أساس النهب: التحول لاقتصاد السوق

منذ أواخر القرن الماضي والعالم كله يسير بقوةٍ وإصرارٍ وتخطيطٍ في عملية التغيير نحو حياةٍ أفضل فتحت وطأة تسونامي حركة إعادة البنَّاءة أو "البيروستوريكا" التي طبَّقها جورباتشوف تفكك الاتحاد السوفيتي السابق، وأخذت دول أوروبا الشرقية جميعًا باقتصاديات السوق واحترام الملكية الخاصة وتشجيع القطاع الخاص كطريقٍ رئيسي، إن لم يكن وحيدًا، لتحقيق هذه الحياة.

 

وبالدرجة الزلزالية نفسها قادت "تاتشر" و"ريجان" حركة التحول إلى القطاع الخاص أو "البريفتيزيشن" من أجل التغيير نحو الأفضل، وانتشرت الحركة لتشمل بجانب المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية بقيةَ دول أوروبا الغربية وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية مُركِّزةً على برجماتية مواجهة المشكلات، مؤكدةً رفع كفاءة الأداء من خلال قوى السوق والحافز الفردي، متجهةً نحو الفطرة الإنسانية "ذرائعيًّا" في محاولة وضعية لتحقيق هذه الغاية ثم تُوجِّت هذه الحركة وبلغت مداها بإعلان واشنطن، والذي روَّج لاقتصاديات السوق، وأكد القطاع الخاص، وشدد على التحرر من القيود أو "التريريجيوليشن".

 

وانتهت هذه العملية في آخر حلقاتها قبل انتكاستها الكبرى من خلال الأزمة المالية العالمية التي نعيشها الآن بالليبرالية الجديدة التي تزَّعمت تطبيقها الولايات المتحدة الأمريكية من خلال عملية العولمة الاقتصادية وثالوثها المؤسسي: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية؛ بهدف تكريس قيم الغرب وتنميط الحياة الاقتصادية في العالم وفقًا لها لتحقيق غاية نهائية تتمثل في إحكام السيطرةِ على دول العالم، وبالذات الثالث منه لمزيدٍ من الهيمنة والنهب لثروات شعوبه ولضمان مزيدٍ من ارتفاع معيشة شعبها، ولو على حسابِ بقية دول العالم بعامة والدول الفقيرة منها بخاصة، والتي يُمثل سكانها أكثر من 80% من سكان العالم، وتم ذلك بإصرار وتربص ليس فقط من خلال الغزو الاقتصادي باسم (تحرير التجارة)، وإنما أيضًا باستخدام القوة العسكرية الغاشمة والمثال الصارخ والفاضح هو العراق وأفغانستان.

 

ومع ذلك، ومن حيث المبدأ نحن مع حركة التحول "المنضبط" للقطاع الخاص، والتي تُسمَّى وفقًا لصحيح اللغة بـ"الاستخصاص"، ووفقًا للاستخدام الشائع بالتخصيصية أو الخصخصة؛ لأنها تتسق إسلاميًّا مع الفطرةِ السلمية ونزعة الإنسان للتملك، وتتوافق تمامًا مع أسس النظام الاقتصادي الإسلامي ونظرته إلى الملكية على أنها ملكية متعددة، تبدأ بالملكية العامة لمشروعات المنافع العامة، فالناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار، ثم ملكية الدولة؛ أي القطاع العام وتشمل الهياكل الأساسية والمشروعات الإستراتيجية والاحتكارات الطبيعية والمشروعات التي لا يقدر- مرحليًّا- على القيام بها القطاع الخاص استنادًا إلى فرض الكفاية، ثم لملكية الخاصة، وهي جوهر نظام الملكية في الإسلام شرطَ قيامها بوظيفتها الاجتماعية، أي العمل على تثمير المال وإنمائه خلال الزمن، وأداء حقوق الله تعالى والمجتمع فيه من صدقاتٍ مفروضة (الزكاة وصدقات تطوعية).

 

فأين نحن من هذا التغيير الحادث وأسس نظام الملكية في الإسلام؟ قبل الإجابة على هذا السؤال المحوري يتعيَّن الإشارة إلى الشروط الرئيسة لعملية الخصخصة كعملية ضرورية للنهوض الاقتصادي والاجتماعي.

