مقدمة:

أتذوَّق الشعر ولا أقرضه، وأنفعل بالصادق منه، والصادق منه ما كان نبع الفؤاد وفيض الشعور؛ فالشعر أصلاً من الشعور.

 

ومن أكثر ما يحرك المشاعر الإنسانية الإحساس بالظلم والقهر والطغيان؛ فالناس قد يصبرون على الجوع والعطش، ولكنهم لا يصبرون على الظلم؛ لذلك إذا وقع الظلم عليهم امتلأت قلوبهم بالمرارة حتى إذا أفعمت كؤوسها وفاض الشعور وواتته موهبة القريض؛ انطلق مزمجرًا أو ساخرًا أو لائمًا أو مُنذِرًا كما سنرى.

 

ونتيجةً لقسوة الظلم وأنه صفةٌ من صفات النقص فلا يفعله إلا الناقصون؛ لذلك فقد نزَّه الله تعالى نفسه عنه، فقال في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا.." (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (الكهف: من الآية 49)، وحذَّر الظالمين من سوء العاقبة في الدنيا "إن الله يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" وفي الآخرة: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)) (إبراهيم).

 

ورغم ذلك فما زال الإنسان بجانب ظلمه لنفسه ظالمًا لأخيه الإنسان، وما ذلك إلا لغروره وجهله (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)) (العلق) حتى عدَّ المتنبي الظلم صفةً لصيقةً بالإنسان ولا ينفك عنه إلا لعلة..

والظلم من شيم النفوس فإن تجد   ذا عفة فلعله لا يظلم

وقد يكون مفهومًا أن يتظالم الأعداء، أما تظالم الأقرباء فوقْعه شديدُ الألم والمرارة..

وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً   على النفس من وَقْعِ الحسام المهنَّد

 

ونتيجةً للظلم الذي نعانيه في بلداننا العربية والإسلامية والذي وُلِدْنَا فيه ونعيش فيه عبر العقود والأجيال؛ فقد قررتُ أن أنتقيَ بعض القصائد الصادقة وأُجابِهَ بها وجه الطغيان، وأسميتها (قصائد في وجه الطغيان)، وقصيدتُنا اليوم هي أولاها، وهي قصيدة (ما تشاءون) لشاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري، وقبل أن أعرض عناصرها الأساسية أقرِّر أن للشعراء مذاهبَ شتَّى في مواجهة الطغيان؛ فمنهم من يصدع بالحق في وجهه، ويحذِّره من عاقبة ظلمه، ويذكِّره بمصارع الظالمين قبله، ومنهم من يحكي سيرة العادلين من الحكام، ضاربًا بهم المثل الذي يجب أن يحتذيه الحكام، ومنهم من يمجِّد الأبطال الشهداء الذين سقطوا في معاركهم المجيدة ضد الظلم والطغيان، ومنهم من تخيَّل نفسه ضحيةً من ضحايا الظلم ينتظر الإعدام؛ فانطلق يعبِّر عن مشاعره الصادقة، ومنهم من أنحى باللائمة على الشعوب وصبَّ عليها سياط سخطه؛ لأنها بخنوعها واستكانتها على طريقة "قالوا لفرعون: من فرعنك؟ قال: لم أجد من يردني"، ومن ذلك قول خليل مطران:

كل قوم خالقو نيرونهم     قيصر قيل له أم قيل كسرى

ونيرون هذا هو حاكم روما الذي أشعل النار فيها وفي أهلها، وصعد إلى جبل يتلذَّذ برؤيتها وهي تحترق بينما كان يغني، ومنهم من واجه الطغيان بالسخرية والاستهزاء، وحضّ الطغاة على المزيد من الطغيان والبطش والنهب؛ باعتبارهم سادةً والناس جميعًا عبيدًا لهم، ومن هؤلاء قائل هذه القصيدة (ما تشاءون).

 

فيبدأ الشاعر بإغراء الحكام الظالمين على انتهاز فرصة الحكم والتسلُّط على الناس وعدم تضييعها؛ بأن يتحكَّموا في الرقاب ورفع من يشاءون وخفض من يشاءون، وإعطاء هؤلاء وحرمان أولئك، مبرِّرًا ذلك بأن لهم الأرض كلها والأنهار، وأن الناس عبيد لهم؛ خُلِقُوا لخدمتهم وكي يزرعوا لهم، بينما هم مخلوقون ليحصدوا ويأكلوا عرق الناس وجهدهم.

