* الخلافات السياسية أخَّرت عضويتي بمجمع البحوث الإسلامية 40 عامًا

* رفضت طلبًا لشيخ الأزهر بملء استمارة طلب العضوية فملأها بنفسه

* السياسة جزء من الدين وبعض الحركات أهملت الجانب الدعوي

* لم يكن لحماس خيار آخر سوى الدخول في ميدان السياسة لاستمرار بقائها

* زكاة "الركاز" لا تجوز بمفهوم مجمع البحوث والتضامن الإسلامي هو الحل

* نقف ضد ضرب إيران ومن حقِّها امتلاك التكنولوجيا النووية

* خطط "تشييع" أهل السنة خطأ وتثير الفتنة وتخلق رأيًا ضد الشيعة

* المسلمون متعاطفون مع "أوباما" بسبب لونه ووالده المسلم وضد بوش

 

حوار- إسلام توفيق

الحوار مع فضيلة الشيخ القرضاوي مختلف عن أي حوار مع أي شخص آخر؛ فهو لديه جديد يقوله لمن يحدثه، لِمَ لا وهو أحد علماء الوسطية الذي حظي بالترحيب والقبول في كافة الأوساط والمؤسسات، وشهد له الأعداء قبل الأصدقاء؟!.

 

وقد استطاع (إخوان أون لاين) أن يلتقي بالدكتور القرضاوي بعد مشاركته في جنازة الدكتور عبد الوهاب المسيري، ولكثرة مشاغله وضيوف فضيلته كان لنا معه هذا الحوار الذي لم يتجاوز 30 دقيقةً سجَّلنا كل ما دار فيه، وننقله لقرائنا في السطور القادمة.

 الصورة غير متاحة

العلامة د. القرضاوي خلال مشاركته في جنازة د. المسيري

 

* في البداية ننقل لفضيلتكم تحيات أسرة تحرير (إخوان أون لاين) كما ننقل لكم تحيات كل قرائنا ونريد أن نطمئن على صحتكم.

** الحمد لله أنا بصحة جيدة، وأدعو الله أن يتقبل منكم جهدكم فما تبذلونه عمل كبير يخدم الإسلام، وأريد أن أحيِّيَكم على أدائكم ودائمًا في توفيق وتقدم.

 

* تساؤلات عديدة دارت حول عضويتكم في مجمع البحوث الإسلامية.. فما الذي تغيَّر من وجهة نظر فضيلتكم؟

** بالفعل لقد تأخَّرت العضوية كثيرًا، وأعتقد أن هذا يرجع للظروف السياسية؛ حيث كان من المفترض أن أحصل عليها قبل 30 أو 40 سنة مضت، وعن الجديد في هذا الأمر وحصولي عليها، أنني التقيت بفضيلة شيخ الأزهر منذ فترة، وقال لي إنه من المفترض أن أنضمَّ إليهم وإنهم يَشرُفون أن أكون معهم في عضوية المجمع، وطلب مني أن أكتب له طلبًا كرغبة مني بأن ألتحق بالمجمع، الأمر الذي رفضته وقلت لفضيلته: "أنا أول مرة أسمع أن يكتب أحدٌ طلبًا للانضمام إلى المجمع!!"، فمثل هذه المجامع يُرشَّح لها العلماء والشيوخ، ومن الطبيعي أن يكون لكل إنسان رغبة في أن يكون عضوًا بمجمع، ولكن المجامع لا تؤخذ ولا تُطلب، ومن غير المقبول أن يطلب العالم أو الشيخ عضوية مجمع معيّن.

 

 

د. القرضاوي ود. طنطاوي شيخ الأزهر

إلا أن شيخ الأزهر برَّر بأن القانون في مصر هو من يحكم هذا وينص على ذلك؛ حيث يتقرر فتح باب العضوية بالمجمع كل فترة، وعلى من يريد الانضمام للمجمع أن يطلب ذلك من خلال استمارة بهذا الشأن تزكَّى من عضوين من أعضاء المجمع، إلا أنني رفضت ذلك وأخبرتُه أنه من الصعب عليّ أن أكتب طلبًا، وبعد مناقشات مطوَّلة طلب مني شيخ الأزهر أن أوقِّع على الطلب وسوف يقوم هو بملئه، وبالفعل ملأ هو الطلب واتخذ الإجراءات وحصلتُ على العضوية.