 

الشرط الأول: ترتيب الوحدات الإنتاجية بحيث تخصخص الوحدات الخاسرة فالمخسَّرة فالتي تغطي تكاليفها فالرابحة فالأكثر ربحية، وترتيبها من حيث تخصيص الوحدات الاستهلاكية ثم المنتجة لسلع إنتاجية أو وسيطة ثم المنتجة لسلع رأسمالية، وأخيرًا ترتيبها من حيث الحجم؛ فتبدأ العملية بالوحدات الصغيرة فالمتوسطة فالكبيرة.

 

والشرط الثاني: أن تُقيَّم الوحدات المرشَّحة للتخصيص تقييمًا دقيقًا وعادلاً بسعر السوق لا بقيمتها التاريخية أو الدفترية.

 

والشرط الثالث: ووفقًا لغاية عملية الخصخصة أن تباع الوحدات للقطاع الخاص الوطني بالأساس.

 

والشرط الرابع: أن تنفق حصيلة البيع إنفاقًا استثماريًّا لا استهلاكيًّا، أي تنفق في توسيع الطاقات الإنتاجية القائمة وتحديثها وإنشاء مشروعات إنتاجية جديدة.

 

والإجابة إذن على السؤال السابق نقول إنه لا خلاف حول حقيقة أن القطاع العام المصري قد تضخم فجأةً بالمسئوليات الإنتاجية من خلال التمصير والتأميم، بالإضافة إلى الاستثمارات الجديدة، ورغم الدور المهم الذي قام به هذا القطاع في التاريخ الاقتصادي المصري الحديث، خاصةً في فترة الحصار الاقتصادي وحرب الاستنزاف، ثم حرب 1973م ورغم ما حققه ويحققه من إنجازات من حيث كونه منتجًا لمئات إن لم يكن آلاف السلع والخدمات أساسًا بأسعار اجتماعية، ومخفضًا من حدة مشكلة البطالة، ومساعدًا على الحد من التضخم السعري؛ فقد أدى التوظيف الإجباري والتسعير غير الاقتصادي ومشكلات الإدارة والتمويل والاستثمار والتسويق والتحديث والتجارة الخارجية... إلخ إلى فشل تجربة هذا القطاع.

 

فبسبب طبيعة المشروع العام واستمالة إدارة المشروعات ذات الصبغة التجارية الخاصة بمنطق الموظفين العموميين، كان قطاع الأعمال العام ليس في مصر وحدها وإنما في جميع دول العالم منتجًا رديئًا وتاجرًا أشد رداءةً، ولقد أسهمت الإدارة السيئة والبيروقراطية المعوِّقة وسياسات الإصلاح المالي المتشددة، والسياسات الاقتصادية- النقدية والمالية والتجارية- المضطربة والمتضاربة، والتدخلات السياسية الخاطئة والمتزايدة، ومناورات المفسدين المستفيدين من بقاء الوضع الراهن في زيادة درجة الفشل بصورة رهيبة وفداحة عملية التخسير بصورة مخيفة في التجربة المصرية.

 

ولا شك أن المخرج من أزمة الاقتصاد المصري التي وصلت إلى حد ليس الكساد وإنما الكارثة، ومأزق القطاع العام الذي وصل إلى حد ليس التبديد الواضح للأصول الرأسمالية وإنما إدارتها باستهتار فجٍّ للأغراض الخاصة؛ هو ببساطة كما حدث في تجارب أخرى مماثلة، كان ولا يزال هو في التحول إلى القطاع الخاص أو الخصخصة، وبدون التشكيك في وطنية أو ذمة أحد من أبناء هذا الوطن أو الشك في إخلاصه الصادق لقضاياه، وبعيدًا عن التحليل الأيديولوجي أو التفسير التآمري لا يوجد عاقل متخصص أو غير متخصص يرفض ضرورة وجوب عملية الخصخصة، ولكن بحقها أو بشروطها.

 

ما تم في مصر هو عكس أبجديات وأهداف هذه العملية تمامًا، ومخالفٌ بدقة وإصرار بل تربص لكل شروطها وغاياتها؛ مما أدى إلى تبديد واضح وفادح لأصولٍ تكوَّنت بجهد وعرق بل دم أبناء هذا الوطن.

