لحبي لهذه الدعوة المباركة أخطُّ هذه السطور مؤديًا الواجب الذي تُمليه الدعوة على كل فردٍ من أفرادها ألا وهو:

أولاً: حراسة الدعوة والعمل على نشرها بالحكمة والموعظة الحسنة.

ثانيًا: حماية الفكرة من المغالاة فيها أو الاعتداء عليها أو الانحراف عنها.

ولذا كانت سطوري هذه لتأكيد التصور السليم، وتعميق المعاني وتثبيت المفاهيم لتوحيد الوجهة والمسار حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها.

 

فعلى مدار ستين عامًا أو يزيد قليلاً قضيتها في هذه الدعوة المباركة!! أنعم مع إخواني بالفهم الدقيق، والإيمان العميق، والحب الوثيق، والعمل المتواصل، والوعي الكامل، وتحري القصد وسلامة الخطوات، وحبٍّ غُرِسَ في نفوسنا زاد من تماسك الجماعة؛ حتى عصت على الاختراق أو الاقتسام والتشرذم والتفرق، وهذا الحب هو الذي ميَّز جماعتنا عن أي تنظيماتٍ أخرى مهما بلغت دقتها أو كثر عددها، ولقد عبر عن هذا المعنى الإمام البنا حين قال: "سنقاتل الناس بالحب" فإذا انتفى هذا الحب أو قل بين أفراد الجماعة فسمِّ الجماعة بأي اسم شئت إلا أن تكون "جماعة الإخوان المسلمين".

 

ورضوان الله على الإمام البنا الذي علَّمنا أن نردِّد صباح مساء وردًا أسماه "ورد الرابطة"؛ بدايته: "اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك.."، وجعل الأخوَّة ركنًا من الأركان؛ بدونه لا يقوم بناء.

 

والجدير بالذكر أنني عاصرت جميع المرشدين بمَن فيهم الإمام البنا، غير أني كنت في مقتبل العمر لا أدرك أغراض الدعوة وأهدافها حتى شببتُ عن الطوق واستكملت الفهم وطبيعة الطريق بمعايشتي باقي المرشدين إلى أن سعدت بصحبة المرشد الحالي الأستاذ محمد عاكف وإخوانه الكرام.

 

المدرسة الواحدة

والذي أريد أن أؤكده أن جميع المرشدين وأتباعهم هم خريجو مدرسة واحدة، لها منهجها الواحد، وخطتها الواحدة، وأهدافها المحددة؛ فجميع المرشدين من بعد الإمام البنا يدينون له بالفضل بعد الله سبحانه وتعالى، وينتسبون لمدرسةٍ واحدةٍ هي مدرسة الإمام البنا، وهم حرَّاسٌ على منهجها المستمَدّ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعمل السلف الصالح من هذه الأمة، وهذه المدرسة بقيادتها وأفرادها يعرفون ثوابتهم التي لا اجتهادَ فيها ولا تبديلَ ولا تغيير مهما تغيَّر المرشدون أو تبدَّلت القيادات بتغير السنين والأحوال؛ فالثوابت عُمُد الجماعة الثابتة، والمتغيرات هي المجتهد فيها داخل مؤسسات الجماعة وليس بفرض آراء المرشدين وأوامرهم أو تبعًا لمدارسهم كما يدَّعي البعض.

 

ولم أعرف- كما لم يعرف أي فردٍ في الجماعة- مدرسةً أخرى تنتسب لمرشدٍ من المرشدين خاصةً به؛ كمدرسة عمر التلمساني مثلاً أو مدرسة مصطفى مشهور، رحمة الله على الجميع، ولو كانا على قيد الحياة لاستنكرا ما يُقال؛ فهذا كلامٌ لا يقوله مَن تربَّى في مدرسة البنا أو حتى صاحب رأي منصف، واسألوا الشباب قبل الشيوخ الذين تربَّوا على منهج الجماعة، فبالرغم من أنهم لم يروا معظم مرشديها إلا أنهم لم يروا اختلافًا أو تناقضًا في الفهم والحركة حين يقرءون للأستاذ الهضيبي أو الأستاذ عمر التلمساني أو الأستاذ أبو النصر أو الأستاذ مصطفى مشهور أو الأستاذ مأمون أو مرشدنا اليوم- أمدََّ الله في عمره- فالجميع مستقٍ من معين واحد.