 

العالم والسلطة

* فضيلتكم عضو في أكثر من مرجعية فقهية وفي أكثر من جهة إفتاء حول العالم.. ما المانع أن تكون كل هذه المرجعيات والجهات في مكان واحد صادر عن الإسلام والمسلمين؟

** أتشرَّف بأن أكون عضوًا بمجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، والمجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي، وأن أكون رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث وعضو مجمع آل البيت للفكر الإسلامي بالأردن، وعضو مجلس أمناء مركز إكسفورد للدراسات الإسلامية، وعضو منظمة الدعوة بالخرطوم، بالإضافة إلى عضوية بمجامع وعضويات كثيرة، كما أتشرَّف بأنني أترأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إضافةً إلى رئاسة جمعية البلاغ الثقافية التي تُدير موقع (إسلام أون لاين) من قطر.

 

أما عن تجميع كل هذه المرجعيات والجهات الفقهية في مكان واحد؛ فهناك العديد من المشكلات والموانع؛ لأن كل جهة أو منظمة تمثل مكانًا معيَّنًا؛ فمثلاً مجمع البحوث الإسلامية يمثِّل مصر، والمجلس الأوروبي يمثِّل أوروبا، والمجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي يمثِّل مكة المكرمة، فضلاً عن أنه من الصعب تجميع هذه الآراء والمنظمات في مؤسسة واحدة؛ لأن كل مكان يخدم الحيِّز الذي يكون فيه ويقوم بدوره في المكان الموجود به.

 

* ولكن كثيرًا منها تتحكَّم فيها الحكومات رغم أنه يجب أن تتمتَّع هذه المنظمات والمجامع بالاستقلالية!.

** هناك أشياء لا تستطيع السلطة أن تؤثِّر فيها؛ فالعالم هو صاحب السلطة.. ففي المجامع الفقهية أرى أن العلماء هم المسئولون والسلطة لا تؤثر فيهم، ولا تطلب منهم أن يُخرجوا لهم فتوى تُبيح شيئًا ما أو تحرِّم شيئًا آخر، ولا سلطةَ تستطيع إجبارَ العالم على هذا؛ فالعلماء هم سلطة أنفسهم ولكنهم مختلفون؛ حيث إن بعضهم يغلب عليه التشدُّد والجمود فتصدر فتاواهم متشددة، وقد يغلب عليهم التحرُّر والانفتاح فتظهر الفتاوى منفتحةً، كما قد يؤثر مكان المجمع أو جهة الإفتاء في الفتوى سلبًا أو إيجابًا، ولكن المسئولية الأولى هي مسئولية العالِم نفسه.

 

الركاز

* مجمع البحوث الإسلامية بمصر طالب مؤخرًا بزكاة "الركاز"؛ كيف ترى هذه الفتوى وإخراج الدول النفطية 20% من أرباح البترول لديها إلى الفقراء؟

** أنا لا أوافق على هذا؛ وذلك لأن النفط ملك الدولة، وأملاك الدولة لا زكاةَ فيها؛ لأن الزكاة فرع الملك ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: من الآية 103)، والمال ليس ملكًا لأحد، ولكنه ملك الشعب والدولة والأمة وليست ملكًا لأفراد، ثم إن الزكاة تقدّر بإخراج ربع العشر أو نصف العشر أو العشر، ولكن أموال الدولة كلها للناس لا يجوز فيها ربع أو نصف العشر كزكاة؛ لأن هذه الأموال ملك للشعب لا بد أن تكون كلها لصالح الشعب.