 

مرحلة النهب الأولى: المستثمر الرئيسي

إذن لا خلافَ حول مبدأ التخصيص، ولكن أساس الخلاف وكل الاختلاف يتمثَّلان في مدى دقة وشمول البيانات حول حجم القطاع العام وعدد وحداته وقيمة أصوله؛ فمثلاً بالنسبة لقيمة الأصول نجد كثيرًا من التضارب والغموض في الأرقام التي يعلنها متخذو القرار؛ فهل القيمة 94 بليون جنيه كما قدَّرتها وزارة قطاع الأعمال قبل أن يتغيَّر اسمها إلى وزارة الاستثمار؟ أم القيمة 345 بليون جنيه كما تشير إحدى التقديرات الحكومية؟ أم القيمة 550 بليون جنيه كما قدَّرها بنك الاستثمار القومي؟ وهل القيمة فعلاً بالجنيه أم بالدولار؟ وعلى أي أساس حسبت؟ هل حُسبت وفقًا للقيمة السوقية أم القيمة الدفترية؟ وكيف تتم عملية الخصخصة أو بمعنى آخر: ما الأسس والمعايير المستخدمة في اختيار الوحدات المرشحة للبيع؟ أو بمعنى أصح للتخصيص؟ هل تُعطى أولويةٌ الوحدات المتعثرة أو الخاسرة أم الوحدات التي تحقِّق أرباحًا؟ وما هي المبررات؟ ومن يحق له أن يشتريَ هذه الوحدات؟ هل المصريون فقط؟ أم المصريون والأجانب؟ أم الأجانب فقط؟ ولماذا؟ علمًا بأن أصول القطاع العام دستوريًّا ملك للشعب المصري، ومن ثم يتعين حصر عملية التخصيص في المصريين والمصريين فقط، وهذا هو جوهر هذه العملية، أي دعم القطاع الخاص الوطني.

 

فلدينا نحن المصريين أموال تكفي تغطية الثمن العادل لكل المشروعات المطروحة للبيع، والدليل على ذلك ما أثبتته ظاهرة شركات توظيف الأموال من ناحية وأموال المصريين المودعة في الخارج، والتي تقدَّر بنحو 300 بليون دولار من ناحية أخرى، والاكتتاب الأخير في المصرية للاتصالات، والذي قُدَّر بنحو 30 بليون جنيه من ناحية ثالثة.. كل هذا يشير إلى وجود مدخرات وطنية تُقدَّر بالبلايين تبحث عن استثمار حقيقي وآمن.

 

أما تشجيع الاستثمار الأجنبي فالهدف منه اقتصاديًّا وإنمائيًّا هو الإضافة إلى الأصول الرأسمالية القائمة بشروطنا ووفقًا لأولويتنا الإنمائية، وليس بالقطع مجرد تحويل جزء منها ليتملكه الأجانب؛ لذلك يتعين أن يقتصر الاستثمار الأجنبي على الاستثمارات الجديدة وبضوابط واضحة تحمي الاقتصاد المصري من سيطرة رأس المال الأجنبي.

 

ثم ما ضمانات استمرار النشاط والعمالة والتحديث بعد البيع؟ وأيضًا ما الحصيلة الحقيقية لعملية الخصخصة حتى الآن؟ لا أحدَ يعرف حقيقة هذه الحصيلة على وجه اليقين والتحديد، وهذا هو عين الإفصاح الذي يتغنى به المشرفون على هذه العملية منذ بدايتها، وحتى الآن إنه مثالٌ شديد الوضوح للشفافية التي يصرون عليها، وهنا تكمن شبهة الفساد والإفساد.

 

فالرقم الشائع عن هذه الحصيلة حتى الآن هو نحو 37 بليون جنيه قيمة بيع مشروعات، ونصيب الدولة في مشروعات عددها 202 أي أكثر من تقرير نصف حجم القطاع العام.

 

والرقم الرسمي الأخير، والذي جاء بآخر تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات عن هذه الحصيلة هو نحو 50 بليون جنيه.

 

فإذا كانت قيمة وحدات القطاع العام تُقدَّر بنحو 550 بليون جنيه وبيع أكثر من نصفها ولنقل النصف فإن قيمةَ الحصيلة يفترض أن تصل إلى نحو 275 بليون جنيه، ومن ثَمَّ فحصيلة البيع الفعلي أخذًا في الاعتبار أعلى تقديرٍ لها، وهو تقدير الجهاز المركزي للمحاسبات لا تزيد عن 19.5% من القيمة المقدرة.. فأين ذهب الفرق بين 275 و50 بليون جنيه؟!

 

هذا بالقطع يُطلق عليه أي شيءٍ آخر ولا يمكن أن يُسمَّى بيعًا، ناهيك عن الإفصاح والشفافية النزاهة والأمانة.

