لم يعد الإدمان مقتصرًا على فئة متدنية من المجتمع كما اعتدنا، بل أصبح أخطبوطًا امتدَّت أذرعه لتخطف عقول المجتمع وسواعد أبنائه، وتؤكِّد الإحصائياتُ أن عدد مدمني المخدِّرات في العالم العربي بلغ حوالي 10 ملايين مدمن، وفي مصر وحدها حوالي 4 ملايين.

 

هذا إلى جانب زيادة عدد متعاطي المخدِّرات إلى أضعاف الرقم السابق، وتُمثِّل مشكلة تعاطي المخدِّرات همًّا عالميًّا كبيرًا؛ حيث يوجد 212 مليون متعاطٍ للمخدِّرات، يمثِّلون قرابة 5% من إجمالي سكان العالم، البالغ عددهم نحو 6 مليارات نسمة، وتتراوح الفئات العمرية للمدمنين ما بين 15 إلى 64 سنة، والمحزن هو التوقُّع بزيادةٍ مطَّردةٍ في هذه الأعداد نتيجةً لانخفاض أسعار المخدرات وزيادة معدلات البطالة والإحباط لدى الشباب، وتضيف الدراسات أن إجمالي عدد من توجَّه للعلاج في السنوات الثلاثة الأخيرة في العالم العربي لا يزيد عن 4 آلاف مدمن سنويًّا فقط.

 

هذا الواقع المؤسف هو الذي حرَّك حملة (حماية) من أجل مستقبلٍ خالٍ من المخدرات، وكانت حملة (حماية) لمحاربة الإدمان في الوطن العربي قد انطلقت يوم الأحد 9 مارس الماضي، وتستمر لمدة خمسة أسابيع، وهي حملة قومية تهدف إلى تشجيع علاج خمسة آلاف مدمن للمخدرات على مستوى الوطن العربي.

 

في إطار إشراك المجتمع في جهود التوعية لإبعاد الأجيال الجديدة عن تعاطي وإدمان المخدرات، وحول هذه الحملة وإنجازاتها، كان لـ(إخوان أون لاين) هذا الحوار مع محمد فتحي المنسق الإعلامي لحملة (حماية).

 الصورة غير متاحة

 مشاركة إيجابية للشباب العربي في حملة محاربة الإدمان

 

* ما النتائج الإيجابية التي توصَّلت إليها الحملة؟

** نتائج كثيرة ورائعة، لكنَّ أكثرَها منْحًا للأمل والتفاؤل هو المشاركة الإيجابية من الشباب العربي بمنتهى الإيجابية؛ بدءًا من مرحلة الترويج للحملة وتبنِّيها، ومرورًا بأكثر من 50 ألف نشاط تم في الدول العربية للتعريف بالحملة ودعمها معنويًّا، رغم أن الأنشطة المستهدفة كانت مجرد خمسة آلاف نشاط، وأصبح عدد الملصقات التي قام المشاركون بتوزيعها حوالي 30 مليونًا و91 ألفًا و252 ملصقًا؛ مما يدل على تفاعل الجماهير مع الحملة، وأنها آتت ثمارها المرجوَّة في هذا الوقت القليل.

كل هذا إلى جانب تحقيقنا للعدد الفعلي من المدمنين المستهدفين قبل نهاية الحملة بنحو عشرة أيام؛ حيث وصلنا في اللحظة التي أردُّ فيها على إجابة هذا السؤال إلى خمسة آلاف مدمن اتصلوا بنا وطلبوا العلاج.

 

لقد حقَّقت الحملة أنموذجًا طالما حلمنا به، وهو التفاف الجميع حول فكرةٍ، والجميع هنا تعني كل فئات المجتمع؛ من طلاب مدارس وجامعات، وموظفين وأطباء، وصيادلة وأساتذة الجامعات، ورجال الأعمال.

