يا أحبتي يا مَن غبتم عنَّا بأجسادكم، وعشتم معنا بأرواحكم وقلوبكم، وأنتم في ذاكرتنا آناء الليل وأطراف النهار فكيف ننساكم؟! ونحن نردد معًا: "اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحَّدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك.." إنه ورد رابطتنا الذي يجمع القلوب قبل الصفوف، ونُشهد اللَّهَ على حُبٍّ يجمعنا، وألفة تربطنا.. ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾ (الأنفال).

 

يا أحبتي.. والله لقد أطلتم أعناقنا، وشددتم من أزرنا وشَرُفت الدعوة بأمثالكم، فلقد جعلتم من بيعتكم واقعًا ملموسًا وحياةً مشهودةً لا تُخطئها عين مبصرة ترى القيم التي تُقرأ، والمفاهيم التي تُحفظ، والعقائد الموروثة حقيقةً مترجمةً يشاهدها القاصي والداني، الحبيب والعدو، المتردد والمتحامل لعل الله يفتح بهذه المواقف قلوبًا أحسَّت بصفاتِ رجالٍ حوَّلوا المبادئ إلى حقائق، والمفاهيم إلى واقعٍ بثباتهم وصدقهم مع الله ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب).

 

يا أحبتي.. إن أولى مراحل النصر أن تحقق الهزيمة الداخلية في قلوب مَن يعادي الإسلام ودعاته لأن الانتصار في المعارك الشعورية لا بد أن يسبق كل المعارك التي تليها، ألا ترى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالرغم من كلِّ ما فعله أعداء الدعوة معه كان أول انتصاراته يوم أن قال: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" ثم أخذت الانتصارات بعد ذلك تترا لأنه لبَّى أمر ربه.. ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43)﴾ (الزخرف).

 

هذا هو النصر الحقيقي، وهذه هي بدايته التي بدونها لا تتحقق المبادئ والقيم والعقائد واقعًا على الأرض، وليست هذه المعاني بجديدةٍ عليكم لكنها الذكرى التي تنفع المؤمنين.

 

يا إخواني.. إن أمر هذا الدين عجيب له سننه التي تخالف منطوق العقول المجردة، وله قوانينه التي لا تخضع للمناطقة ولا الجدليين ولا الملحدين، ولكن يفسرها إيمان بالله ومعرفة بقدرته ويقين بإرادته وفقهٍ بسننه وطاعةٍ لأوامره، وحُبٍّ لمنهاجه واتباعٍ لرسوله- صلى الله عليه وسلم-، فهو سبحانه القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير، حكمته بالغة، وقدرته نافذة وسننه ماضية ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)﴾ (آل عمران)، فالله سبحانه بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرًا.

 

إخواني: مَن كان يظن وهو يتتبع قصة موسى عليه السلام الذي وُلد في عهد الفرعون اللعين ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾ (القصص: من الآية 4) فيوحي المولى إلى أمه ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: من الآية 7)، فأين منطق العقل المجرد أمام هذا الأمر الذي يقف أمام البدايات لا يمكن أن يصل إلى هذه النهايات التي قدَّرها المولى سبحانه؟!.. فأي عقلٍ مُجرَّد هذا الذي يستطيع أن يقنع الأم بهذه النهاية كي تطمئن على نجاةِ فلذة كبدها؟، إنه الإيمان بالله واليقين بقدره هو الذي دفعها أن تضع أمر الله موضع التنفيذ وتنتظر بيقين تحقيق وعد الله لها ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13)﴾ (القصص).

 

ومَنْ كان يتصور أن يوسف عليه السلام بعد أن يُلقَى في الجب ويُباع بيع الرقيق ويفتن في بيت العزيز، ويُسجن سنوات عدة أن تكون هذه الأحداث هي عينها مراحل التمكين.. ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ﴾ (يوسف: من الآية 21)، إنه الإيمان بالله واليقين الذي ملأ قلب أبيه يعقوب عليه السلام وهو يقول: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (يوسف: من الآية 83) فإذا بالتضييق فرجًا وإذا بالسجن خلوة، وإذا الذي يراه الناس ذلاً ومهانةً هو عين التمكين والنصر، حقًّا إنَّ طبيعةَ هذه الدعوة إذا ضغطت عليها اتسعت، وإذا ضيقت عليها انتشرت، ومكر أولئك هو يبور.