 

والسؤال التالي هو: كيف تم التصرف في هذه الحصيلة الضئيلة المعلنة؟ لا أحد يدري على وجهِ اليقين، لكن المؤكد من التصريحات الرسمية أن جزءًا من هذه الحصيلة استُخدم في تسديد الديون التي على الشركات المبيعة وجزءًا آخر استخدم في إعادة هيكلة الشركات الخاسرة التي سيتم بيعها، وجزءًا ثالثًا صُرف لعمال الشركات المبيعة وفقًا لنظام المعاش المبكر، والجزء الرابع والأكبر استُخدم في تغطيةِ عجز الموازنة العامة للدولة، ويُصرِّح متخذو القرار بأن هذا النمط لاستخدام هذه الحصيلة يعد أسلوبًا رشيدًا؛ لأن البديل لتمويل هذا الأوجه من الإنفاق هو الاقتراض وفرض الضرائب وطبع البنكنوت.

 

وهذا في نظرهم يُمثل إفلاسًا وانهيارًا اقتصاديًّا، ورغم الوجاهة السطحية لهذا النظر إلا أنه بالقطع حقٌّ يُراد به كل الباطل، فالعكس تمامًا هو الصحيح.

 

فالإفلاس الحقيقي والانهيار الخطير هو هذا النمط من الاستخدام فبدلاً من استخدام هذه الموارد في استثمارات جديدة تُهدر في تمويل مزيدٍ من الاستهلاك وبدلاً من تحسين إدارة الأصول العامة وبدلاً من رفع كفاءة إدارة جانبي موازنة الدولة الإيرادات والنفقات نُغرق الاقتصاد في تبديد الأصول ومشكلة البطالة والإنفاق الاستهلاكي.

 

فالمعاش المبكر لآلاف العاملين يعني مزيدًا من تفاقم مشكلة البطالة، أما عجز الموازنة فيمكن معالجته من خلال ترشيد حقيقي للإنفاق العام وكفاءة أكبر للجهاز الضريبي للحدِّ من التهرب دون فرض ضرائب جديدة، وأخيرًا فإن واقع الدين العام يرخص الحجة الرسمية إذا بلغ نحو 700 بليون جنيه فإذا أضفنا إليه مديونية خارجية تُقدَّر بنحو 30 بليون دولار، فنحن نتكلم عن مستوى مديونية كلي خطير بكل المعايير.

 

ورغم وضوح القوانين واللوائح الحاكمة لعملية التحول إلى القطاع الخاص الوطني والأجنبي ورغم اللجان الفنية والقانونية ومكاتب الخبرة والاستشارات الخاصة بالتقييم من الداخل والخارج، ورغم تستيف الأوراق والتقيد التام بشكليةِ الإجراءات، ورغم التشديد الدائم على الإفصاح والشفافية استشرى الفساد والإفساد في هذه العملية؛ مما أدَّى إلى إهدار وتبديد قيمة أصول رأسمالية رئيسة في القطاع العام المصري.

 

والأمثلة على إهدار المال العام وتدمير الأصول الرأسمالية العامة وبيعها بأبخس الأسعار إلى ما يقرب بالمجان كثيرة وشائعة تُشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى صورة واضحة وفاضحة للفساد والإفساد وتدحض كل ادعاء بالإفصاحِ والشفافية، ناهيك عن النزاهةِ والأمانة إلا إذا كان هذا الإفصاح تبجحًا بإعلان الفساد وتحديًا بشفافية لا نظيرَ لها من المفسدين.

 

والمثال الأول والصارخ على هذا التدمير والتخريب هو بيع شركة المراجل البخارية لمستثمر رئيسي أو قل لناهبٍ أو سارقٍ رئيسي أمريكي كندي، وهو شركة "بابكو آند ويكلوكس"؛ حيث بيعت الشركة المصرية بمبلغ 7 ملايين دولار على أن يقوم الجانب المصري بسداد ديون الشركة والضرائب المستحقة عليها.

 

وبعد خصم هذه المستحقات وصل الثمن الصافي إلى 750 ألف دولار، بينما أرض الشركة فقط، والتي تبلغ 31 فدانًا على النيل تصل قيمتها وقت البيع نحو 115 بليون دولار.

 

هذا، بجانب تضمين الصفقة- أو قل السرقة- عقد توريد غلايات لعملية محطة كهرباء الكُريمات بمبلغ 600 بليون دولار!!.