 

والذي دعا مجمع البحوث إلى تبنِّي هذا الرأي أن هناك بلادًا نفطية غنية، بها عشرات المليارات وبلاد إسلامية أخرى فقيرة ليس بها شيء، وطالبوا بإخراج الزكاة من هذه البلاد النفطية ومن أرباح النفط بها إلى الدول الفقيرة، إلا أن ذلك- في رأيي- لا يحلّ المشكلة؛ حيث إن من الممكن أن تأتي هذه البلاد الغنية وتقول أنا سأخرج الزكاة وأنفقها في بلدي؛ فالمسألة ليست في إخراج الزكاة ولكنها في تضامن الأمة الإسلامية وأن تكون الأمة الإسلامية أمةً واحدةً؛ يسعى بذمتهم أدناهم وهم يدٌ على من سواهم، بعضهم أولياء بعض؛ الغني يأخذ بيد الفقير، والقوي يأخذ بيد الضعيف.. أمة واحدة كالجسد الواحد كما صوَّرهم الحديث الشريف.

 

العالِم والحاكم

* هناك مساحة بين العالِم والسلطة ودائمًا ما تبرز هذه الإشكالية عندما يتخذ الحاكم موقفًا يخالف رأي الشرع، كيف ترى شكل العلاقة بين الحاكم والعالِم حتى تتحقق مصلحة الأمة؟

** علاقة صاحب الدعوة بالدولة أو الحكومة أو السلطة هي أن ينصحَهم ويأمرَهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويعلمَهم الإسلام الصحيح، ويحذرَهم من المفاسد ومن السياسة الخاطئة ومن قهر الشعب واستبداد الناس؛ فالعالم هو المصباح وحامل النور وراية الدفاع عن الأمة والوطن والشعب، ومهمته ليست معاداة السلطة، ولكنه يجب أن يكون ناصحًا لها، ومن أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، وكما قال تعالى في كتابه الكريم موجِّهًا كلامه لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾ (طه)، وكما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125).

 

السياسة والدين

* فضيلة الدكتور.. هناك اتهامات عديدة توجَّه للحركات الإسلامية التي دخلت غمار السياسة، وهناك من يرفع شعار "لا سياسة في الدِّين ولا دين في السياسة"؛ كيف ترى هذه الآراء؟!

** ما معنى "لا سياسة في الدِّين"؛ إن كان معناها أن الدِّين لا يُعنى بسياسة الناس ألبتَّة، ولا يشغل نفسه بمشكلات حياتهم العامة وتدبير أمورهم المعيشية وعلاقة بعضهم ببعض، فهذا ليس بصحيح؛ فكل الأديان لها توجيهات في هذا الجانب، تَقْصر في دين، وتَطُول في آخر، والإسلام هو أطول الأديان باعًا في هذا المجال، وله في ذلك نصوص كثيرة من القرآن والسنة، وله تراثٌ حافلٌ من فقه الشريعة، وشروح مذاهبها، واختلاف مشاربها.

 

 الصورة غير متاحة

 

ولقد ذكر الشيخ علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) أن الدنيا أهون عند الله من أن يُنزِلَ في تدبير شئونها نصوصًا من وحيه، إلا أن الشيخ نسي أو تناسى أن الله أنزل أطول آية في كتابه في شأنٍ من شئون الدنيا، وهو كتابة الدَّين وتوثيقه، وذلك في الآية (282) من سورة البقرة؛ المعروفة بآية المداينة، وأن (آيات الأحكام) التي عُنِيَ بها المفسرون والفقهاء تعدُّ بالمئات.

 

وكل أصحاب الأديان كان لهم مشاركات في توجيه الحياة السياسية؛ حتى الكنيسة المسيحية التي قرأت قول الإنجيل: "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله" لم تأخذه بحرفيته، وحاولت أن تتدخل في شأن قيصر وأن توجِّهه، وربما نزعت السلطة منه.

 

وقد اختار شيخنا العلاَّمة محمد الخضر حسين شيخ الأزهر في زمانه أن يعبِّر عن فصل الدِّين عن السياسة الذي دعا إليه أحد الكُتَّاب بعبارة "ضلالة"، وهو تعبير شرعي صحيح؛ لأنه أمرٌ مُحْدَث ومبتدَع في الأمة، وكل بدعة ضلالة، كما في الحديث الصحيح، ومما قاله الشيخ هذه المقالة العلمية الرصينة:

"نعرف أن الذين يدعون إلى فصل الدِّين عن السياسة فريقان: فريق يعترف بأن للدين أحكامًا وأصولاً تتصل بالقضاء والسياسة، ولكنهم يُنْكِرون أن تكون هذه الأحكام والأصول كافلةً بالمصالح، آخذةً بالسياسة إلى أحسن العواقب، ولم يبالِ هؤلاء بأن يجهروا بالطعن في أحكام الدِّين وأصوله، وقبلوا أن يسمِّيَهم المسلمون ملاحدة؛ لأنهم مُقِرُّون بأنهم لا يؤمنون بالقرآن، ولا بمن نزل عليه القرآن.

