تخيَّل أن أحد المدرسين المخلصين أخبرك أن المحروس ابنك لا يفهم شيئًا في مادة الكيمياء، ويحتاج إلى درس خصوصي للارتقاء بمستواه على وجه السرعة، الطبيعي أن تسارع بسؤاله عن ترشيح أحد مدرسي مادة الكيمياء للقيام بهذه المهمة العاجلة، ولكن السيد المحترم الثقة يفاجئك بإصراره أن يأخذ الولد درسًا في مادة الجغرافيا!

 

عبثًا تحاول أن تفهم منطق الناصح الأمين، غير أن النتيجة تبقى كما هي: الولد لا يفهم شيئًا في الكيمياء ولذلك يجب أن يأخذ درسًا إضافيًّا أو خصوصيًّا في الجغرافيا التي يفهمها!
لو أخذنا تصويتًا على هذه القصة؛ هل نجد أحد العقلاء أو حتى غير العقلاء يوافق على نصيحة هذا المدرس؟

 

هل يعقل أن تعطي درسًا لابنك في اللغة العربية التي يجيدها إذا رسب في اللغة الإنجليزية؟
رغم عدم الاختلاف على عدم عقلانية هذا المنطق؛ إلا أن هناك من يطالب الإخوان ويلح عليهم كل فترة بالأخذ به، ويتعجبون من عدم استجابتهم للنصيحة.

 

فبينما يتهم بعض الدعاة الإخوان بانشغالهم بالسياسة على حساب الدعوة، نجد من يتهمهم بالعكس، أي بانشغالهم بالدعوة عن أمور السياسة ومتطلباتها العاجلة.

 

ولا ضير في ذلك؛ فاختلاف البشر وتنوع أفكارهم ورؤاهم يثري الحياة، ويحقق مجالات مختلفة لمن يبحث عن العمل الجاد لخدمة دينه ووطنه وأمته بما يتوافق مع قدراته ومواهبه التي تختلف من فرد لآخر.

 

لقد ترددت دعوة العديد من المخلصين للإخوان لترك السياسة والانشغال بالدعوة، صونًا لأنفسهم من البطش ومصادرة الأرزاق والتنكيل الذي لم ينله غيرهم؛ ومع كامل التقدير للبواعث الإنسانية التي تقف وراء هذه الدعوة، فإنها تبقى وجهة نظر ورأيًّا سياسيًّا يقدره كلٌّ حسب عزيمته وهمته وما يصبو إليه من غايات وأهداف، لأن من جعل الله له غاية، ورضاه هو ما يؤمله من وراء أعماله، لا بد أن تتغير لديه هذه المعادلة، لأن ما عند الله لا يقارن بما بين أيدي البشر، كما أن كل بطش وتنكيل يصغر بجانب ما أصاب الأنبياء والرسل وجميع المصلحين على مدار التاريخ.

 

كما يطالب الكثير من المهتمين بالشأن العام والأحوال السياسية المتدهورة الإخوان بالدخول إلى المعترك السياسي بكل ثقلهم، وعدم التمسك بالمثل العليا في العمل السياسي، وفهم لغة السياسة التي تعتمد على انتهاز الفرص، ومحاولة تحقيق أكبر قدر من المكاسب، خاصةً لأكبر فصيل سياسي معارض، يشهد الجميع بإمكانته وقدرته السياسية في الحشد والتنظيم.

 

ويبقى ما سبق أيضًا رأيًّا ووجهة نظر يُشكر المطالبون بها، ونقول لهم: نعم هكذا هي السياسة بالفعل، غير أن الإخوان ارتضوا منهجًا ربانيًّا هو الذي أكسبهم تأييد الجماهير، وحفظهم من الانقراض مثل غيرهم من التيارات السياسية رغم ما تعرضوا له عبر مختلف الأنظمة والحكومات.

 

إن الإخوان يرفضون الفوضى وتدمير البلد وإحراقها واستغلال الأوضاع الاقتصادية المنحطة وغير ذلك، ويلتزمون بالانضباط والمسئولية في مظاهراتهم ومعارضتهم، ويغلبون مصلحة الوطن على أي مكاسب ذاتية عاجلة، هذا قد لا يستسيغه بعض السياسيين، ولا يتخيلون أن يمتلك الإخوان كل هذه الإمكانات السياسية والجماهيرية ولا يستغلونها، ولكن من كان يرجو الأجر من الله سبحانه يقف عند الحلال والحرام، وهي مصطلحات لا تعرفها السياسة، فما ذنب الإخوان أنهم يرفضون الفوضى لأنها تتعارض مع عقيدتهم الدينية قبل معتقدهم السياسي؟

 

ما سبق وغيره كثير يتردد كل حين، ولا يسأم أحد من ترديده وإعادته، خاصة مع انتشار الإخوان وتصدرهم المشهد السياسي، إن لم يكن بنشاطهم المرئي، فبفضل نشاط الأمن الذي لا يجد غيرهم يصلح للاعتقال ومصادرة الأموال في هذا البلد المنكوب والمحروق- أخيرًا- بفضل الحزب الحاكم.

 

ومع انتشار الصحافة المستقلة، والصحافة الالكترونية، والمدونات، أصبحت الحاجة ماسة إلى الأخبار التي تجذب القارئ، ولا تجد هذه الوسائل أفضل من الإخوان وأخبارهم، سواء بالحق أو بالباطل، وسواء كان الأمر بحسن نية أو بسوء نية، وسواء كان من يردد هذا الكلام خبير له قدره، ينتظره الجميع ليدلي بدلوه، أو كان مجرد شاب غرّ يجرّب الكتابة، ويجترّ بعض المقولات دون وعي بما تنطوي عليه... إلخ.

 

من الواجب على الإخوان أن يستفيدوا من كل نقد يوجه إليهم، وأن يشكروا كل من يهدي إليهم عيوبهم، وأن يضطلعوا بمسئوليتهم حقًّا إن كانوا فعلا أكبر معارضة موجودة على الساحة، وعندما يصفهم البعض بأنهم لا يفهمون شيئًا في السياسة، وأن عدم الفهم هذا هو عيب خلقي فيهم منذ نشأتهم، نقول له: جزاك الله خيرًا، وهذه في النهاية رؤيتك التي قد نتفق معك أو نختلف حولها، فإذا تطوّع وقدم الحلَّ بخبرته وحنكته، فلا بد أن يسمعه الإخوان وينصتوا إليه جيدًا، أما أن يتمثل الحل في اعتزال السياسة لمدة عشر سنوات والتفرغ للدعوة، فلا نملك إلا أن نقول له أنت تطبق منطق المدرس الذي ينصح من لا يفهم في الكيمياء بأن يأخذ درسًا في الجغرفيا!