 

وقد أسعدتنا للغاية موافقة مصر عبر رئيس وزرائها د. أحمد نظيف على رعاية الحملة، من خلال وزارة الصحة ممثَّلةً في شخص د. حاتم الجبلي وزير الصحة، لتكلِّلَ مصر جهودًا كبيرةً بُذلَت في هذه الحملة مع باقي الدول العربية التي انضمت إلى الحملة من قبل، سواءٌ بصورة رسمية من خلال وزارات الصحة أو مكاتب مكافحة المخدرات، أو حتى من خلال التفاف شعبي هائل حول الحملة أدَّى والحمد لله إلى نجاحها الكبير؛ مما يدلُّ على تفاعل الجماهير مع الحملة، وأنها آتت ثمارها المرجوَّة في هذا الوقت القليل.

 

عجز في أماكن العلاج

* ما العقبات التي واجهتكم بعد النزول لأرض الواقع؟

** في البداية كانت العقبة الأولى تردُّد بعض المدمنين في اتخاذ قرار العلاج، وهو التردُّد الذي حسمه نجاح الحملة ومحاصرتهم للمدمنين في كل مكان عبر أكثر من 3 ملايين "إستيكر" تحمل شعار الحملة انتشرت في أرجاء الوطن العربي، لكنَّ العقبة الكبرى التي نريد لفت نظر الناس والدول العربية كلها إليها هي مشكلة عدم توافر أسرَّة كافية لعلاج المدمنين، فحين تعرفين أن الأماكن المتاحة لعلاج المدمنين في العالم العربي لا تتحمَّل أكثر من ألف مدمن، وحين نقول إن هناك 5 آلاف مدمن يريدون العلاج فنحن الآن أمام مشكلةٍ نتمنَّى أن تتضافر الجهود لحلها.

 الصورة غير متاحة
 

 

عقبة أخرى مهمة تمثَّلت في الحالات غير القادرة على العلاج؛ بسبب المصاريف المادية، ونحن في حاجة أيضًا إلى دراسة وضع هؤلاء ومساعدتهم بقوة.

 

* ما التعديلات التي أُدخلت على الخطة التي أعدَّتها الحملة في البداية بعد اصطدامها بأرض الواقع؟

** ليست تعديلات بقدر ما هي إرادة أكبر وإصرار كبير على إنجاح الحملة، هناك مثلاً نحو 100 شاب أخذوا على عاتقهم مقابلة المدمنين وإقناعهم باتخاذ خطوة العلاج، 100 شاب تدرَّبوا على ذلك تدريبًا علميًّا معترفًا به من الأمم المتحدة، ساهموا بدورهم في تدريب المزيد مع وجود مدمنين متعافين قاموا بمساعدتنا في إنجاح الحملة عبر إصرارهم على فتح أبواب الأمل أمام كل مدمن كي يستطيع العلاج.

 

* ما توقعاتكم لصدى الحملة؟ وهل أتت بجزء من ثمارها أو لا؟

** الحمد لله، الواقع فاق توقُّعاتِنا فيما يتعلَّق بالنتائج المرجوَّة، و5 آلاف مدمن يبدءون العلاج رقم ليس سهلاً تحقيقه في مجرد خمسة أسابيع هي مدة الحملة، خاصةً حين نعرف أن هذا العدد هو إجمالي من يتقدَّم للعلاج في عام كامل، لكن لا يزال لدينا أمل في شيئين: الأول هو ضرورة دمج المدمنين المتعافين وسط المجتمع وعدم نبذهم حتى لا يعودوا إلى ما كانوا عليه، والثاني هو ضرورة علاج المدمنين المسجونين في السجون على ذمة قضايا مختلفة؛ حتى يخرجوا مهيَّئين للاندماج في المجتمع؛ عملاً بالمقولة الشهيرة: "السجن إصلاح و تهذيب".

 

وبدأت رحلة العلاج

* هل بدأت خطة العلاج بالفعل أو ما زالت في مرحلة الإبلاغ عن المرضى؟

** كلاهما.. في هذه اللحظة دخل إلى المصحَّات بالفعل ما يزيد عن 600 مدمن، وجارٍ إدخال المزيد، كما أننا لا زلنا نتلقَّى الاتصالات من المدمنين الراغبين في العلاج، لدرجة أننا تعدَّينا عدد 5 آلاف مدمن حتى الآن.