 

والمثال الثاني الذي تشعُّ منه رائحة الفساد هو بيع شركة بيبسي كولا المصرية لمستثمر مصري وآخر سعودي، وشركة بيبسي كولا العالمية بنسب 49%، 49%، 2% على الترتيب بمبلغ 158 مليون جنيه، وهو مبلغٌ لا يتعدى ثمن الأرض فقط أو ثمن مصنعين من مصانع الشركة، ودليلنا على ذلك أن المشترين الأول والثاني باعا بعد ذلك حصةً تبلغ 77% من الشركة المصرية بيبسي كولا العالمية بمبلغ 400 مليون دولار.

 

والمثال الثالث لفساد وإفساد عملية الخصخصة يتمثل في بيع فندق "الميريديان"، والذي يقع في موقع متميزٍ على النيل مساحته 21 ألف متر مربع لمستثمر سعودي بمبلغ 75 مليون دولار، بينما ثمن الأرض فقط يبلغ وقت البيع- ولا أقول السرقة- 185 مليون دولار.

 

والقائمة طويلة وتشير تفاصيلها إلى فسادٍ يزكم الأنوف ويُدمي القلوب وإلى تبديدٍ غير مسئول لأصول رأسمالية تنتقل إلى القطاع الخاص، وبالذات الأجنبي، بثمن بخس لا يُذكر، وتشمل هذه القائمة شركات ناجحة ومهمة للاقتصاد المصري مثل شركات أسمنت أسيوط وبني سويف والإسكندرية والزجاج المسطح والأهرام للمشروبات.

 

ويستمر قطار الخصخصة بلا توقف شعاره الإفصاح والشفافية ووقوده الفساد والإفساد وقوة دفعه الصندوق والبنك الدوليان، بل السفارة الأمريكية، وتمثَّلت إحدى محطات الأخيرة في مزيدٍ من النهبِ الواضح لرأس المال المصري، وهي بيع حصة بنك الإسكندرية في البنك المصري الأمريكي لبنك كاليون الفرنسي لمشترين وزراء في الحكومة الحالية، وتم البيع كالعادة بأقل من القيمة الحقيقية بكثيرٍ أي بنسبة 57% من هذه القيمة.

 

ويمر القطار في رحلته التدميرية على محطة عمر أفندي، وهي فضيحة اقتصادية بكل المعايير؛ حيث بيع هذا الصرح الكبير الذي يشمل أكثر من 80 فرعًا شاملاً الأراضي والمخازن وأسطول السيارات بأقل من ثمن خمسة أو ستة فروع فقط، أي بنحو نصف مليار جنيه، بينما التقييم المتحفظ لأصول هذا الصرح يصل إلى ما يقرب من ثلاثة أمثال هذا المبلغ.

 

ويلي صفقة عمر أفندي صفقة- أو صفعة- بيع شركة غزل شبين الكوم لمستثمر رئيسي هندي إندونيسي بسعر ليس بخسًا فقط، وإنما شديد الرمزية، وهو 98 بليون جنيه، وهو سعر لا يساوي ثمن العمارات المملوكة للشركة، والتي تشمل ستة مصانع و842 ماكينة و24 عمارة سكنية، بالإضافةِ إلى المخازن والمباني الإدارية وغيرها من الأصول المكونة للبنية الأساسية للشركة، والتي تُقَّدر جميعًا طبقًا لأسعار السوق بنحو ثلاثة بلايين جنيه.

 

أما المثال الذي يُشكِّل قمة التدمير فهو بيع بنك الإسكندرية بعد إعادة هيكلته لمستثمرٍ أجنبي إيطالي، وهو بنك "سان باولو" فبنك الإسكندرية هو أحد الأعمدة الأربعة للنظام المصرفي المصري، فبالرغم من حرص كل الدول المتقدمة منها قبل النامية على أن يكون جل الجهاز المصرفي بها وطنيًّا على أساس أنه بمثابةِ القلب من الجسد بالنسبة للاقتصاد الوطني، وبالرغم من تأكيد القيادة السياسية ليلَ نهارَ أنه لا مساس بالوحدات العامة في الجهاز المصرفي، أي البنك الأهلي وبنك مصر وبنك الإسكندرية وبنك القاهرة، أُعيد هيكلة بنك الإسكندرية بنحو 4 بلايين جنيه نصفها تقريبًا كانت ديونًا على أحد أقطاب النظام ليباع للمستثمر الإيطالي بنحو 7 بلايين جنيه.