 

ورأى فريق أن الاعتراف بأن في الدِّين أصولاً قضائيةً وأخرى سياسيةً ثم الطعن في صلاحها؛ إيذانٌ بالانفصال عن الدِّين، وإذا دعا المنفصل عن الدِّين إلى فصل الدِّين عن السياسة، كان قصدُه مفضوحًا، وسعيُه خائبًا، فاخترع هؤلاء طريقًا حسبوه أقرب إلى نجاحهم، وهو أن يَدَّعوا أن الإسلام توحيد وعبادات، ويجحدوا أن يكون في حقائقه ما له مدخل في القضاء والسياسة، وجمعوا على هذا ما استطاعوا من الشُّبَه، لعلهم يجدون في الناس جهالةً أو غباوةً فيتم لهم ما بيَّتوا.

 

هذان مسلكان لمن ينادي بفصل الدِّين عن السياسة، وكلاهما يبغي من أصحاب السلطان أن يضعوا للأمة الإسلامية قوانين تناقض شريعتها، ويسلكوا بها مذاهب لا توافق ما ارتضاه الله في إصلاحها.. كلا المسلكين وليد الافتتان بسياسة الشهوات، وقصور النظر عما لشريعة الإسلام من حِكَم بالغة.

 

أما أنَّ الإسلام قد جاء بأحكام وأصول قضائية ووضع في فم السياسة لجامًا من الحكمة؛ فإنما يُنكِرُه من تجاهل القرآن والسنة، ولم يحفل بسيرة الخلفاء الراشدين؛ إذ كانوا يَزِنُون الحوادث بقسطاس الشريعة، ويرجعون عند الاختلاف إلى كتاب الله أو سنة رسوله".

 

وبيَّن الشيخ أن في القرآن شواهد كثيرة على أن دعوته تدخل في المعاملات المدنية، وتتولى إرشاد السلطة السياسية؛ قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)﴾ (المائدة)، وكل حكم يخالف شرع الله فهو من فصيلة أحكام الجاهلية، وفي قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ إيماء إلى أن غير الموقنين قد ينازعون في حُسْن أحكام ربِّ البرية، وتهوى أنفسهم تبدُّلها بمثل أحكام الجاهلية؛ ذلك لأنهم في غطاء من تقليد قوم كبروا في أعينهم، ولم يستطيعوا أن يميِّزوا سيئاتهم من حسناتهم، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: من الآية 49)، ففرض في هذه الآية أن يكون فصل القضايا على مقتضى كتاب الله، ونبَّه على أن مَن لم يدخل الإيمان في قلوبهم يبتغون من الحاكم أن يخلق أحكامه من طينةٍ توافق أهواءهم، وأردف هذا بتحذير الحاكم من أن يفتنه أسرى الشهوات عن بعض ما أنزل الله، وفتنتهم له في أن يسمعَ لقولهم، ويضعَ مكان حكم الله حكمًا يلائم بُغيتهم.. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: من الآية 45)، وفي آية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: من الآية 47)، وفي آية ثالثة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: من الآية 44).

 

وفي القرآن أحكام كثيرة ليست من التوحيد ولا من العبادات؛ كأحكام البيع والربا والرهن والإشهاد، وأحكام النكاح والطلاق واللعان والولاء والظهار والحَجْر على الأيتام والوصايا والمواريث، وأحكام القصاص والدية وقطع يد السارق وجَلْد الزاني وقذف المحصنات، وجزاء الساعي في الأرض فسادًا.

