجرَّد الاشتباه في ذلك على سبيلِ الاحتياط، ففي السابق كان السماح للمرشح بالتقدم ومنعه من الوصول للمقعد، والآن منعه من الترشح ومنعه بالتأكيد من الوصول للمقعد!.

 

وقد وصل الأمر إلى اعتقال المحضرين وتمزيق الأوراق التي بحوزتهم وخروج ضباط أمن الدولة بأنفسهم للتأكد من نجاح الفكر الجديد.

 

- إنجاز تاريخي أيضًا حققه الحزب الحاكم وهو تضحية الحزب الوطني بأبنائه وكوادره عندما قرر مسبقًا أن يكون الحكم له في "تعيين" مَن يريده في المجلس المحلي وعدم الاكتراث برغبةِ أي مرشحٍ من أبناء الحزب، فالولاء الحزبي مقدم على الجميع وعلى الجميع السمع والطاعة "واللي مش عاجبه الباب يفوت عربية أمن مركزي"!.

 

- ومن الإنجازات المهمة التي تحسب للحزب الحاكم هو أنه جعل من نفسه الخصم والحكم في الانتخابات المرتقبة بما يعني أن الحزب الوطني سينافس الحزب الوطني.. ولم يضع في حساباته أن الخاسر في كلا الحالتين سيكون هو أيضًا.

 

وخسارته سببها سيكون في صراعِ المصالح الذي سيحدث انفجارًا داخليًّا في الحزب نتيجة رفض مَن يتم استبعاده من قائمة الحزب الانتخابية لعدم إدراجه فيها، وقد يكون بعضهم مما يصعب عليه تقبل ذلك لاعتباراتٍ شخصية، مما سيسبب شرخًا كبيرًا في العلاقة بين الحزب وبين كثيرٍ من أبنائه، ويمكن أن تتطور العلاقة إلى حدوث انشقاقٍ داخل صفوف الحزب يسبب الانفجار الذي سيُطيح بالكل.

 

- إنجاز آخر حققه الحزب الحاكم وهو تقويته لجبهةِ الإخوان المسلمين بعد الحملة البوليسية الشرسة التي لم تدع مدينةً تقريبًا من مدن مصر إلا وطالتها باعتقال ومداهمات واحتجاز وترويع للناس وسط تهليلٍ إعلامي مسموم من الأبواقِ الحكومية الرسمية ومن يتبعها.

 

أما الخاسرون في الانتخابات المقبلة، ولا أقول الخاسر لأنهم كثيرٌ، فهم:

- الحزب الوطني الحاكم نفسه، والذي رضي بأن يبيع حظه من الآخرة من أجل متاع في الحياة الدنيا، فأعظم الخاسرين من خسر الآخرة.. ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ (الشورى: من الآية 45).

 

ويقول الحق سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (27)﴾ (البقرة: 27).

 

وفي حديث ابن عباس عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: "مَن استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أنَّ فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين" (رواه البيهقي).

 

وروي كذلك عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- قوله: "مَن ولي من أمرِ المسلمين شيئًا فأمَّر عليهم أحدًا محاباةً، فعليه لعنةُ الله، لا يُقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً، حتى يُدخله جهنم" (رواه أحمد والحاكم).

 

وروي عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه قال: "مَن استعمل فاجرًا وهو يعلم أنه فاجر فهو مثله" (كنز العمال ج:5 ص 761 حديث 14306).

 

- الأحزاب الهزيلة المستأنسة التي سكتت ولم نسمع لها صوتًا أو حتى همسًا نحو ما يجري من سرقةٍ لهذا الوطن المنكوب.

- الشعب المصري الذي خسر الخبز النظيف والماء النقي والحرية التي لا تُقدَّر بثمن.