- د. فريد إسماعيل: القضية تمس وزراء وأعضاء بارزين في "الوطني"

- م. سعد الحسيني: صرخت بأعلى صوت في المجلس: "مصر بتتسرق"

- د. حمدي عبد العظيم: الخطر يهدد مستقبل الاستثمار والأجيال القادمة

- م. عبد العزيز الحسيني: حلقة من مسلسل طويل اسمه "بيع مصر"

 

تحقيق- خالد جمال:

ليس دليلاً جديدًا على تفشِّي الفساد في مصر ذلك الذي قدَّمه نشر عقد "مدينتي" المُبرَم بين شركة هشام طلعت وهيئة المجتمعات العمرانية؛ فمن المعلوم بالضرورة أن الفساد هو منتجنا القومي الأكبر منذ ما يزيد عن ربع قرن، إلا أنه أعطى صورةً نموذجيةً للفساد المُقنَّن بالمستندات الرسمية حينما يتزاوج المال بالسلطة، والنتيجة المؤلمة هي بيع ترابك يا وطن، وبالمجان!.

 

ما بين 70 إلى 75 ألف فدان تتسرَّب سنويًّا من ممتلكات الدولة والشعب إلى رجال مافيا عتيدة؛ مهمتها الاستيلاء على أراضي الدولة، بالتزوير حينًا، وبالرشاوى أحيانًا، وباستغلال طول إجراءات التقاضي لتحويل جرائم سرقة الأراضي إلى أمر واقع.

 

ورغم أن سرقة الأراضي جريمة لا تسقط بالتقادم، إلا أنها في مصر تسقط ليس بالتقادم ولكن بتهالك ملفاتها في أروقة المحاكم وأدراج الحُجَّاب التي تضمُّ حاليًّا أكثر من 200 ألف قضية استيلاء تنتظر الحسم منذ سنوات طويلة، لكنها لم تُحسم حتى الآن!.

 

هذا فضلاً عن ما أثبتته الإحصاءات من أن نحو 47% من الأراضي المُخصَّصة للأفراد يتم "تسقيعها"؛ أي الاحتفاظ بها كأرض وعدم البناء عليها؛ حتى يتم بيعها لمستثمرين بمبالغ طائلة، ولا تملك الأجهزة الحكومية المعنية إلا "الفرجة"!.

 الصورة غير متاحة

 هشام طلعت مصطفى ومحمد إبراهيم سليمان

 

بنود عقد "مدينتي" أعلنت مفاجأةً من العيار الثقيل حين أثبتت نصوصه أن هيئة المجتمعات العمرانية لم تتقاضَ أموالاً نظير 5 آلاف فدان حصلت عليها شركة هشام طلعت لبناء المشروع، واكتفت الهيئة بنسبة 7% من المساكن التي سيبنيها المشروع، فيما ترك العقد كيفية تقدير النسبة للشركة التي من حقها- بنص العقد- إضافة 3 آلاف فدان جديدة للمساحة المتفق عليها؛ دون تحديد الأغراض التي سيتم استخدامها فيها.

 

ما يضاعف مرارة البيع شبه المجاني الأرقام التي يُذيعها أصحاب المشروع الاستثماري، والتي تُجبر الحالمين بحجز أبسط شقة فيه على دفع نحو ربع مليون جنيه مقدمًا، واستكمال باقي المليون على أقساط؛ الأمر الذي فتح ذاكرة ملف الاستيلاء على أراضي الدولة وأبطاله الأشهر من رموز النظام ورجالات الحزب الوطني الحاكم.

 

الملف يحكي عن وزير الداخلية السابق الذي حصل بمعاونة وزير الإسكان السابق أيضًا على نحو 7 آلاف فدان على طريق بلبيس القاهرة؛ أي قرابة 29.5 مليون متر مربع، لو بيعت بالحد الأدنى لسعر السوق (200 جنيه للمتر) لبلغ ثمنها نحو 6 مليارات جنيه!.

