الشفافية قيمة حسنة؛ لأنها تعبِّر عن مدى الصدق والأمانة والاستقامة التي يتحلى بها صاحبها؛ سواءٌ كان هذا الصاحب فردًا أو مؤسسةً أو دولةً؛ حتى ابتدعت بعضُ المنظمات العالمية مقاييس تقيس بها شفافية الدول والحكومات وترتِّبها ترتيبًا تنازليًّا؛ بحيث تعتبر الدول التي تحتل رأس هذه القائمة من الدول المتقدمة الديمقراطية المحترمة، وتلك التي تقع أسفلها من الدول المستبدة الفاسدة المختلفة.

 

ولذلك فقد انبرى كثير من الأفراد والمنظمات يطالبون بالشفافية المطلقة لدى غيرهم من المؤسسات والجماعات؛ تحت دعوى حرية تداول المعلومات، ويستنكرون عليها حجب أية معلومة تخصُّها؛ باعتبار كل المؤسسات ملكًا للأمة التي من حقِّها أن تعلم كل صغيرة وكبيرة، وهذا الكلام يحتاج إلى توضيح.

 

الشفافية في حق الفرد أن يكون صادقًا وأمينًا في عرض مبادئه وأفكاره على الناس؛ فلا يُبطن في نفسه غير ما يظهر، كما أن هناك مساحةً متاحةً للآخرين أن يتعرَّفوا عليها بحكم التعامل والاحتكاك، وهي الطباع والأخلاق والمعاملات، ولكن تبقى لكل فرد مساحة خاصة لا يجب أو لا يصح للآخرين الاطِّلاع عليها أو محاولة اقتحامها؛ لأنه يعتقد أن ضررًا ماديًّا أو معنويًّا سيلحق به إذا أتيحت للآخرين، ومن ثم يحرص على التكتُّم عليها، فمثلاً إذا توصَّل فرد إلى اختراع ما فإنه يتكتَّم عليه حتى يسجِّل براءته؛ خشيةَ أن يسطو عليه غيره، وإن كان ممن يؤمنون بأثر الحسد في إزالة النعم فلا ريب أنه سيُخفي ثروته ونِعَم الله عليه عن الناس، وهناك أمر يؤثِّر على مكانته عند الناس واحترامهم له، بل أمر الله تعالى بستره وهو اقتراف المعاصي، فقد جاء في الحديث الشريف "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه"، وكذلك إذا شعر بأن هناك من يتربَّص به لإيقاع ضرر به فعندئذٍ يحق له أن يُخفي خططه ومساره عنه.

 

وكذلك الشفافية داخل الأسرة ليست مطلقةً؛ فهناك معلوماتٌ يحتفظ بها ربُّ الأسرة لنفسه، وأخرى يُطلع عليه زوجته، ومعلومات يطلع عليها أبناءه الكبار وهكذا..

 

وكذلك كل المؤسسات الاقتصادية تُخفي عن منافسيها كل عناصر القوة التي تمكِّنها من السبق في مجالات الإنتاج وتخفيض التكاليف لتحقيق أقصى ربح، وكذلك المؤسسات العسكرية على مستوى الدول تحتفظ بكل معلوماتها كأسرار حتى لا يطلع عليها الأعداء.

 

ويرى البعض أن المؤسسات التطوعية؛ كالمؤسسات السياسية والاجتماعية وما شابهها.. لا يحق لها أن تُخفي عن الناس شيئًا، وهذا وإن كان صحيحًا إلى حدٍّ كبير، إلا أنه يبقى مرهونًا بالعمل في ظروف طبيعية عادلة آمنة هادئة.. أما إن كان المناخ العام يتَّسم بالتربُّص والاستبداد والظلم والطغيان والإقصاء؛ فالأمر يكون مختلفًا وإذا كان البعض ينكر علينا لجوءنا إلى إخفاء بعض الأعمال مثل الانتخابات الداخلية؛ فكم كنا نأمل أن نجري انتخاباتنا في صناديق زجاجية في موقع عام تحت رقابة داخلية وخارجية- إذا لزم الأمر- ونعلن النتائج على الملأ وفي جميع وسائل الإعلام؛ لولا أن هناك مَن يتربَّصون لإجهاض خططنا، واعتقال أفرادنا، وكم عانينا من ذلك منذ عام 1995م؛ حيث تم اعتقال ما يزيد على ثمانين من قياداتنا، وتقديمهم إلى المحاكمة العسكرية التي أصدرت أحكامًا بحق ما يزيد على ستين منهم بالحبس ما بين 3-5 سنوات، وتكرر الاعتقال بعد ذلك بسبب الانتخابات الداخلية، ولذلك فقد جرى ما جرى، ولذلك فنحن نرى أن الحملات الإعلامية التي شنَّها الصحفيون المتربِّصون بنا والكارهون لنا والمحرِّضون علينا.. إنما هي امتدادٌ للحملات الأمنية التي تهدف إلى إقصائنا، ومن ثم نرى فيها ظلمًا فادحًا، واضطهادًا كبيرًا لم ينقطع عنا منذ حوالي ثلاثة عقود؛ سوف نصبر عليه ونصرُّ على منهجنا الشوري الإصلاحي السلمي، ونستعين بالله على رفع هذا الظلم والاضطهاد عنا وعن الشعب.