 

وذكر الشيخ آياتٍ تتعلَّق بالحرب والسلم والمعاهدات والعلاقات الدولية، كما أورد العديد من الأحكام المفصَّلة في السنة الصحيحة في أبواب المعاملات والجنايات، مما يدل على أن مَن يدعو إلى فصل الدِّين عن السياسة إنما تصوَّر دينًا آخر غير الإسلام.

 

ومن شواهد أن ربط السياسة بالدِّين أمر عرفه خاصةُ الصحابة وعامتُهم قصة عمر بن الخطاب؛ إذ بدا له أن يضع لمهور النساء حدًّا، فتَلَت عليه امرأة قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (النساء:20)، فما زاد على أن قال: رجل أخطأ، وامرأة أصابت، ونبذ رأيه وراء ظهره، ولم يقل لها: ذلك دين وهذه سياسة.

 

كما أكد فضيلة الشيخ خضر رحمه الله أن فصل الدِّين عن السياسة هدمٌ لمعظم حقائق الدِّين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين، وليست هذه الجناية بأقل مما يعتدي به الأجنبي على الدِّين إذا جاس خلال الديار، وقد رأينا الذين فصلوا الدِّين عن السياسة علنًا كيف صاروا أشد الناس عداوةً لهداية القرآن، ورأينا كيف كان بعض المبتلين بالاستعمار الأجنبي أقربَ إلى الحرية في الدِّين ممَّن أصيبوا بسلطانهم، ونحن على ثقة من أن الفئة التي ترتاح لمثل مقال الكاتب لو ملكت قوة لألغت محاكم يُقضَى فيها بأصول الإسلام، وقلبت معاهد تدرس فيها علوم شريعته الغرَّاء إلى معاهد لهو ومجون، بل لم يجدوا في أنفسهم ما يتباطأ بهم عن التصرف في مساجد يُذكر فيها اسم الله تصرف من لا يرجو لله وقارًا.

 

وأريد أن أشير هنا إلى أن أحد أركان الإسلام هو الزكاة، وهو ركن مالي اجتماعي سياسي؛ لأن الأصل فيها أنها تنظيمٌ تشرف عليه الدولة؛ تأخذها من الأغنياء وتردها على الفقراء، فالدولة أو السلطة هي التي تجمعها، وهي التي تصرفها في مصارفها الشرعية بواسطة جهاز إداري ومالي، سماه القرآن (العاملين عليها).

 

ومن مصارف الزكاة (المؤلفة قلوبهم) وهو مصرفٌ سياسي في أصله، يتصرف فيه الإمام (أي الدولة) ليشتري ولاء بعض القبائل والقوى الاجتماعية أو السياسية، أو يحبِّب إليهم الإسلام، أو يكفّ شرَّهم عن المسلمين، أو ليقطع الطريق على أعداء الإسلام أن يستميلوهم إليهم.. كل ذلك عن طريق ما يُعطَى لهم لاستمالة قلوبهم، وهذا في معظمه غرض سياسي محض.

 

ثم إن المسلم يستطيع أن يدخل في السياسة وهو في قلب صلاته التي يتعبَّد لربه بها؛ بأن يقرأ آيات في صميم السياسة من القرآن، أو يدعو على المستعمرين والحكَّام الطغاة بدعاء القنوت، وهو ما يعرف عند الفقهاء بـ"قنوت النوازل"، ويعنون بالنوازل المحن والشدائد التي تنزل بالأمة؛ مثل: احتلال الغزاة أرضها، ووقوع الكوارث والزلازل، ونحوها.

 

 الصورة غير متاحة

د. القرضاوي والإمام الشهيد حسن البنا

وأذكر أن الإمام الشهيد حسن البنا في سنة 1946م أو 1947م، كتب في حديثه الأسبوعي في صحيفة (الإخوان المسلمون اليومية): حديث الجمعة عن (قنوت النوازل)، وطلب من الأئمة والخطباء أن يقنتوا بهذا القنوت، ويدعوا على الإنجليز المستعمرين، ووضَعَ لهم صيغةً لم يلزمهم بالدعاء بها، ولكن قال: بمثل هذه الصيغة فادعوا على أعدائكم.