 

* هل تقبل الحملة التبرعات للمساهمة في تكلفة العلاج؟ وفي حالة تقبُّلها التبرعات كيف تصل إليكم؟

** هي ليست تبرعات بالمعنى المفهوم، وإنما يستطيع البعض التواصل مع مراكز العلاج لتقديم أي دعم للمدمنين الذين يعالَجون أو غير القادرين على تحمل نفقات العلاج، وهذا شيء نفضِّل أن نكون بعيدين عنه؛ لأن دورنا ليس جمع التبرعات.

 

* هل خمسة أسابيع كافية لإنجاز أهدافها؟

** النتائج تقول إننا حقَّقنا أهداف الحملة في ثلاثة أسابيع فقط، وهو شيء يبعث على الفخر، لكن دعيني أؤكِّد أن هذه الحملة لا تزال تبرهن أن المجتمع إيجابي وقادر على تجاوز الصعاب، ولا أبالغ حين أقول إنه قادر على تحقيق المستحيل، والنتائج خير شاهد على ذلك.

 

طاقات مدفونة

 

الحملة نجحت في التوعية بخطر الإدمان

* ما دور الأفراد العاديين في دعم الحملة؟

** الحملة نجحت بالأفراد العاديين.. نجحت بهؤلاء الذين لصقوا شعار الحملة في الحواري والأزقَّة وعلى أبواب المساجد والكنائس، وفي "المولات" والجامعات والمدارس، وفي كل مكان.. هؤلاء ناس عاديُّون جدًّا ساهموا في إنجاح الحملة ودعمها بتبنِّيهم لها.

 

أذكر مثلاً أن البعض تحدَّث معنا عن توعيته للناس بطريقةٍ مبتكرةٍ وبسيطةٍ؛ حيث كانوا يتحدَّثون عن الحملة مع سائقي التاكسي، ويحفِّزونهم على الحديث مع الركَّاب فيما بعد، وهي طريقة مع بساطتها فإنها رائعة.

 

* ما دور الإعلام في الترويج للحملة؟ وما هي الرسالة التي تحبون توصيلها للقرَّاء من خلالنا؟

** نحن مدينون للإعلام المحترم الذي شارك في إنجاح هذه الحملة.. مدينون لـ(القاهرة اليوم) وعمرو أديب الذي كان يصرخ في الناس للمشاركة في الحملة، مدينون لجريدة (المصري اليوم) التي كانت تنشر يوميًّا شعار الحملة، مع متابعتها لآخر الأعداد التي وصلنا إليها بصورة يومية.

 

خذي عندك أيضًا الصحافة المحترمة، سواءٌ قومية أو خاصة أو حتى حزبية، برامج "التوك شو"، مثل "90 دقيقة" على شاشة (المحور)، وحتى البرامج الرياضية، مثل "هنا القاهرة" مع د. علاء صادق على شاشة (مودرن سبورت).

 

الإعلام المحترم روَّج للحملة جيدًا بما فيه الإعلام الذي هاجمنا خلال الحملة لأهداف أخرى؛ حيث لم يكن ذلك خافيًا على الناس البسطاء؛ مما دفعهم إلى المشاركة أكثر في هذه الحملة وإنجاحها، ولعل هذا النجاح أكبر من أي هجوم، فشكرًا للهجوم الذي ساعد على نجاح الحملة، وفي انتظار المزيد من الهجوم؛ لأننا نطمح إلى المزيد من النجاح.

 

وأعلن اتحاد المدوِّنين العرب ضمن مساهمته في حملة (حماية) عن المسابقة التي ينظِّمها كشكلٍ من أشكال التضامن مع الحملة عن "أفضل مقال عن مكافحة المخدرات والإدمان"، وتحت نفس شعار حملة حماية: "أوقف المخدِّرات وغيِّر حياتك"، على أن يتناول المقال أبعاد وأثر المخدرات في المجتمع والشباب والأمة وأساليب مكافحتها والتوعية بمخاطرها، وينشر هذا المقال في متصفح إلكتروني، ويُشتَرط أن يكون المقال مبتكرًا وليس منقولاً، ويكتب باللغة العربية.