 

وأحسب أن القارئ لهم جميعًا لن يحسَّ بفارق في المعاني والمفاهيم حين يتعرضون لشرح فكرة وتوضيح المنهج؛ اللهم إلا في أسلوب العرض والشرح، والحمد لله فالصفُّ نفسه بخيرٍ يجتمع على فهم واحدٍ دقيق وضوابط حاكمة تحكم المسير، ولم يختلف أحدٌ من أفراد الجماعة، فضلاً عن قادتها فيها، وبفضل الله أدبياتنا مسجلة ومفاهيمنا مسطرة ووثائقنا منشورة ومراجعنا معتمدة، وأساتذتنا من الشيوخ أمد الله في عمرهم، ومنهم مرشدنا الحالي، من السهل الرجوع إليهم، فهم بفضل الله عدول وأهل للثقة ومراجع للفهم.

 

أول مَن يحترم النظم

إنَّ المرشدَ العام لجماعة الإخوان المسلمين له اختصاصاته وأدواره التي حددتها اللوائح والنظم، وهم جميعًا بفضل الله أول مَن يحترمونها وينزلون عليها، فالمرشد العام يوجه ويتابع ويشارك ويبدي رأيه كما يبدي إخوانه آراءهم في الأمور والمسائل المعروضة، وليس له أن يفرض رأيه على الجماعة، فضلاً عن أن تكون له مدرسة خاصة به يطبع الجماعة بطابعها، ويدعو إليها ويتميز بها فهذا محال!!!.

 

وإن كان الأمر كما يدَّعي البعض فعلام تتكون المؤسسات؟ ولم تجتمع اللجان لاتخاذ قرار؟ ولم توضع الضوابط والاختصاصات؟ إذا كان المرشد هو الآمر الناهي فلماذا تعتبر الجماعة الشورى ملزمةً؟ ولماذا كل هذه المؤسسات الشورية والإدارية؟ فلتستغن الجماعة عن هذه المؤسسات إن كان الأمر كذلك ولتعتمد على أوامر المرشد وتوجيهاته فحسب!!! إن هذا لشيء عجاب!!.

 

صحيح- مما لا شك فيه- أن كل فردٍ مسلم بصرف النظر عن موقعه الدعوي أو الإداري يختلف عن الآخر في قدراته وإدارته وله شخصيته المستقلة المتميزة، والتي يقرها الإسلام؛ ذلك لأن هذا تعدد محمود، تظهر من خلاله القدرات والكفاءات والقيادات المختلفة، فهذا إداري ماهر؛ وذاك مربٍّ فاضل، وآخر محلل للأحداث بارع، وهذا حليم وهذا غضوب، وهذا صبور وهذا انفعالي، وهذا رقيق المشاعر وهذا شديد المراس، وهذا متأنٍّ وهذا شديد الانفعال، وبالرغم من هذا التنوع وهذا التعدد فإنه لا يبتعد أي فردٍ منهم عن المنهج والفكرة والخطة قيد أنملة بل يعمل على ضوء ذلك، قد تختلف التعبيرات والاجتهادات التي تحسمها الشورى، ولكن المقاصد والغايات واحدة والفكرة والأهداف يضبطها تصور واحد وتجمعها خطة واحدة، فهم شخصيات متعددة الصفات والقدرات ولكنها متحدة الفكرة والحركة والغاية.

 

ولأوضح للقارئ الكريم ذلك أسأل سؤالاً: هل ما كان يحمله ويتصف به أبو بكر الصديق رضي الله عنه من صفات وطبائع وقدرات كالتي يتصف بها الفاروق عمر بن الخطاب؟ وهل كان عثمان- رضي الله عنه- كعلي بن أبي طالب؟! وهل كان خالد سيف الله المسلول كابن مسعود؟! لقد اختلفوا في النظرة للأمور وتحليلها، ولكنَّ ثوابتهم واحدة والكل من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ملتمس يقولون بأبي أنت وأمي يا رسول الله.

 

ومن هنا فإننا لا نتصور مع اختلاف طبائع المرشدين وأسلوبهم في إدارة الأمور أن يكون أسلوبهم واحدًا وطريقتهم واحدة، فهذا أمرٌ محال، ولكن مع خطة الجماعة وثوابتها وأهدافها لا يتصور أن يأمر أو يوجه أحدهم بالانفتاح على المجتمع والتعامل مع الأحزاب مثلاً ثم يأتي مَنْ بعده فيلغي هذا التوجه أو الخطة وكأن الجماعةَ لا تحكمها مؤسسات شورية وإدارية، فهذا فهم لا تقره العقول السليمة، فضلاً عن الواقع العملي للجماعة!!.