 

وأذكر من هذه الصيغة:

اللهم رب العالمين، وأمان الخائفين، ومذلّ المتكبرين، وقاصم الجبارين، تقبَّل دعاءنا، وأجب نداءنا...

اللهم إنك تعلم أن هؤلاء الغاصبين من البريطانيين، قد احتلوا أرضَنا، وغصبوا حقَّنا، وطغَوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد.. اللهم فردَّ عنا كيدهم، وفلَّ حدَّهم، وأدِل دولتهم، وأذهب عن أرضك سلطانهم، ولا تدع لهم سبيلاً على أحد من عبادك المؤمنين.. آمين.

 

وقد التزم الكثيرون من المتديِّنين بأن يدعوا على الإنجليز المحتلين المستكبرين في صلواتهم، وخصوصًا الجهرية منها بهذا الدعاء وأمثاله، وكان ذلك لونًا من التعبئة الفكرية والشعورية والعملية ضد الاحتلال المذلّ بقوته العسكرية وقوته الاقتصادية.

 

توازن

* ولكن هناك من يتهم الحركات الإسلامية العاملة في المجال السياسي بأنها تقدِّم الجانب السياسي والإعلامي على الجانب الدعوي؛ فهل تتفق مع هذا الرأي؟ وما الحل من وجهة نظركم؟

** لا أحد يُنكر أن بعض الحركات التي تسمَّى بالإسلامية تفعل ذلك لأنها تجهل صحيح الإسلام وأهمية أن يسير العمل السياسي جنبًا إلى جنب مع العمل الدعوي؛ ولذلك فأنا أتفق مع ما ذكرته بقدر محدَّد، ويجب أن تعترف بعض الحركات أنها تبالغ في الاشتغال بالسياسة على حساب الجانب الآخر، في الوقت المفترض أن يكون الإنسان متوازنًا، وعندنا في الإسلام منهج الوسطية، وهي أن تأخذ الأمور باعتدال، وألا تميل إلى اليمين أو اليسار؛ وألا تغلوَ ولا تُقصرَ كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) (الرحمن)؛ حيث لا طغيان في الميزان ولا إخسار في الميزان، وهذا هو الذي يجب أن يكون عليه صاحب الدعوة أو الحركات الإسلامية في تعاملها مع الحاكم والسلطان.

 

* وكيف أثَّر هذا التأزم في العلاقة على الجانب الدعوي والتربوي؟

** قال أحد الحكماء: "ما رأيت إفراطًا إلا وجدت بجانبه حقًا مضيعًا"؛ فإذا اشتغل أي إنسان بالبدع يكون على حساب السنن، وإذا اشتغل بجانب معيّن يكون على حساب جوانب أخرى؛ لأن الطاقة الإنسانية محدودة إذا لم توزَّع بالعدل فإنه يكون هناك خلَلٌ بين الجوانب المختلفة؛ فالمطلوب من المسلم الحق أن يتوازن بين جميع الجوانب المختلفة حتى يمثل المنهج الإسلامي الصحيح.

 

حماس والسلطة

 الصورة غير متاحة

ارتفاع شعبية حماس في الشارع الفلسطيني

* هناك من يرى أن حركة حماس ينطبق عليها الكلام السابق؟

** حماس حركة مقاومة بالأساس ووضعُها مختلف، وعندما فكَّرت الحركة في خوض غمار المنافسة السياسية كانت هناك آراء مختلفة حول هذه التجربة، ومما لا شك فيه أن دخولها المجال السياسي أثر فيها؛ فعندما اقتحمت حماس عالم السلطة والسياسة دخلت في مشكلات عدة لم تنتهِ، خاصةً أن خصومها كثيرون وأعداءها كثيرون والمعوقات أمامها كثيرة والمتربصين بها في الداخل والخارج يقفون لها بالمرصاد؛ يتصيَّدون لها الأخطاء، ويفتعلون لها المشكلات.