 

إنَّ الذي يتيقن هذا كله يُنزل الله عليه السكينة فيزداد إيمانًا مع إيمانه فيصبح الضيق متسعًا أمامه، والتعذيب له عذوبة، والحرمان له من متاع الدنيا عفاف وغنى، والقتل له شهادة فلا يحزن لأن الله معه.. ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: من الآية40).

 

من أجل هذا كله ولثقتنا في نصر الله نُشفق على مَن ظلمنا من عذابِ الله، ونقول لهم مقولة رسولنا- صلى الله عليه وسلم-: "أنتم تلقون بأنفسكم في النار وأنا آخذ بحجزكم" لأن الداعي رحيم يرى ما لا يراه غيره يقول: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى (41) تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)﴾ (غافر)، وهل هناك إشفاق على حال الظالمين كمثل إشفاق هذا الرجل الذي قتلوه ظلمًا وبغيًا فنقل لنا القرآن مشاعره بعدما رأى من النعيم المقيم فيتمنى لقومه قائلاً: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)﴾ (يس).

 

ليس هذا الذي أقول لون من ألوان الضعف أو الاستكانة، كما يظن البعض، ولكنه عين القوة ويقين المؤمن بالنصر: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ (51)﴾ (غافر)، فهذه الرحمة والشفقة نتيجة يقين يملأ القلب بأن نصر الله قادم، ومن هنا كان الإشفاق على مَن يحادون الله ورسوله والذين آمنوا، من عذاب ينتظرهم فلا تغرنهم قوتهم وسلطانهم وتقلبهم في البلاد: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ (2)﴾ (الحشر).

 

إنَّ كل مَنْ حمل هذه الرسالة يتصف بالرحمة، يقول الجنيد رحمه الله "لا يكون العارف بالله عارفًا حتى يكون كالأرض يطأها البار والفاجر، وكالسحاب يظل كل شيء، وكالمطر يسقى ما يحب وما لا يحب"، ولمَن يريد زيادة بيان أقول: "إن الإسلام في حالة الخصومة يستبقى الود في النفوس بنظافة السلوك، وعدالة المعاملة، انتظارًا لليوم الذي يقتنع فيه الخصوم بأن هذا الخير تحت هذا اللواء الرفيع، ولا ييأس الإسلام من هذا اليوم ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7)﴾ (الممتحنة).

 

وليس معنى ذلك أننا نترك الدعاء على الظالمين والمستبدين والمفسدين الذين إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (النساء: 148) فلقد دعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على عضل والقارة وخص أناسًا بالدعاء عليهم فلترتفع أكف الأطفال والزوجات والجيران والأحباب أن يرينا الله آيةً في الظالمين تشفي منها صدور قوم مؤمنين، وتُثبت أقدامها وتحقق آمالها وتدخل السرور والحبور عليهم إنه سميعٌ قريب مجيب الدعوات.

 

وفي النهاية أقول لكم إنه لا يصرفنا صارف مهما كان الإيذاء أو الظلم الذى يقع علينا من بنى جلدتنا أو أعداء دعوتتنا عن المعركة الحقيقية التي يعد لها عدونا الخارجى صاحب المشروع الاستئصالي للإسلام ودعاته، فمهما كان هذا الإيذاء، ومقدار الظلم، فلن نريد إلا إصرار على مواصلة المسير ونحن على يقين من أن الله : ﴿مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: من الآية 8)، ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية38)، فاللهم استعملنا ولا تستبدلنا، ولا تنسوا وعد الله لأوليائه.

 

وأختم بحديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليكون نبراسًا لنا وتوضيحًا لطبيعة دعوتنا وبردًا وسلامًا على قلوبنا يقول- صلى الله عليه وسلم-: "أيها المؤمنون: شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن الرحيل بعيد، وتزودوا فإن السفر قريب، وخففوا أثقالكم فإن العقبة كؤود لا يقطعها إلا المخففون".

 

أيها الناس: إن بين يدي الساعة أهوالاً شدادًا وأمورًا عظامًا، وزمانًا صعبًا تتصدر فيه الفسقة ويتحكم فيه الظلمة ويُضام فيه الآمرون بالمعروف ويُضطهد فيه الناهون عن المنكر، فأعدوا لذلك الإيمان عضوا عليه بالنواجز وأكثروا من العمل الصالح، واصبروا على الضراء تفضوا إلى النعيم الدائم".. أو كما قال- صلى الله عليه وسلم-، وإنَّ النصرَ مع الصبر، وإنه لقريبٌ بإذن الله.

-------------

* عضو مكتب الإرشاد