 

ويطمئنهم بأن الناس أذلة خائفون مكبّلون جائعون، وليس في مقدورهم أن يضروهم بشيء، وكأني به يذكرنا بقول فرعون (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الزخرف: من الآية 51)، وعمومًا فلو كان هناك عصاة فما أسهل تطويعهم؛ فالشباب المعارض يُدفع إلى السجون والسراديب، وأصحاب الضمائر؛ اشتروهم بالمناصب والمنافع والألسنة والأقلام.. اقطعوها واقصفوها بالأصفر الرنان (الذهب والأموال)، واعتمِدوا معهم سياسة التجويع على طريقة (جوِّع كلبك يتبعك)، ولا تكفُّوا عن تعذيب المعارضين منهم، مزِّقوا جلودهم، ولا تأخذكم بهم رأفة، حتى وإن بكت عيونهم بدم القلوب، فما لكم والإنسانية؟ وهل أنتم منها في شيء؟ واشربوا نخب سلطانكم واغرقوا في بحار اللذات والشهوات، وعبُّوا منها عبًّا؛ فكل شيء ملك بنانكم.. اجمعوا الأموال الطائلة، وانهبوا ما استطعتم نهبه، وامنحوا الأتباع والأذيال، وأقطعوهم الأراضي والضياع.

 

ثم يزيدهم اطمئنانًا، وكأن الشاعر يعيش معنا الآن ويرى ما يفعله الحكام بنا؛ بأن الدساتير مفصَّلة للدفاع عنهم وعن أهلهم ولتحقيق مصلحتهم فقط دون مصلحة الشعب، وأن القوانين مشرعة كالرماح في نحور المواطنين لتدين من تشاءون وتبرئ من تشاءون، كما أن الأكاذيب والأباطيل التي تطلقها وسائل الإعلام الحكومية كفيلة بتشويه خصومكم، وتقارير أجهزة الأمن أقوى من المدافع وهي كفيلة بالإلقاء في غياهب السجون الفاغرة دومًا أفواهها لابتلاع المعارضين، والأدهى من هذا كله هي أحكام القضاء بتآويل منحرفة والتي تصدر من قضاة مسيَّسين؛ باعوا ضمائرهم لتدين المخالفين، في بلاء شديد متستِّر في قناع القانون.

 

ثم يقول: إن من يظن أنكم من الممكن أن تلين قلوبكم بعظة أو تستيقظ ضمائركم بعبرة أو مَثَل من التاريخ فهو واهم.. إن قلوبكم كالحجارة أو أشد قسوة، وإن ضمائركم قد سبقتكم إلى القبور منذ أمد بعيد؛ فإذا كان هذا الواهم يذكِّركم بمصارع الطغاة الذين ظنوا أن ليل ظلمهم سيدوم؛ فإذا الفجر يطلع عليهم ويمحو آثار ظلمهم وبغيهم، وإذا طريق الهروب أمامهم مسدود، وإذا ريح الثورة ضدهم عاتية، وإذا الملك والنعيم والسلطة يتحول إلى سراب؛ فإن الموعظة معكم لا تفيد؛ فقد غشَّت السلطة أبصاركم وبصائركم، وختمت الغفلة على قلوبكم وعقولكم؛ فإذا بكم لا تسمعون ولا تبصرون ولا تعقلون.

 

ثم يوغل في السخرية فيصفهم بالشمس في السماء، بل أرفع نسر في الجو منيع بل أمنع، بل يصفهم بالموت الذي يصرع البلاد والعباد، ثم يصفهم بالخلد لطول مكثهم على قلوبنا؛ دون أن نرى منهم نفعًا أو خيرًا، ثم يصفهم بالسلّ الذي يفتك بالصدور والصحة والعافية.

 

وأخيرًا.. يكرر على مسامعهم: ما تشاءون فاصنعوا .. فرصة لا تُضَيَّعُ

فإلى القصيدة الرائعة مع الشاعر العظيم:

ما تشاءون

(للجواهري) (1)

ما تشاءون فاصنعوا            فرصةٌ لا تُضَّيعُ

فرصةٌ أنْ تُحَكَّموا             وتَحُطُّوا وتَرْفَعُوا

وتُدِلّوا(2) على الرقابِ          وتُعْطُوا وتَمْنَعُوا

ما تشاءون فاصنعوا         لكمُ الأرضُ أَجْمَعُ

لكمُ النَّاسُ أكتعٌ(3)             من ذويهم وأَبْصَعُ(4)

خَوَلٌ(5) عندكم خذوا            من تشاءون أو دَعُوا

قد خُلِقْتُمْ لِتَحْـصُدُوا          وعـبيدًا لِتَزْرَعُوا

لكمُ الرافدانِ(6) والزاب(7)         ضَرْعٌ فأَضرِعُوا(8)

تُخْصَبُ الأرضُ تَحْتَكم           -ما أمرتم- وتَمْرَعُ(9)

لَيْتَ أنَّ الجُموعَ فيهنَّ           شَاءٌ(10) وتَرْتَعُ

ما تشاءون فاصنعوا              الجماهيرُ هُطَّعُ(11)