 

كما حصل رجل الأعمال محمد أبو العينين على 1520 فدانًا؛ أي 6.3 ملايين متر مربع في مرسى علم بسعر دولار للمتر، ولم يسدّد سوى 20%، وباع المتر بسعر 200 جنيه بإجمالي 1.26 مليار جنيه، واستولى إمبراطور الحديد ورجل الحزب الوطني أحمد عز على منطقة بالكامل في غرب خليج السويس مساحتها 5000 فدان؛ أي 21 مليون متر مربع؛ باع المتر بسعر 100 جنيه بإجمالي 2.1 مليار جنيه، واستولى محمد فريد خميس على أخرى غرب خليج السويس بمساحة 8000 فدان؛ أي 33.6 مليون متر مربع؛ يبيع المتر بسعر 100 جنيه بإجمالي 3.2 مليارات جنيه، فيما حصل مجدي راسخ على 2200 فدان في الشيخ زايد بسعر 50 جنيهًا للمتر، وباع المتر بـ700 جنيه، بإجمالي 6.468 مليارات جنيه.

 

والقائمة طويلة.. ويبدو أنها لن تقف عند حدٍّ معينٍ، ولن تُكتب لها النهاية طالما سيطرت هذه الوجوه على مُقدَّرات الشعب ونهبت ثرواته؛ لذا يفتح (إخوان أون لاين) التحقيق لدقِّ ناقوس الخطر وتسليط الضوء على خطورة القضية:

 

أمن قومي

يؤكد الدكتور حمدي عبد العظيم الرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية أن هناك عصابات تستولي على أراضي الدولة بعقود وضع يد، والدولة لا تراقب ولا تتابع، بل تشترك الحكومة في هذه المهزلة؛ باعتبارها طرفًا في هذه العقود، ثم يقوم جهاز حماية أملاك الدولة بالتحرك والبحث عن الممتلكات المفقودة.

 الصورة غير متاحة

د. حمدي عبد العظيم

 

ويضيف أنه في بعض الحالات يتم تقنين وضع اليد؛ حيث يُعطى واضع اليد مقابلاً ماديًّا بسيطًا لجزء من الأراضي ويُسمح له بالمتاجرة في المساحات الباقية ويحقِّق أرباحًا طائلةً؛ باعتبار أن لديه سندًا قانونيًّا.

 

ويشير د. عبد العظيم إلى أن مافيا المتاجرة في أراضي الدولة أصبحت يسيطر عليها مجموعة من العائلات والأفراد القريبين من السلطة، كما أن هذه الأراضي معظمها يكون صحراويًّا أو امتدادات واسعة بين المحافظات؛ مما يجعلها تمثِّل فرصًا واسعةً للاستثمار والعمران في المستقبل.

 

وعن تأثير عملية المتاجرة في أراضي الدولة على الاقتصاد المصري، يقول د. عبد العظيم إن خزانة الدولة تحرم من الأموال المستباحة التي تُنهَب في هذه العمليات، والتي تمثِّل عائد الأراضي المملوكة للدولة، مضيفًا أن عملية عدم استقرار العقود ثم إزالة المباني المخالفة لها تأثير سلبي في مناخ الاستثمار، وتبين للمستثمرين بالخارج أنه غير آمن.

 

ويرى أن الحل يكمن في تسجيل جميع أراضي الدولة في خرائط مساحية لتحديد حدودها وتسويرها وإخضاعها لرقابة صارمة، وأن توضح أنها ممتلكات الدولة.

 

أخطر قضايا الفساد

ويؤكد النائب الدكتور فريد إسماعيل عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أن قضايا بيع أراضي الدولة أو تخصيصها لرجال أعمال بمقابل لا يوازي قيمتها أو بدون مقابل؛ يعتبر من أخطر قضايا الفساد في مصر، والتي تهدِّد الأمن القومي المصري؛ لأن الحكومة تبيع مُقدَّرات الشعب وميراث الأجيال القادمة.

 الصورة غير متاحة

د. فريد إسماعيل

 

ويقول إن قرارات تخصيص الأراضي تصدر، ويقوم بعض الأفراد بتكوين شركة وهمية حتى يستطيعوا الحصول على 50 ألف فدان، ثم يستثمروا مساحةً لا تزيد عن 5 إلى 6%، والباقي يتم بناؤه ثم بيعه بأسعار مُبالَغ فيها؛ لأن هذه الأراضي تكون عادةً في أماكن متميزة وذات مستقبل واعد في الإسكان والاستثمار، فضلاً عن أن قرارات التخصيص تعتبر سندَ ملكيةٍ يقترض المستثمر المليارات عن طريقها ثم لا يوفي بما عليه، وتذهب الأموال أدراج الرياح في الوقت الذي يحصل فيه على أرباح هائلة.