 

ولذلك فإن بعض الأشخاص ذوي الرأي كانوا يردِّدون أنه كان من الواجب ألا تدخل حماس السلطة أو السياسة وأن تظل في مقاومتها بعيدًا عن ألاعيب السياسة، لكنها دخلت السياسة مضطرةً؛ لأنها إن لم تفعل ذلك كانت ستؤكل، واضطرت للعمل السياسي للدفاع عن نفسها حتى بعد أن دخلت الانتخابات والشعب الفلسطيني هو من أعطاها الأغلبية لتعود الآراء مرة أخرى وتقول حتى مع الأغلبية ما كان يجب على حماس أن تدخل السياسة، وكان عليها أن تبقى في المعارضة لأن السلطة في مثل هذه الظروف متاعبها لا تنتهي.

 

ولكن أقول: إن "اللي على البر شاطر.. والنار لا تحرق إلا اللي كابشها"، ولكنهم كانوا مضطرين إلى خوض المعركة والدخول إلى السياسة، والواجب علينا أن ندعو الله لهم أن يعينهم.

 

أدوار مختلفة

* بمناسبة الحديث عن حركة حماس؛ كيف ترى فضيلتكم ما يجري لإخواننا في غزة؟ وما هو الواجب الشرعي الذي يجب علينا فعله لنصرة إخواننا الفلسطينيين؟

** يجب تقسيم الأدوار؛ فالحكومات عليها دور كبير في أن تكون مواقفها السياسية والدبلوماسية المختلفة داعمةً لشعب فلسطين عامةً وأهل غزة خاصةً، وأن تضغط على الأمريكان والصهاينة وحلفائهم لنيل حقوق الفلسطينيين، وحتى تصل إليهم المساعدات من الدول المختلفة التي تمنعها البنوك وتختزنها عندها؛ فيجب على الحكومات أن تقف وقفةَ رجلٍ واحدٍ ضد أي أمر يضرُّ بأمن الفلسطينيين وتصرخ وتقول إن من حق الفلسطينيين أن يعيشوا حياةً طيبةً وآمنةً في بلادهم وأن تصل إليهم مستحقاتهم.

 

أما الشعوب فيجب عليها أن تضغط على حكامها فضلاً عن إرسالها المساعدات وليس التبرعات كما يسميها البعض؛ لأنها أكثر من تبرعات، ولأن كلمة "تبرع" يغلب عليها جانب التفضُّل، وهذا غير لائق أبدًا بين أولاد الأمة الواحدة، بالإضافة إلى أنه يجب عليها أن تقاطع أعداء القضية الفلسطينية والإسلامية من الصهاينة والأمريكان، وألا تشتري بضائعهم، كما يجب أن ندعو للفلسطينيين في صلواتنا وخلواتنا، وأن ندعو لهم في كل الأحوال بأن يفتح الله لهم فتحًا مبينًا، وأن ينصرهم نصرًا عزيزًا، وأن يأخذ عدوَّهم أخذ عزيز مقتدر، وأن يجمع كلمتهم على الهدى، وأن يُبعد نزغات الشيطان عنهم.

 

إيران والشيعة

* بمناسبة الكلام عن وحدة الأمة الإسلامية كانت لكم تصريحات سابقة عن غلاة الشيعة وتأثيرهم السلبي في الأمة الإسلامية، والبعض اعتبر ذلك موافقةً ضمنيةً على ضربة عسكرية محتملة لإيران؛ فما تعليقكم؟

** عندما تحدثت عن غلاة الشيعة لم أقصد بالطبع إيران؛ لأنني لا أعتبرها من هذا النوع.. ثانيًا إن ما يقال عن ضربة عسكرية ضد إيران ليس له علاقة بالدين وإنما هو خلاف سياسي واضح، ونحن كعلماء سنة ضد هذه الضربة، بل إننا مع أي بلد إسلامي، خاصةً أن هذا البلد يريد أن يمتلك الطاقة النووية التي يستخدمها في الجوانب السلمية، ومن حق إيران الطبيعي أن يكون لها هذا، وإذا حاولت أمريكا ضرب إيران فنحن ضد هذا بلا شك.