 

إن الأستاذ عمر التلمساني- جزاه الله عنا خير الجزاء- تولى مكتب الإرشاد في مرحلة شُوِّهت فيها الجماعة سنوات طوالاً، فكان نعم المرشد للمرحلة؛ فبحلمه وسعة صدره صحَّح صورة الجماعة في المجتمع وانفتح عليه وعلى أحزابه ومؤسساته المدنية، ثم جاء الأستاذ حامد أبو النصر وواصل المسير طبقًا لخطة الجماعة وتأكيدًا لتوجهاتها وسياستها في هذه المرحلة، ثم جاء الأستاذ مصطفى مشهور الذي اهتمَّ بتأصيل مفاهيم الجماعة متماشيًا مع المرحلة، وجاء من بعده الأستاذ مأمون الهضيبي- رحمة الله على الجميع- وواصل المسير وبطبيعته القضائية كانت ألفاظُه في غاية الدقة وتعبيراته تميل لدراسته القانونية، وأشهد أنه- رحمة الله عليه- كان أشدَّ حرصًا على تنفيذ خطة الجماعة وتوجُّهاتها.

 

وبالمناسبة هل سيطر أصحاب الجهاز الخاص على الجماعة وتوجهاتها؟ هذا الجهاز الذي يفخر به كل فردٍ في الجماعة؛ لأنه ما أنشئ إلا لمقاومة المستعمر، فهو ليس سُبَّةً في تاريخ الجماعة، بل هو موضع الإعزاز والفخر وسنتناول موضوعه بإيجابياته وسلبياته بتفصيل في "أوراق من تاريخ الجماعة" بمشيئة الله تعالى.

 

إن الذي يهمنا هنا هو دوام التشويه والتشويش للجماعة وقيادتها، وهذا ليس بجديدٍ على أصحاب الدعوات ولا يعيرونه التفاتًا، فبالمناسبة لقد شاركتُ مع إخواني في مكتب الإرشاد من أيام الأستاذ محمد حامد أبو النصر رحمة الله عليه، وتعاقب على المكتب كلٌّ من الإخوة الأستاذ الدكتور محمد حبيب النائب الأول، والأستاذ الدكتور محمود عزت أمينها العام، والأستاذ الدكتور محمود غزلان، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والأستاذ الدكتور محمد مرسي، والأستاذ الدكتور محمد بديع، والأستاذ الدكتور محمود حسين، والأستاذ الدكتور محمد بشر، والمهندس خيرت الشاطر النائب الثاني فك الله أسرهما، وكلهم كانوا من شباب الدعوة، وهؤلاء جميعًا لم يعايش أحد منهم الجهاز الخاص، بل منهم من لم يكن قد التحق بالجماعة أصلاً؛ فأين سيطرة رجال الجهاز الخاص على مكتب الإرشاد؟ ونظرة إلى تكوين المكتب اليوم نقول: كم بقي من الرعيل الأول في مكتب الإرشاد؟!

 

إن الافتراءات والكذب والتضليل ملازم لأصحاب الدعوات، وما نجا مرشد من المرشدين من الألسنة الحداد والافتراءات الكاذبة إلى يومنا هذا.

 

إفك قديم وبهتان

إن الحديث عن الإخوان وتقسيمهم إلى إصلاحي ومحافظ لعبة قديمة وحيلة ساذجة لا تنطلي على أفراد الجماعة الواعين؛ فهذا تقسيمٌ لا تعرفه الجماعة؛ لأن الجماعة كلها قادة وأفراد هم إصلاحيون، وما دعوة الجماعة إلا دعوة إصلاحية ولا تعرف تقسيمات بداخلها، فصفّها رباني يلتف حول قيادته تقل فيه الخلافات وتنعدم فيه الانشقاقات، والشورى الملزمة تحسم الخلاف، ولقد عشتُ بنفسي مواقف لا تعد ولا تحصى كان القرار فيها على خلافِ رأي المرشد الذي كان ينزل على هذا الرأى المخالف له بل ويدافع عنه؛ لأنه قرار الشورى الملزم، والذي يصبح رأي الجماعة الذي يحترمه الجميع الموافق والمخالف على حدٍّ سواء، ويعمل الجميع على وضعه موضع التنفيذ، وعلى رأسهم المرشد العام نفسه.

