- قضيت 18 عامًا في المعتقلات وختمت القرآن في ليلة واحدة

- العدوي علمني الحزم والتلمساني ساعدني على قهر الأعذار

 

حوار- نورا النجار:

بجسدٍ لم تترك السنون آثارها الدالة على عمره الحقيقي بعد.. بروح خفيفة الظل إلى أبعد الحدود وكأنها لم تُعانِ ما عانته من قسوة الأيام وشدة الصعاب.. وبوجهٍ حفرت فيه السنون الطويلة ملامح الإصرار على المضي في الطريق مهما كلف الأمر أو بلغت التضحيات.. قابلنا الحاج طلعت الشناوي أحد كنوز الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين ومسئول المكتب الإداري لإخوان الدقهلية، ليسطر لنا صفحات لم تَرَها أجيالنا الحاضرة، كاشفًا عن قيم ومُثُل نَدُر أن يجود بها زماننا الآن.

 

وباشتياق المحب.. وعزم المجاهد.. وسعادة المضحي.. بدأت ذاكرته تسترجع سطورًا مضيئة من ملامح حياة الرعيل الأول.. وعندها بدأنا الحوار.

 

* بدايةً.. من هو طلعت الشناوي؟

** اسمي طلعت الشناوي، من مواليد 16/9/1935م قرية (سنفا- ميت غمر- دقهلية)، والدي كان ناظرًا، ولي من الإخوة 14 أخًا وأختًا، التحقت بمدرسة قريتنا الابتدائية ثم مدرسة السنبلاوين الثانوية، واعتقلت في هذه الفترة وكان عمري لا يتجاوز عشرين عامًا، وبعد خروجي أجريت اختبار الثانوية نظام ثلاث سنوات مرة أخرى؛ حيث اعتبروني حاصلاً على الإعدادية فقط، ونجحت بمعجزة إلهية؛ فقد خرجت قبل الامتحانات بثلاثة أشهر فقط، وأثناء تقديم أوراقي إلى كلية (المعلمين)، والتي رغبت في الالتحاق بها اعتقلت مرة أخرى خمس سنوات متواصلة، فأخذ شقيقي أوراق التقديم، إلا إنهم رفضوا قبولي لضرورة إجراء مقابلة شخصية معي قبل القبول، وكنت وقتها رهن الاعتقال فلم أستطع دخول الكلية.

 

وبعد خروجي عام 70 وقضائي فترة سَجْن خمس سنوات قدَّمت أوراقي في كلية (دار العلوم) وقُبلت بها وتخرَّجت فيها عام 74، بعدها عملت مدرسًا للغة العربية للمرحلة الإعدادية، ثم سافرت بنظام الإعارة إلى اليمن، وبعد عودتي عملت مدرسًا ثانويًّا حتى عام 94، ثم التحقت بمدارس (الهدى والنور الخاصة) بمدينة المنصورة حتى وصل بي مركزي الوظيفي إلى مشرف عام المدارس إلى وقتنا هذا، أما عن أسرتي الحالية فلي من الذكور اثنان ومن البنات أربع.

 

* وكيف تعرفتم على جماعة الإخوان المسلمين؟

** كان للإخوان شعبة معروفة في قريتنا منذ أوائل الأربعينيات، وكانت معلَنة ورُفع على مقرها شعارهم، وقد التحم الإخوان بالقرويين البسطاء وعايشوا مشكلاتهم وأفراحهم، وكان حضورهم طاغيًا، بالإضافة إلى أنشطتهم الرياضية والثقافية، إلى جانب أنشطة الجوالة المتعددة، والتي كان لهم بها حضورٌ طاغٍ.

 

 الصورة غير متاحة

الإمام الشهيد حسن البنا

* وما الذي جذبك للانضمام إليهم؟

** أكثر ما كان يميز الإخوان في هذه الفترة هو دعوتهم إلى الجهاد والدفاع عن مقدسات المسلمين، خاصةً وقد واكب هذه الدعوة حرب فلسطين، وكان عمري وقتها لا يتجاوز ثلاثة عشر سنة، كما كنت أواظب على حضور حديث الثلاثاء، والذي كان يحاضر فيه الإمام البنا في المركز العام بالقاهرة، أما في القرى والبلدان الأخرى فكان يحاضر فيه كبار الإخوان، إضافةً إلى قلة الضغوط على شباب المسلمين في هذه الفترة، والذين كانت تظهر فيهم بوادر الرجولة مبكرًا، وليس كما هو الحال في شبابنا الآن، والذين ألهتهم مباريات كرة القدم و"الموضة" والأفلام وغيرها، فكنا نشعر بمسئولية كبيرة تجاه أمتنا.