 

ويضيف أن معظم الطرق الساحلية والصحراوية والشواطئ في الساحل الشمالي والسويس والفيوم وبني سويف قد تم تخصيصها لأسماءٍ بعينها، حتى إن البوابة الرئيسية في طريق مصر إسكندرية الصحراوي قد تم نقلها حتى ضمت ما يقرب من 10 كم للحيِّز العمراني لأرض مملوكة لأحد رجال الأعمال المعروفين.

 

وأعلن النائب أنه سيقدِّم استجوابًا خطيرًا بمستندات خطيرة تحتوي على عقود تمليك أراضٍ زراعية تم تحويلها إلى فيلات وقصور، وقال: "الأسماء التي يشملها الاستجواب ستكون مفاجأة من العيار الثقيل".

 

وعن سبب إهمال المجلس طلبات النواب حول الفساد؛ أوضح د. فريد أن أجندة المجلس محددة سلفًا ولا تناقش الموضوعات التي لا تريدها الحكومة داخل المجلس، والتي تتعلَّق بأمور وقضايا معينة تمثِّل للحزب الوطني إحراجًا!.

 

ويشدد د. فريد إسماعيل على أن الحكومة الحالية لا بد لها أن ترحل لتأتيَ أخرى حريصة على أموال ومقدَّرات الشعب المصري التي تذهب هباءً؛ مما يهدِّد أمن واستقرار المجتمع وينهب ثرواته، مضيفًا أن الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين لن تألوَ جهدًا في الدفاع عن حقوق المواطنين.

 

ويطالب النائب الرئيس مبارك بالتدخل لحلِّ هذه القضية، وأن يفتح هذا الملف لما يمثِّله من قضية رأي عام ويمس الأمن القومي المصري، كما أن القيادة السياسية لا يجب أن تبقى بعيدةً عن مثل هذه القضايا.

 

السطو على مصر

المهندس سعد الحسيني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الإسكان بمجلس الشعب يقول: "أنا أول من فجَّر هذه القضية منذ عامين، وقد تبيَّن الآن صدق ما قلته، وكان نتيجة ذلك وقتها قيام طلعت بحملة إعلانية كبيرة، واصطحب الصحفيين إلى "مدينتي" وتم التكتم على الموضوع".

 الصورة غير متاحة

سعد الحسيني

 

وأضاف الحسيني أنه بعد طرح الأسانيد القانونية والدستورية نريد حقَّ المصريين؛ ليس بأخذ الأراضي ممن يضع يده عليها، ولكن يجب مراجعة هذه العقود في إطارٍ من الشفافية والنزاهة، وقال إنه وقف في المجلس يصرخ بأعلى صوته قائلاً: "مصر بتتسرق"، ولكن دون مجيب.

 

وبلغة الأرقام تحدَّث الحسيني قائلاً: "إن هشام طلعت مصطفى حصل على 30 مليون متر مربع في الرحاب 1، 2 وفي مدينة الشروق، بالإضافة إلى 33 مليون أخرى في "مدينتي" دون دفع مليم واحد، في حين أن من يريد الحصول على 300 أو 400 متر يدخل قرعة ويدفع مقدمًا وفي نهاية المطاف يرجع بـ"خُفَّي حنين!!".

 

وتابع أنه في المرحلة الأخيرة لتخصيص الأراضي للشباب تم تخصيص 12 ألف قطعة؛ تسابق عليها 185 ألف شاب دفعوا مجتمعين مليارات الجنيهات من دمائهم وأقواتهم دون فائدة.

 

وشدد النائب على أن هيئة مكتب مجلس الشعب هي التي تسيطر على عملية اختيار الاستجوابات التي تناسب نعومة أسنان الحزب الوطني؛ لأن بعض الموضوعات تمس المجرمين والمحتكرين من أعضاء الحزب ورجال النظام؛ فهيئة المكتب أتت لحماية هؤلاء الناس والتستر عليهم، مطالبًا بمحاكمة إبراهيم سليمان وزير الإسكان الأسبق ورئيس الوزراء وفتح هذا الملف ووضع سعر عادل للأراضي غير المستغلَّة.