ما الذي يستطيعه            مُسْتَضَامونَ(12) جُوَّعُ؟

ما تشاءون فاصنعوا            كلُ عاصٍ يُطَوَّعُ

فشبابٌ يُخيفُكُم                للمَطَامِير(13) يُدْفَعُ

وضميرٌ يَهُزَّكُمْ                بالكراسي(14) يُزَعْزَعُ

ولسانٌ يَنُوشُكُمْ(15)              بالدنانير يُقْطَعُ

ما تشاءون فاصنعوا             جَوِّعُوهُمْ لِتَشْبَعُوا

مَزَّقُوا ما استطعتُمُ                 مِنْ جُلودٍ .. وَرَقِّعُوا

هل سوى أنَّ أَعْيُنًا                بِدَمِ القلبِ تَدْمَعُ

وقلـوبًا نِياطُها               حَشْرَجَاتٍ(16) تَقْطَّعُ

وعُراةً على الدروبِ          حَيَارَى تُجمَّعُ

أَرْهِبُوهُمْ لِيَضْرَعُوا(17)        وخذوهمْ وأَوْجِعُوا

ما تشاءون فاصنعوا         وأَغِذُّوا(18) وأَسْرِعُوا

قَعْْقِعُوا مِنْ قِدَاحِكُمْ           فالليالي تُقَعْقِعُ

ما تشاءون فاصنعوا         لكمُ الناسُ مصنعُ

لكمُ الحكمُ ملعبٌ               في نهارٍ ومَخْدَعُ

لكمُ الأمُر مَسْبَحٌ            بالِلُّبَانَاتِ(19) مُتْرَعُ(20)

ما تشاءون فاصنعوا            وأَجِيدُوا وأَبْدِعُوا

أنْظِمُوا المالَ كالقصيد            بُحُورًا وقَطِّعُوا

لكَمْ عَقْدُه الفَرِيدُ              وللشعبِ مَصْرَعُ

ما تشاءون فاصنعوا         تَسْتَعِزُّوا وتُمْنَعَوُا

ضَيِّقُوا ما استطعتمُ             مِنْ خِنَاقِ وَوَسِّعُوا

ما نَهَبْتُمْ فَوَزِّعُوا          للحَواشِي(21) وأَقْطِعُوا

عنْ ذويكمْ وعنكمُ             الدساتيرُ تَدْفَعُ

القوانينُ شِرْعَةٌ             بحرابٍ تُشَرَّعُ

والأرَاجِيفُ شُرْطَةٌ            والتقاريرُ مِدْفَعُ

والسَّجُونُ المُزَمْجِرَاتُ             قِطَارٌ مُدَرَّعُ

والتآويلُ(22) في القضَاءِ               بلاءٌ مُبَرْقَعُ

كاذبٌ مَنْ يُخِيفُكمْ                بِعِظَاتٍ ويَصْدَعُ

ويُريكُمْ مَصَارِعًا                لِطُغَاةٍ تَصَرَّعُوا(23)

حَسِبُوا الليلَ مَـرْكَبًا                 فإذا الفجرُ يَطْلُعُ

وإذا الدربُ(24) مُوصَدٌ                وإذا الريحُ زَعْزَعُ(25)

وإذا كلُ روضةٍ                    أزهرتْ أمسِ بَلْقَعُ(26)

كاذبٌ، كلُ هَمِّهِ                  أنْ تخافُوا وتَفْزعوا

لكمُ الجنُّ تُهْرَعُ(27)               مثلما الإنسُ تَخْضَعُ

أنتم الشمس في السماء                   وأذْكَى وأرْفَعُ

وعُقَابٌ(28) على الجَوَاءِ                  منيعٌ وأَمْنَعُ

أنتمُ الموتُ هل يحيـ            ـن من الموتِ مصرعُ ؟

أنتمُ الخُلْدُ هل يفيـ           ـضُ من الخُلْدِ منبعُ ؟

أنتم السُّلُّ يختفي              في صدورِ ويَرْجعُ

ما تشاءون فاصنعوا             فرصةٌ لا تُضَيَّعُ

--------------

الحواشي:

(1) محمد مهدي الجواهري: شاعر عراقي كبير وُلد في النجف سنة 1900 ونشأ فيها ثم غادرها إلى بغداد، وأصدر عدة صحف، أسهم بقلمه وشعره في حركات التحرر والنضال في العراق وسائر البلاد العربية، حمل على المستعمرين وندد بالحكام الظالمين، تعرَّض للاضطهاد والأذى حتى رحل إلى القاهرة فترةً ودمشق فترةً أخرى، عينوه نائبًا في البرلمان لشراء ولائه فرفض المساومة.
(2) تستعلوا 
(3) الأكتع: من انقبضت أصابعه ورجعت إلى كفه.
(4) الأبصع: الأحمق
(5) عبيد
(6) دجلة والفرات
(7) نهر صغير
(8) فاجلبوا
(9) تخصب وتثمر
(10) جمع شاة
(11) أذلة خائفون
(12) مظلومون
(13) حفر تحت الأرض تخبأ فيها الحبوب (سراديب).
(14) بالمناصب
(15) يتناولكم
(16) الحشرجة: صوت تردد النفس عند الغرغرة عند الموت .
(17) ليذلوا ويخضعوا.
(18) أسرعوا في السير.
(19) بالملذات
(20) ممتلئ
(21) للأتباع والأعوان
(22) يقصد التفاسير المنحرفة.
(23) قتلوا
(24) يقصد طريق الهروب.
(25) يقصد ريح الثورة شديدة.
(26) بلقع: أرض قفر خالية لا نبات فيها.
(27) تسرع
(28) طائر جارح يشبه النسر.