 

أما أولئك المعاتبون من الكتَّاب المحترمين فنرجو أن يخفِّفوا من عتابهم؛ فإذا كان عمل الواحد منهم هو التحليل والتفسير وهو يقوم أصلاً على المعلومات، فينبغي ألا ينسوا أنهم يكتبون ويحلِّلون وينشرون ثم يذهبون إلى بيوتهم آمنين، أما نحن، موضوع التحليل والنشر، فمهدَّدون بإجهاض الأعمال قبل بدئها، والاعتقال قبلها أو أثناءها أو بعدها، فهلاَّ تخيلوا أنفسَهم مكاننا ثم ينظرون بعد ذلك أيعتبون أم يعذرون؟!.

 

وهناك طائفة من الشباب المخلصين يردِّدون هذه الدعاوى، ويطالبون بالشفافية المطلقة، وينشرون كل ما يصلهم من أخبار صادقة أو زائفة، ويبنون عليها مواقف حادَّة، وانتقادات عنيفة، وإلى أبنائي الأعزاء هؤلاء أقول لهم إضافةً إلى ما قلته لغيرهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قابل الأنصار في بيعة العقبة الكبرى سرًّا، رغم أن الدعوة في هذا الوقت كانت علنيةً، انظروا إلى ما جاء في كتب السيرة: "فلما قدموا مكة- أي الأنصار- جرى بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم اتصالات سرية؛ أدَّت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة؛ حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل.. قال كعب بن مالك الأنصاري الذي حضر هذه البيعة: فلما كانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها؛ نمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا نتسلَّل تسلُّل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان من نسائنا؛ فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب.. إلى آخر الرواية..".

 

وكذلك كانت هجرة غالبية المسلمين إلى المدينة سرًّا، ثم خُتمت بهجرته صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وكلنا نعلم أنه سار إلى الجنوب للتمويه على رجال قريش حتى إذا خفَّ الطلب سار إلى الشمال تجاه المدينة، وهذا كله يدل على أن التكتُّم على بعض الأعمال والإجراءات قد يكون الواجب ومقتضى الحكمة إذا كان هناك من يتهدَّد هذه الأعمال، كما يؤكد أن الشفافية وإن كانت قيمة حسنة فهي ليست قيمة مطلقة وإنما هي قيمة نسبية، ولذلك جاء في الأثر "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"، والعامة من الناس يقولون: "داري على شمعتك تضيء".

 

وهناك قاعدة أخرى؛ هي أن المحاسبة ليست حقًّا مباحًا لكل الناس؛ بمعنى أن الذي يحق له المحاسبة لا بد أن تكون له سلطة ما مادية أو معنوية على الذين يحاسبهم أو يراجعهم؛ فالجمعية العمومية لكل مؤسسة هي التي لها حق محاسبة قياداتها؛ بحكم أنها هي التي اختارتهم ووكلتهم في القيادة، والموكّل من حقه أن يحاسب وكيله، فليس لشخص خارج دائرة حزب ما مثلاً أن يحاسب قادته على ما يفعلون، وإن كان من حقه أن يحدِّد موقفه من الحزب بحسب مبادئه ومواقفه؛ ينحاز له أو ينحاز ضده، لكن لا يملك حق محاسبته والتدخل في أعماله وآرائه، وكذلك كافة المؤسسات.

 

وإذا قيل بأي حق تطالبون الحكومة بالشفافية وتدعون إلى محاسبتها؟ فأقول: إن الأصل الطبيعي أن تكون الحكومة منبثقةً عن حزب، وأن يكون الحزب هو المنتخب انتخابًا حرًّا نزيهًا، بأغلبية الشعب، ومن ثم يكون الشعب هو الموكّل والحزب والحكومة هما الوكيل؛ فصاحب السلطة والسيادة هو الشعب، ومن هنا يحق له أن يعرف كل شيء بشفافية ووضوح، إلا ما يمسّ الأمن القومي ويكون من حقه مراقبة الحكومة ومحاسبتها، وإن كان ذلك صعبًا أن يتم بواسطة عموم الناس فيتم بواسطة نوابهم، وهذا طبعًا في الأنظمة الحرة الديمقراطية التي تأتي برضا الناس وتحترم حقوقهم.

 

أما بالنسبة لتلقي الأخبار أيًّا كانت ونشرها واتخاذ مواقف بناءً عليها فهو مسلك غير إسلامي؛ حيث يقول المولى تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾ (الحجرات)، ويقول تعالى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: من الآية 36)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما يسمع"، وينعى القرآن الكريم على طائفة لا تكفّ عن الثرثرة بكل ما تسمع دون تقدير لأثر الكلام على الجماعة المسلمة كلها؛ فرُبَّ كلمة عابرة أو فلتة لسان تجرُّ من العواقب ما لا يتصوَّره الإنسان!! ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83)﴾ (النساء).

 

ونحن نعلم أن حملة الافتراءات علينا لا تتوقف؛ تبغي اغتيالنا معنويًّا، وتشويه صورتنا ومبادئنا لصرف الناس عنا وعنها؛ فالإخلاص والفطنة والكياسة تقتضي منا إن سمعنا أو قرأنا خبرًا أن نرجع إلى كبارنا؛ نخبرهم به ونستوثق من حقيقته، ونستفسر عن ظروفه وملابساته، وبذلك يتحقق التفاهم، وتتعمَّق الثقة، ويسود الحب والتعاون على البر والتقوى، ونفوِّت على الشيطان وجنوده كيدَهم ومكرَهم وتدبيرَهم، وإذا أردنا أن ننصح فللنصيحة آدابٌ وأخلاقٌ؛ أولها الإخلاص، ثم العلم واللين والمعروف والستر؛ فذلك كله أدعى للاستجابة.. وفَّقنا الله وإياكم لخدمة دينه، ومصلحة أمتنا ووطننا ودعوتنا، وهدانا سواء السبيل.