 

ومن الناحية البرلمانية أكد الحسيني أن كتلة الإخوان لديها نضال دستوري وقانوني في الدورة البرلمانية الحالية، كما أنه بصدد إعادة صياغة الاستجواب السابق بناءً على ظهور العقد الخاص بـ"مدينتي"، وقال: "محاكمة هشام طلعت ليست بتهمة قتل مغنية، ولكنها يجب أن تكون لحساب 50 مليار جنيه في ذمته من أموال الشعب المصري المسكين".

 

أحلام الغلابة

ويقول الدكتور عبد الخالق فاروق الباحث بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام: إن العقد المبرم لـ"مدينتي" لا يمكن أن يحدث في العرف الاقتصادي؛ فلا يوجد ما يسمَّى البناء دون مقابل أو حتى التسديد بشكل عيني.

 الصورة غير متاحة

د. عبد الخالق فاروق

 

ويضيف أن البند الذي يحدِّد 7% من قيمة الوحدات المبنية في المستقبل بند مطاَّط، ولا يحفظ حقوق الدولة؛ فالمستثمر هو الذي سيحدد أسعار الوحدات، وبالتالي سيحدد قيمة الأموال المستحقَّة عليها للدولة، والتي ستكون بالطبع أزهد الأسعار الممكنة.

 

ويتهم د. فاروق الحكومةَ والجهات التنفيذية بالوقوف وراء مثل هذه الصفقات مقابل حصولها على هدايا ورشاوى، كما أن الذين تٌخصَّص لهم الأراضي يتمتعون بغطاء سياسي أكبر منهم كما لو كان هذا سمةً عامةً وأساسيةً للنظام الحاكم.

 

وعن التأثير الاقتصادي للقضية قال د. فاروق: إن أول خسارة تتمثَّل فيما يسمى بـ"نفقة الفرصة البديلة"؛ حيث إن بيع هذه الأراضي المخصصة لو تم بالشكل الطبيعي عن طريق المزايدات فسيوفر للخزانة العامة للدولة أموالاً طائلة.

 

وأكد أن الطبقات الفقيرة ستُحرَم من مساحات الأراضي المُخصَّصة للاستثمار، وسوف تُبدَّد أحلامهم في الحصول على مسكن ملائم بأسعار مناسبة، ناهيك عن عدم فرض ضرائب من أي نوع على هذه الأراضي بما يشكِّل خسارةً مضاعفةً للدولة.

 

زواج باطل

في حين يرى عبد العزيز الحسيني عضو تجمع "مهندسون ضد الحراسة" أن مافيا بيع أراضي الدولة تدخل في قضية أكبر، وهي مافيا "بيع مصر"؛ فالحكومة تبيع الممتلكات العامة، وهي في الأساس ملك الشعب، وقال إن هذا يأتي ضمن سلسلة بيع مصر في مواقفها السياسية والاقتصادية؛ فهذه سمة عامة للنظام الحاكم بمصر.

 

وأشار إلى أن الموانئ والمطارات يتم بيعها للقطاع الخاص، متسائلاً: "كيف تسيطر الدولة إذن على سيادتها وهي تبيع أصولها؟!".

 

وعن دور النخبة السياسية والثقافية في هذه القضية يؤكد الحسيني أن دورها يتمثَّل في توعية الحركات الاحتجاجية الموجودة بأن الممتلكات الوطنية جزء لا يتجزَّأ من القضية الاجتماعية التي يدافعون عنها، سواء كانوا عمالاً أو موظفين أو حتى طلابًا.

 

وشدد الحسيني على أن التزاوج بين المال والسلطة في مصر أصبح قضيةً محسومةً؛ فالوزراء وأعضاء لجنة السياسات بالحزب الوطني أصحاب شركات ورجال أعمال كبار؛ يتحكَّمون في جزءٍ كبيرٍ من الاقتصاد القومي للبلاد.

 

وبرَّر السكوت الذي ينتاب المجتمع المدني عما يحدث بأن النقابات المهنية إما تحت الحراسة أو لا تُجرَى فيها انتخابات، كما أن الأحزاب المُعترَف بها لا يسمح لها بالوجود في الشارع، ومن يفكِّر في الوجود بالشارع يكون مصيره الضرب أو السجن أو الرمي في الصحراء، مشددًا على أن التحركات الشبابية تحتاج إلى تفعيل، ولكن المشكلة تكمن في سيطرة اليأس في التغيير والإصلاح على الشباب؛ مما يجعلهم يُؤْثرون عدم المشاركة.