 

كل هذا دفع بي إلى الانضمام إلى الإخوان، وكما يقول الشهيد (سيد قطب) رحمه الله: الإنسان ما هو إلا مجموعة اهتمامات؛ فإن كانت اهتماماته عظيمة فهو عظيم، وإن كانت فارغة فهو فارغ.

 

الأسرة والإخوان

* ألم تحاول أسرتك منعك من الالتحاق بالإخوان؟

** على العكس؛ فطبيعة البشر في القرية بسيطة وفطرية، وعندما كانوا يرون دماثة أخلاق الإخوان ونفعهم للناس كانوا يدفعون بنا إليهم دونما تردد، إضافةً إلى تلمسهم الفارق بين أخلاقنا قبل وبعد الإخوان؛ فأنا كنت مشاغبًا قبل التحاقي بهم، إلا أنني بعد التحاقي بهم تغيرت تغيرًا كليًّا، وهذا أثار دهشتهم وإعجابهم بالإخوان.

 

* معنى ذلك أن نشاط الإخوان هو الذي دفعك إلى الالتحاق بهم؟

** نعم، وبالفعل ذهبت إليهم بمفردي وانضممت إليهم وشاركتهم الأنشطة المتعددة ورأيت فيهم أخلاقًا تفوق الوصف لدرجة أن القرية كلها كانت تجتمع لمشاهدة مبارياتنا مع الشعب الإخوانية الأخرى، متعجبة من الأخلاقيات التي كانوا يتعاملون بها مع الفريق المنافس الآخر؛ فكنا في بداية المباراة ننزل إلى الملعب مع الفريق الآخر كفريق واحد نردد الشعار- شعار الإخوان- معًا ثم يذهب كلٌّ منا إلى فريقه.

 

"سنة أولى اعتقال"

* حدثنا عن تجربتك مع الاعتقال وخاصةً في أول مرة؟

** أول مرة اعتقلت وأنا لم أتعدَّ عشرين عامًا؛ وذلك عام 1955م على إثر اعتقالات واسعة قام بها عبد الناصر للإخوان في محاولة لاستئصال لشوكتهم؛ فبعد حملة اعتقاله للإخوان عام 1954م ظنَّ عبد الناصر وأعوانه أنهم بذلك قد نجحوا في القضاء على الإخوان المسلمين، إلا أنهم فوجئوا بنا وقد ظهرنا وقمنا بجمع التبرعات لبيوت إخواننا من المعتقلين وإيواء البعض الآخر الذين حُكم عليهم بالسجن، إلا أن يد عبد الناصر لم تستطع العثور عليهم، ووقتها جن جنون عبد الناصر، فقام بحملة أخرى لاعتقال الباقين وأطلق علينا (تنظيم 55)، وحاكمنا محاكمة سرية حتى لا يعلم الناس أنه وبعد اعتقالات 54 لم يَبْقَ من الإخوان أحد وحكم عليَّ بالسَّجْن عشر سنوات.

 

* ومتى كان الاعتقال الثاني؟

** بعد قضائي السنوات العشر الأولى خرجت لمدةٍ لم تتجاوز ثلاثة أشهر، ثم اعتقلت بعدها وحكم عليَّ بخمس سنوات، ثم مرةً ثالثة عام 1995، وخرجت بعد ثلاث سنوات عام 98 على إثر حملات اعتقالية أخرى لأفراد الإخوان المسلمين.