 

وللتاريخ أذكر ونحن في السجن عام 1965م وبعد أن صدرت الأحكام، أراد الأمن أن يحدث فتنةً كعادته بتقسيمه الإخوان داخل السجن إلى فئات:

البناءون: نسبة إلى الإمام البنا.

والهضيبيون: نسبة إلى الأستاذ حسن الهضيبي.

والقطبيون: نسبة إلى الشهيد سيد قطب.

فلم تنطلِ هذه الحيلة التي يُراد بها فتنة على الإخوان فسخروا من هذا التقسيم وكان الواحد منا يقابل أخاه داخل السجن فيقبّله ويحتضنه ويسلم عليه قائلاً له بتهكم: أهلاً بالبنائي فيرد عليه ساخرًا ليسمعه أرباب الفتنة: أهلاً بالهضيبيّ، وصارت دعابةً يتهكم عليها الإخوان، وباءت هذه المحاولة بالفشل التام بفضل الله ثم بوحدة الفهم بين الإخوان.

 

خلاصة القول:

كان الإمام البنا في أفكاره وسلوكياته شديد النفور وفائق الحساسية إزاء كل دواعي التعصب والتشنُّج، وعلم أتباعه وتلاميذه أن ينأوا بأنفسهم عن أجواء التشاحنات والتجاذبات، وأن يكون الحوار سبيلاً لتسوية كل خلافٍ ويحسم هذا الخلاف مؤسسيًّا داخل الجماعة.

 

ومن نافلة القول أن نقول: إن الجماعة تدعو إلى شمولية الإسلام وتكامل أبعاده ومحاولة ترسيخ هذا التصور السليم في الواقع الحياتي، مرتبطًا في هذا بالفكر والثقافة الإسلامية في تصوراتها، فكان اهتمام أفرادها الدفاع عن العقيدة وتراثها الحضاري الضابط للهوية الذاتية للجماعة وفضلاً عن ذلك فهي دعوة شاملة متعددة الجوانب والمستويات لأنها:

* دعوة لمطلق الإسلام في مواجهة مَن ينكره أو يشكك فيه.

* ودعوة لتطبيق شريعة الإسلام لتكوين أساس نظام يقوم على التدرج في التعامل بين الناس واسترجاعًا لمرجعيتها الإسلامية.

* وهي دعوة التحلي بالسلوك الأخلاقي الصادر عن قيم الإسلام وأصول الدين وفقه الشريعة وتاريخ السلف الصالح.

* وهي دعوة للتحرر السياسي من التبعية أيًّا كان نوعها لتكون لنا إرداتنا السياسية بادئين بالأصول قبل الفروع والتربية عندنا أصل والسياسة فرع.

 

يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (1889م- 1965):

"إن السياسة لباب وقشور، وإن سياسة التربية هي الأصل لتربية السياسة- التي هي الفروع- والأصول مقدمة على الفروع، ولباب السياسة بمعناها العام عند جميع العقلاء- هو عبارة واحدة! إيجاد الأمة، ولا توجد الأمة إلا بتثبيت مقوماتها من جنس، ولغة، ودين، وإذا انعدم الشرط انعدم المشروط، ثم يفيض على الأمة من مجموع تلك الحالات إلهام لا يُغالب ولا يُرد.. وأن تلك المقومات متى اجتمعت تلاقحت ومتى تلاقحت ولدت وطنًا".

 

"إن الآمال في الإصلاح والنهوض إنما تتعلق على الأمة قبل الملوك والأمراء"؛ ولذلك كان منهجنا الإصلاحي معلنًا وواضحًا، وبدايته تربية لأفراد الجماعة وانفتاح على المجتمع لتوضيح الأفكار وتصحيح المسار تعلمنا ذلك كله من الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله "خلو بيني وبين الناس"، ومَنْ صحت بدايته صحت نهايته.

 

لقد أوضحت القيادة هذه المفاهيم في لقاءاتٍ مفتوحة ونقاشات حرة مرات عدة، فضلاً عن المكاتبات والرسائل التي تؤكد على هذه المفاهيم والمعاني حتى لا تختلط الثوابت بالمتغيرات، ومصدر التلقي من تشويه وسائل الإعلام وتلبيس الحق بالباطل، كل ذلك ليحيى من حيي عن بينة وليتبين الرشد من الغي، ويتضح الصبح لذي عينين ولتستبين سبيل المؤمنين.. وها أنا أُذكِّر نفسي وإخواني، والذكرى تنفع المؤمنين والله الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.

فاللهم بلغت اللهم فاشهد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

----------

* عضو مكتب الإرشاد