(فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)

الإخوة والأخوات رفقاء الطريق وشفاء الصدور ومشدِّو الأزر.. يا من اجتمعنا على محبة الله والتقينا على طاعة الله وسرنا على طريقه مخلصين له الدين، يقول عمر- رضي الله عنه-: "إن لله رجالاً أحيَوا الحق بذكره، وأماتوا الباطل بهجره، فلله رجال يصطفيهم ويختارهم لحماية الحق وسيادته، لا يضرهم من خذلهم".

 

وهذه الدعوة المباركة لا يحملها إلا مَن آمن بها، وتربَّى على مائدتها، واصطبغ بصبغتها، وأحاطها من كل جوانبها، ووهب لها ما تكلفه إياه من نفسه وماله ووقته وصحته، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24).

 

إنها دعوةٌ لا تقبل الشراكة؛ فمَن استعدَّ لذلك فقد عاش بها وعاشت به، ومن ضعف عن هذا العبء فسيحرم ثواب المجاهدين، وصدق الإمام البنا حين قال: "إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة أن تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرَّق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلوُّن ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره.

 

على هذه الأركان الأولية التي هي من خصوص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تبنَى المبادئ وتتربَّى الأمم الناهضة وتتكون الشعوب الفتية وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنًا طويلاً".

 

وكل شعب فقد هذه الصفات الأربعة أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه لهو شعب عابث مسكين، لا يصل إلى خير ولا يحقق أملاً، وحسبه أن يعيش في جوٍّ من الأحلام والظنون والأوهام ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (يونس: من الآية 36).

 

لهذا كله:

فإننا فخورون بكم أيها الإخوة والأخوات؛ فقد أبليتم بلاءً حسنًا، وقدَّمتم صورةً كتبناها سطورًا بأقلامنا؛ أملاً في تحقيقها، فأنزلتموها على أرض الواقع: صفًّا ربانيًّا أخلص لله، والتفَّ حول قيادته ثقةً فيها والحمد لله.

 

لقد حقَّقنا وحدة الصف وانعدمت الانشقاقات، وكانت هذه الوحدة في الفهم والحركة، فرددتم بذلك كيد أعدائكم في نحورهم، فلا تستقلوا عملاً قمتم به ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ (الزلزلة: 7).

 

صحيح أننا نشكو إلى الله ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، ولكن لا بد من معرفة سنن الله مع أصحاب الدعوات، بل إن نهضات الأمم جميعها بدأت على رجال ضعفاء، لكنهم آمنوا بربهم وقالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُون﴾ (إبراهيم: 12)، وهم يعلمون بما ذكر الله فيهم ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (لأنفال: 26).

 

إن حقائق اليوم هي أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد، ومن هنا فإن مشاركتنا في الانتخابات بوجهٍ عامٍّ والمحليات بوجهٍ خاصٍّ منطلقها تعبدي لله رب العالمين، وأداء لواجب وطني، وتصدٍّ للفساد ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ﴾ (هود: من الآية 88).

 

مشروعنا الإسلامي السلمي

إن مشاركتنا في هذه الانتخابات تسقط المزاعم القائلة بإرهابية المشروع الإسلامي؛ فمشاركة الإسلاميين في المجالس التشريعية في الأقطار المختلفة وقيامهم بدورهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والخدمي، وإسهامهم في معالجة كل جوانب الحياة، ابتداءً من بناء الإنسان إلى بناء الأوطان والتصدي لكل أنواع الفساد؛ لدليلٌ قاطعٌ على أن الأصل في المشروع الإسلامي التغييري: الدعوة بقواعدها وأصولها ومنهجها، والحوار بآدابه وضوابطه وأخلاقه، وعرض المبادئ والأفكار، والدعوة إلى المشروع الإسلامي بالوسائل القانونية والدستورية.