 

فمتى يتوقف قطار النهب المُنظَّم والخراب المستعجل للاقتصاد المصري؟ أم أنه سيواصل المسير بإصرار بعد مفاجأةِ الخصخصة الجماعية أو زلزال الخصخصة بالكوبونات أو الصكوك لما تبقَّى من شركات القطاع العام، وهي 153 شركةً جملة واحدة؟ وهل النية مبيتة بعد أن استولى أقطاب النظام على جُلِّ أراضي البناء في مصر بلا ثمن يُذكر، واحتكروا كل شيء في السياسة والاقتصاد على تصفيةٍ تامةٍ للقطاع العام؟ وهل سيمتد سير هذا القطار اللعين إلى الصحةِ والتعليم والنقل والمواصلات والموانئ والمطارات والطرق السريعة إلى أن يصل إلى مصر للطيران وقناة السويس، بل الأهرامات والنيل؟

أسئلة خطيرة سوف نمسها في الحلقة الثالثة والأخيرة من هذه المقالات.

 

مرحلة النهب الأخيرة.. الصكوك

وأخيرًا نفاجأ جميعًا- متخصصين وغير متخصصين، رسميين وغير رسميين، موالاةً أو حزبًا وطنيًّا، معارضةً بل وزراء في الحكومة الحالية وحكومات الحزب السابقة- بإعلان السيد أمين أمانة السياسات ووزير الاستثمار بعض تفاصيل الحلقة الأخيرة من عملية الخصخصة تحت مسمَّى تحسين إدارة الأصول العامة المملوكة للدولة في مؤتمر صحفي عُقد خصيصًا لهذا الغرض.

 

هذه الحلقة الأخيرة هي الخصخصة بالكوبونات أو الصكوك، وهي خصخصة كل ما تبقَّى من شركات القطاع العام، وهي- كما أعلن- 153 شركة دفعة واحدة بهدف توسيع قاعدة الملكية الشعبية ورفع كفاءة أداء هذه الشركات، وتحقيق عدالة التوزيع بين المواطنين المصريين مع شفافية الإجراءات.

 

وتتلخص الأفكار- التي طُرحَت شفاهةً والتي ظلت قيد الدراسة والبحث والتمحيص ما يقرب من ثلاث سنوات في سرية تامة لا يعلم عنها أحد- في تقسيم الشركات إلى قسمين: القسم الأول يشمل 67 شركة خاسرة أو مُخسَّرة أو وصل فيها نصيب القطاع الخاص حدَّه الأقصى دون تحديد هذا الحد الأقصى، وهذه الشركات خارج المشروع المطروح، والقسم الثاني يشمل 86 شركة، وهو موضوع المشروع أي التخصيص بالصكوك.

 

وينقسم بدوره إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى تشمل شركات تحتفظ الدولة فيها بحصص حاكمة لا تقل عن 67%، وهي شركات الدواء والحديد والألومنيوم والأسمنت والأسمدة والسكر وغيرها من الشركات ذات الأهمية والطبيعة الخاصة من الناحية الاقتصادية.

 

والمجموعة الثانية تشمل شركات تحتفظ الدولة بحصص أغلبية لا تقل عن 51%، مثل بعض الشركات العاملة في الصناعات التحويلية، وشركات النقل والسياحة.

 

والمجموعة الثالثة تشمل شركات تحتفظ فيها الدولة بحصص أقلية بحدٍّ أدنى 30% وتشمل شركات التوزيع والخدمات التمويلية وغيرها.

 

ويتم تنفيذ المشروع من خلال شركة قابضة جديدة؛ مهمتها تقييم هذه الأجزاء المخصخصة، ثم تحويل هذه القيمة إلى صكوك توزَّع بالتساوي على كل مصري بلغ من العمر21 عامًا أو يزيد مجانًا، وبعد التوزيع تنتهي مهمة هذه الشركة، وقيل لنا إن نصيب الفرد سيكون في حدود 2000 جنيه، ثم انخفض الرقم إلى 700 ثم إلى 500 ليستقر عند 400 جنيه نصيب كل مصري بلغ 21 سنة فما فوق في هذه الشركات، كما قيل إن المستفيدين من هذه الصكوك هم 41 مليونًا، وللمواطن المستفيد الحق في الاحتفاظ بهذه الصكوك أو استثمارها من خلال صندوق استثمار أو بيعها في سوق الأوراق المالية البورصة، قيل فورًا ثم قيل بعد فترة لا تقل عن سنة من استلامه إياها أو التبرع بها لإحدى الجهات التي يختارها.