 

* كيف كان رد فعل أسرتك إزاء هذه الاعتقالات وفي هذه السن المبكرة؟

** بالطبع عراهم حزن عميق من جرَّاء اعتقالي، خاصة في هذه السن المبكرة، وقد بدت ملامح ضياع مستقبلي تظهر، وحاول رجال عبد الناصر الضغط على أسرتي كي أنضم إلى ما يسمى بقضية التأييد؛ حيث حاول عبد الناصر توقيع صفقة مع المعتقلين من الإخوان كي يتخلَّوا عن الجماعة ويعلنوا خروجهم مقابل حريتهم، وجاء إليّ والدي في منطقة (المحاريق) التي اعتقلت فيها وهددني بالانتحار قائلاً: "سأنتحر وتتحمل وزري أمام الله ما لم تقبل عرض عبد الناصر".

 

* وبماذا أجبته؟

** قلت لوالدي: "أترضى أن أبيع آخرتي بعرض من الدنيا وأغضب ربى مقابل حريتي؟!" واستمر نقاشي معه وانتهى بإقناعه، خاصةً بعد أن كشفت له حقيقة هذه الصفقة الرخيصة بأن الأمر لن يقتصر على إعلان خروجي من الإخوان، بل إن الثمن الحقيقي هو أن أصير عينًا لعبد الناصر ورجاله، وانتهت الأزمة هذه المرة، وحاولوا مرة أخرى تحريض والدي على مقاطعتي فقاطعني سبعة أشهر، إلا إنه جاء إليّ بعدها وأرسل إليَّ نقودًا.

 

رمضان خلف الأسوار

* بعيدًا عن مرارة الاعتقال والشعور بالظلم والاستبداد.. كيف كان رمضان في المعتقل؟

** كان رمضان في المعتقل فرصة ذهبية لرفع إيمانياتنا، حتى إنني أذكر أنني ختمت القرآن حفظًا في رمضان، وكانت الليلة الأخيرة فيه بعد أن ختمته مرةً في الأيام الأولى من نفس الشهر جلست في تلك الليلة ومنذ بزوغ فجرها إلى صلاة العشاء أتلو على معلمي حتى ختمته.

 

* وماذا عن رمضان عند الإخوان.. كيف كانوا يعيشونه؟

** كان الإخوان يتزودون من رمضان بكل قوتهم؛ فكانوا يكثفون وجودهم في المساجد، وكان هناك ما يسمى بـ(السهرة)؛ حيث يفتح بيت من بيوت القرية بابه لقراءة القرآن واستقبال الزوَّار طيلة الليل للاجتماع على الطاعة مما كان له عظيم الأثر في تقوية الروابط بين الإخوان وبعضهم، وبينهم وبين الناس أيضًا.

 

* هل تشعر بافتقادك لهذه الأيام؟

** بالطبع، وعلى الرغم من أن لكل فترة من عمرنا مذاقها الخاص، إلا أنني أفتقد أيام أقراني وبشدة؛ فقد كنا نستطيع العمل بكل حيوية وبقدر أقل بكثير من هذه الضغوط، أما الآن فلا نستطيع عقد مؤتمر إلا بموافقات أمنية، ولا نستطيع إعادة فتح مكتبنا الإداري والذي أغلق منذ 1954 وإلى الآن، كنا في زماننا نحظى بفرص متميزة للتعايش مع بعضنا ومع الناس، أما الآن فالأمور أصبحت أكثر صعوبةً.

 

* هل عاصرت الإمام البنا؟

** للأسف لم ألتق بالإمام البنا؛ فقد استشهد وأنا في الرابعة عشرة من عمري.

 

في سفينة الدعوة

 الصورة غير متاحة

الشهيد سيد قطب

* ماذا تعلمت من الإخوان؟

** أولاً: أن قرآننا وسنة نبينا جاءا لتنظيم مختلف شئوننا وأن الفرد الإخواني كان وما زال يضع نفسه في دائرةٍ رسمها الشهيد سيد قطب في قوله: (واقعية مثالية ومثالية واقعية)؛ ففرد الإخوان كان سمته الأول مساعدة الآخرين ونفعهم.

 

ثانيًا: إحياء روح المحبة والتوادِّ وقوة الرابطة، والتي ما عرفتها إلا مع الإخوان؛ وذلك تطبيقًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، وهذا أول ما حرص النبي عليه منذ الهجرة وسار على نهجه الإمام البنا رحمه الله، والذي عد الأخوة ركنًا من أركان البيعة.

 

ثالثًا: أن تباين الطباع بين الأفراد رأس مال ضخم إذا ما أُشرب بماء واحد، وتجمَّع في يد قيادة واحدة.