 

ولكي تزداد القلوب اطمئنانًا إلى أن قرارنا الشوري بالمشاركة في المحليات لهذا الميدان كان فيه فوائد جمة بتوفيق الله، سنسرد لكم بعض هذه المكاسب الدعوية والمردود الذي حقَّقتموه بفضل الله بجهودكم في مشاركتنا جميعًا في هذه الانتخابات.

 

وإليكم أهم هذه المكاسب:

أولاً: الاختلاط بالناس ومعايشتهم هو مجال دعوتنا بصرف النظر عمَّا يقع للداعي من إيذاء، يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم".

 

ثانيًا: النزول إلى أرض الواقع أمرٌ لازمٌ لأصحاب الدعوة، وهو يمحِّص الصف المسلم ويقويه من خلال التجربة العملية والممارسة التطبيقية، وليس مجرد العلم النظري.

 

ثالثًا: كسرت هذه الممارسة حاجز الخوف والرهبة لدى أفراد المجتمع، وظهر المعدن الأصيل للشعب المصري بكل فئاته وتعاطف جلُّهم وتآلفهم ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 63).

 

رابعًا: تحقيق الشعور بالهزيمة والإحباط والفشل لمخطط المناوئين للدعوة، الذين يظنون أنهم نجحوا بهذا المخطط في انتخابات الشورى السابقة، وهذا الشعور بالإحباط يفتح المجال للعمل بهذا الثبات فيما يستجد من انتخابات في النقابات والنوادي واتحادات الطلاب وغيرها من المجالات.

 

خامسًا: تجاوب كثير من وسائل الإعلام مع قضيتنا، وترويج المشروع الإسلامي.

 

سادسًا: تحقيق هدف الانتشار في المجتمع، وإبراز رموز جديدة.

 

سابعًا: إحداث أصداء دولية اتضحت في بيانات جمعيات حقوق الإنسان الدولية وبيان البيت الأبيض والاتحاد الأوروبي.

 

ثامنًا: اعتزاز الجماعة بالانتساب لهذه الدعوة، والثقة في نصر الله لها رغم كل محاولات الإضعاف والتحجيم؛ مما كان له هذا الأثر الطيب على صفنا المبارك وعلى المناوئين ضعفًا وهزيمةً وإحباطًا.

 

تاسعًا: إحباط مخطط الإقصاء والإبعاد، وإثبات وجودنا في المجتمع دون تحدٍّ، وإنما ممارسةً لحقوقنا الشرعية وقيامًا بواجبنا الوطني لإنقاذ الشعب من الفساد والفاسدين.

 

عاشرًا: اكتشاف الأساليب الجديدة لأهل الباطل في محاولاته لصدنا عن مواصلة المسير وشل فاعليتنا، والحمد لله تمَّ التغلب على ذلك بالثبات واتخاذ الإجراءات القانونية.

 

حادي عشر: الإصرار على أننا لن نجلس في بيوتنا ولن نستكين مهما كان هناك تعديلات دستورية، وشعارنا في ذلك: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، ونقول لهم: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (طـه: من الآية 72)، كل ذلك رخيص في سبيل "الإسلام هو الحل"، ونهضة الأمة ورفعتها.

 

ثاني عشر: تأكيد أن منهج الإصلاح والتغيير عند الإخوان هو منهج سلمي، ووسائله مشروعة.

 

ثالث عشر: التأكيد على أن الدعوة لا يقاس تقدُّمها أو تأخُّرها بما يقع على أصحابها من إيذاءٍ أو تنكيل أو اعتقال، وإنما يعود على الدعوة من مردود دعوى وتربوي ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: من الآية 19).

 

وبعد أيها الإخوان..

فاصبروا وصابروا ورابطوا، واستمروا في طريقكم غير عابئين بأية عقبات أو معوقات، ملتفين حول قيادتكم، واثقين فيها كالعهد بكم دائمًا ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: من الآية 105).

----------

* عضو مكتب الإرشاد