 

ولضمان العدالة بين أبناء هذا الجيل والأجيال القادمة تضمَّن المشروع الصندوق المصري للأجيال القادمة، والذي سيُموَّل بتخصيص نسب 3%-10%-20% من قيم أنصبة المواطنين في المجموعات الثلاث من الشركات على الترتيب، كما يُموَّل من الصكوك التي لم يحصل عليها مستحقوها بعد سنة من إصدارها، وكذلك من يتبرع بصكه للصندوق، وأخيرًا تضمَّن المشروع إنشاء جهاز لإدارة الأصول موضع التخصيص وفقًا لاعتبارات الكفاءة الاقتصادية والإدارة الجيدة المتطورة التي تعمل على تأكيد قدرة الشركات على المنافسة كليًّا وعالميًّا.

 

هكذا قيل لنا بين المروِّجين للمشروع، وعليه سوف يمكِّن المشروع- في نظرهم- من مشاركة المواطنين بصورة مباشرة والتمتع بثمارها الاقتصادية دون هضمٍ لحقوق من هم أقل من 21 سنة والأجيال القادمة.

 

هذا هو ما وصلنا من أفكار بخصوص هذا المشروع في ظل ما يمتِّعنا به النظام من إفصاح وشفافية لا نظير لها، وبدايةً.. هذا المشروع مرفوض من حيث المبدأ؛ لأنه يمثل حالة صارخة من محاولة الدولة أن تملِّكني جزءًا ضئيلاً للغاية أنا أملكه فعلاً بنص القانون والدستور، وتهدف في النهاية بسبب ارتفاع نسبة الفقر والبطالة والأسعار إلى وصول هذه الأصول إلى أيدي المحتكرين؛ حيث سيضطر أغلب الحائزين على هذه الصكوك إلى بيعها تحت ضغط الحاجة لهؤلاء المحتكرين من خلال سماسرة يجوبون القرى والنجوع والأحياء والطرقات، وليس من خلال البورصة التي لا يسمعون عنها أصلاً، والأخطر من ذلك أن تقع هذه الصكوك في أيدي المغامرين الأجانب فيقع الاقتصاد المصري فريسة الاحتكار من ناحية وسيطرة الأجانب من ناحية أخرى.

 

ثم ما قيمة هذه الأصول؟ وما نسبتها من مجمل أصول القطاع العام؟ لم يقل لنا أحد ما هذه القيمة وكيف تم التوصل إليها؟ كما أن عدد الشركات موضع هذا المشروع لا تزيد عن ربع شركات قطاع الأعمال العام.

 

فإذا ما استبعدنا نصيب الدولة في المجموعات الثلاث إذن نحن نتكلم عن "ثُمْن أو حتى عُشْر" الأصول الكلية لهذا القطاع، فهل الشعب يملك فقط هذه النسبة الضئيلة؟ وأين ذهبت بقية هذه الأصول؟ وأين توسيع الملكية الشعبية في كل هذا؟ هل نصيب المواطن المصري فيما يُفترض أن يملكه من الأصول العامة 400 جنيه فقط؟ أم أن النظام يريد أن يستخدم الشعب كمحلِّلٍ لمزيدٍ من تركيز الثروة في أيدي قلة من المحتكرين ولمزيدٍ من التصرف غير المسئول في بقية أصول مصر لتقع في أيدي مغامرين أجانب؟

 

يعلم الجميع أن هذا النوع من الخصخصة طُبِّق فعلاً في أوروبا الشرقية، وتحديدًا في روسيا والتشيك والمجر، وشمل معظم أصول القطاع العام، ووُزِّعت الكوبونات على كل أفراد الشعب صغيره وكبيره، وكانت النتائج كارثية والمحصلة الفشل الذريع بشهادة صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية؛ إذ وقعت هذه الأصول على عكس غاية البرنامج في أيدي مافيا محتكرة في أقل من عامين.

 

وفي التجربة الروسية استغرقت عملية استخلاص الشركات الرئيسية في الطاقة والتموين والصناعات التحويلية من أيدي هؤلاء المحتكرين من بوتين ثماني سنوات، وعندما فكر وزير الخصخصة الأول في التجربة المصرية تطبيق هذا البرنامج نصحه الروس بالابتعاد تمامًا عنه، فلماذا لا نتعلَّم من تجارب الآخرين؟! لماذا لا نعيد النظر في النهب المنظَّم لأصول مصر بدلاً من الاستمرار في هذا الاتجاه وننقذ بعض الشركات الأساسية والتي بيعت بأبخس الأسعار كما فعل بوتين؟!