 

إلا أننا في المقابل نقاوم عملية "تشييع البلاد السنية"، وعملية نشر الفكر والمذهب الشيعي في البلاد السنية؛ الأمر الذي نعلن صراحةً أننا ضده، خاصةً أنني في زيارتي لإيران منذ 10 سنوات حذرتهم من هذا، وسألتهم عن مكسبهم إذا تشيَّع 100 أو 200 مقابل خسارة وكراهية الشعب في هذا البلد لأنكم تحاولون تغيير مذهبهم وتغيير عقيدتهم وسيكرهكم الناس ويلعنونكم؛ الأمر الذي جعل الشيخ التسخيري يوافقني في هذا الرأي، ولكن ما أخشاه أن هناك بالفعل مليارات الأموال تُصرَف، وهناك محاولات كثيرة ورجال وكوادر بشرية لتشييع الناس، خاصةً أن أهل السنة غير محصَّنين ضد الفكر الشيعي؛ حيث إننا غالبًا ما نقول إننا لا نريد أن ندخل في مسارات الفتن ولا نريد أن نُحدِثَ خلخلةً في وحدة الأمة ولم نحصِّن أهل السنة ضد هذا.

 

وأريد أن أؤكد أنني أعيب على بعض الناس الذين يقولون إن الشيعة يحبون آل البيت، ناكرين أن أهل السنة هم الآخرون يحبون آل البيت خاصةً المصريين الذين يحبون الحسين والسيدة زينب، ولكن الفرق بيننا وبينهم كبير نسبيًّا؛ حيث إن هناك خلافاتٍ فكريةً وعقائديةً؛ فأهل السنة عندهم السنة النبوية، بينما عندهم سنة المعصوم في الوقت الذي يرفض أهل السنة شعار لا عصمة إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم عندهم اثنا عشر معصومًا.

 

كما أننا نحب ونحترم كل الصحابة ونقول عليهم "رضي الله عنهم" في الوقت الذي يقولون هم عليهم "لعنهم الله" ويسبُّونهم، بالإضافة إلى أننا كأهل سنة عندنا قضية عقائدية فرعية نقول إن المهدي المنتظر غير موجود وبعض الشيوخ يقولون إنه "لا مهدي" مثل ابن خلدون أو كما قال الشيخ عبد الله محمود رئيس المحاكم الشرعية بقطر "لا مهدي يُنتظَر بعد محمد خير البشر"، وهم عندهم المهدي موجود في سردابه منذ أكثر من 1200 عام منتظرين خروجه، وفي أدبياتهم يكتب بعد اسمه حروف "ع ج ل" اختصارًا لـ"عجَّل الله فرجه"، على الرغم من أن العقلاء منهم الآن يُنكرون هذا ولكن هذا ما يربَّى عليه الناس في بيوتهم؛ الأمر الذي يجعلنا نخشى من امتدادهم ومحاولاتهم التشييعية.

 

ويبقى أن الخلافات الفقهية الفرعية أخف الأشياء، ولكن الأشياء الأخرى ومحاولاتهم التشييعية هي الجزء الأكبر الذي لا يمكن أن نرتضيه.

 

أوباما والعرب

 الصورة غير متاحة

باراك أوباما

*لو تحدثنا عن الانتخابات الأمريكية وما يظنه البعض من أن المرشح الديمقراطي "أوباما" أصبح مرشح الإسلام والمسلمين في أمريكا.. كيف ترى مرشحي الرئاسة الأمريكية ورؤية الشعوب العربية لهم؟

** الشعوب العربية والإسلامية لقيت من الحزب الجمهوري ما لقيت، بدايةً من الحرب ضد العراق إلى اليوم وما زال يسفك دماء المسلمين في العراق حتى الآن فضلاً عن قيادة الحزب للحرب ضد أفغانستان بالإضافة إلى وقوف الحزب بشدة مع الكيان الصهيوني، وفي المقابل فإن أوباما رجل ملون من أصل إفريقي يشبه جموع المسلمين والعرب خاصةً الطبقات الضعيفة التي تشعر أنه جاء من صميم الشعب، كما أن والده "حسين" مسلم مما يزيد من تعاطف المسلمين معه فضلاً عن توقعنا أنه سيكون أفضل من بوش الذي أتوقع أن أي شخص يأتي بعده سيكون أفضل منه ومن حزبه.