 

أذكر ذات مرة أنني شكوت إلى الشهيد سيد قطب قلة نشاط أحد الإخوة، وكان هذا يثير حفيظتي بشدة ويكاد يؤثر على علاقتي به، فإذ به رحمه الله يعلمني درسًا رائعًا في التكيف مع الآخر قائلاً: "نحن نفتقد بشدة هذا الطبع ونحتاجه؛ فلن نستطيع أن نكون نسخًا من بعضنا البعض، بل لكلٍّ منا شخصيته وملامحه، والتي لا بد من استثمارها لصالح الدعوة"، وقص عليَّ من سيرة النبي والصحابة ما يؤيد ذلك، ومن لحظتها تعلمت الدرس بأنني لا بد وأن أتعامل مع الآخر بما يلائمه لكي أنجح في التواصل معه، وعندها تندر المشكلات، وإذا وجدت فسرعان ما تحل؛ فنحن البشر كالتروس؛ لا بد لها من زيت لتواصل عملها، وزيتنا هو الأخوة والود.

 

ثلاثة رجال

* من هي أكثر الشخصيات التي أثرت فيكم؟

** الأستاذ (محمد العدوى)؛ فهو مربِّي كل إخوان الدقهلية، وكان يجمع بين حنان الأب وحزم القائد، وحقيقةً.. كانت هذه الصفة بالذات تثير دهشتي، إضافةً إلى صراحته التامة مع إخوانه؛ لا لمجرد كشف العيب أو النقد، بل من أجل الإصلاح في المقام الأول.

 

والأستاذ المرشد (عمر التلمساني) والذي كان يرفعك فوق رأسه ما دام لك الحق؛ فإن حدت فكأنه لم يَلْتَقِ بك قط حتى تعود إلى سيرتك الأولى، وكان عليه رحمة الله يتميز بشفافية روح عالية، أذكر وقت أن قاطعني والدي بتحريض من عبد الناصر وأعوانه للضغط عليَّ كي أترك الإخوان، وبعد أن قاطعني والدي سبعة أشهر بعث إليَّ بخطاب ونقود وجلست أقرأ خطاب والدي في ركن من الزنزانة والأستاذ عمر التلمساني في ركن آخر ومع نفسي قررت ألا أقبل نقود والدي؛ حيث أبت عليَّ كرامتي ذلك، فإذا بالتلمساني يسألني: "ماذا قررت أن تفعل في هذه النقود؟" وبلغت دهشتي ذروتها؛ حيث لم أخبره إطلاقًا عن هذا الخطاب، فكان لديه إحساس متميز بما يعيشه إخوانه ومرافقوه، كما علمني كيف أقهر الأعذار مهما كانت قاسية من أجل الدعوة، وبالطبع تأثرت أيضًا بالشهيد سيد قطب الذي علمني فن التكيف مع الآخر.

 

* بماذا يحلم الحاج طلعت الشناوي بعد هذه السنوات؟

** أن يشرح الله صدورنا ونوقن أن (الإسلام هو الحل) لكل مشكلاتنا؛ فالناس يشكون من البطالة والفقر والغلاء، فإذا ما طُبِّق الإسلام حق التطبيق حُلَّت كل هذه المشكلات؛ فما نحن فيه من بلاء الآن سببه أننا تلمسنا الحل في غيره، ولا نتيجة سوى زيادة الشقاء، ولنتذكر قول المولى عز وجل: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: من الآية 97).

 

أحلم أيضًا بأن أرى المسلم عزيزًا شامخًا حتى ولو حكم عليه من أجل دعوة الله بالإعدام؛ فالفرد منا كان يحكم عليه بالإعدام فيخر ساجدًا لله لا يتلمس صفح الزبانية ولا يرجو غير الله ملاذًا وناصرًا؛ فكلما عاش المرء بدينه استعلى على كل شيء.

 

أذكر أننا كنا وفي أوقات الاعتقال لا نجد غير الخبز والزيت لنأكله، وكنا نأكل الفول بعد أن ننزع ما به من حشرات، وعلى ذلك كنا أسعد البشر؛ لا نحمل إلا هم دعوتنا، ويندر أن يصاب أيٌّ منا بالمرض، وكان هذا معجزة إلهية.