 

ثم هناك العديد من النقاط شديدة الغموض والعديد من التساؤلات المبررة حول هذا المشروع؛ لعل من أهمها: ما قيمة الأصول موضع الصكوك؟ وعلى أي أساسٍ حُسبت؟ ما الشركات تحديدًا في كل مجموعةٍ من المجموعات الثلاث؟ كيف يتسنَّى للمواطن أن يشارك في الإدارة والإشراف والمراقبة؟ ممن يتشكل جهاز إدارة الأصول؟ وإذا كان لدينا مَن يدير بكفاءة عالية- ونحن فعلاً لدينا كثرة من هؤلاء- فلماذا لا نفصل الإدارة عن الملكية وتبقى الشركات مملوكةً للدولة إلى أن تخصخص بحقها وتنفق عوائدها في تحسين الخدمات العامة المتردية من صحةٍ وتعليمٍ ومواصلاتٍ ودعمٍ للسلع الأساسية.... إلخ؟

 

هل فكر واضعو المشروع في المخالفات الدستورية الجسيمة بالنسبة لمن لم يصل إلى سن 21 سنة عند التطبيق ولنصيب الأجيال القادمة؟ ما الموارد المحددة لصندوق الأجيال القادمة؟ هل يتصور واضعو المشروع أن المواطن سيحتفظ بالصك ليحصل على عائده السنوي الذي لن يتجاوز أربعين جنيهًا إذا اقترضنا إدارة رشيدة تحقق عائدًا 10% سنويًّا أي نحو ثلاثة جنيهات شهريًّا؟ ثم أين العدالة في مساواة الفقير المعدم بالملياردير المحتكر فيما يحصل عليه من صك؟

 

وعشرات الأسئلة الأخرى التي تبحث عن إجابة؛ منها: أليس من الأجدى أن تحافظ الدولة على الأراضي المصرية ولا تبيعها بأبخس الأثمان للمحتكرين والمغامرين الجدد والأجانب؟! أليس من الأجدى أن تنظر الدولة إلى موارد الشعب القابلة للنضوب، كالغاز، ولا تبيعه لأعدائنا بأسعار الفرق بينها وبين السعر العالمي يعادل أضعاف أضعاف مشروع الصكوك؟! أليس من الأجدى أن تقوم الدولة بتحصيل متأخرات كبار المحتكرين للبنوك والضرائب، والتي تصل إلى المليارات؟! أليس من الأجدى أن توجِّه الدولة اهتمامها لكي يصل الدعم إلى مستحقيه وليس إلى مستغليه؟!

 

هذه الأسئلة وغيرها تؤكد إيماننا بأن الدولة لها دور رئيسي في إدارة الاقتصاد والمجتمع في ظل اقتصاديات السوق، بل إن أعتى النظم الرأسمالية في ظل الأزمة المالية العالمية اضطرت إلى الأخذ بالدولة "المتدخلة"، ولعل النظام الإسلامي في الملكية المتعددة- كما حددناه سابقًا- خير مرشد في ذلك.

 

وفي النهاية إنني أشفق على تلميذي النجيب أ. د. محمود محيي الدين ومعاونيه؛ إذ يتحمَّلون مسئوليةً ليسوا هم سببها؛ فنحن نعيش دولة مؤسسات من نوع خاص؛ فمؤسستنا هي مؤسسة الرئاسة، أو قل إن شئت الفرد الرئيس، وما عداه يمثل سكرتارية فنية من الظلم أن نحمِّلهم المسئولية.

 

كما أشدد على حقيقة أن هذا الحوار المجتمعي سيكون مآله في النهاية كالحوار المجتمعي حول التعديلات الدستورية وحالة الطوارئ، أي إلى لا شيء.. سيُنفَّذ القدر الرئاسي حرفيًّا!، وعليه أقترح أن يُعدَّل اسم المشروع من "برنامج تحسين إدارة الأصول العامة المملوكة للدولة" إلى "برنامج تحسين إدارة نهب الأصول العامة المملوكة للدولة".

ولله تعالى الأمر من قبل ومن بعد.

-----------

* أستاذ علم الاقتصاد بجامعة القاهرة