لقد تابعت مثل غيري الانتخابات الأمريكية الأخيرة والتي حظيت باهتمام الجميع كما لم تحظَ انتخابات رئاسية من قبل؛ وذلك لما كان بها من نوعية جديدة في التنافس، فالمسألة هذه المرة لم تكن ذلك الصراع التقليدي بين الحزبين الكبيرين (الجمهوري والديمقراطي)، والذي ينتهي بفوز أحدهما ليتداول معه الآخر السلطة في المرة القادمة وهكذا الحال, رغم وجود 49 حزبًا بأمريكا لا يكاد يعرفها الكثيرون من الأمريكيين، فضلاً عن غيرهم.

 

لكن الجديد هو أن يكون المرشح للرئاسة الأمريكية رجلاً أسودَ، ومن أسرة فقيرة، وغير مدعوم من مراكز القوى التقليدية, ولقد كان اختيارًا صعبًا لأمريكا والأمريكيين؛ فغالبة الأمريكيين- حسب زعمي وما رأيته منهم- إلى قرب نهاية هذه الانتخابات كانوا لا يتصوَّرون رئيس أمريكا رجلاً أسود؛ ليس بالضرورة عداءً لهذا اللون أو الجنس في مقابل الآخر، وإنما جرت العادة على أن يكون في البيت الأبيض رجل أبيض، فاستقر في الأذهان ذلك وصعب على النفس تغييره, فأقصى ما كان يتصوره الأمريكي الأبيض هو نصرة السود؛ من خلال الوقوف معهم لنيل حقوقهم الاجتماعية والمالية من حيث المأكل والمشرب والملبس والعمل المناسب والمسكن الملائم والحق في التعليم.

 

أما أن يصبح ذلك الأسود سيد البيت الأبيض فهذا ما لم تتصوره العقلية الأمريكية، لكنه تحقق، ومعه تاقت نفوس كل الحالمين لتحقيق أحلامهم حتى غدا "أوباما" عند الكثيرين مخلص البشرية من عذاباتها وآلامها, وليتهم إذ حلموا بذلك وضعوا في حلمهم "أوباما" منهم, يجري على يديه ما جرى على يد "أوباما" الأمريكي من تغيير، ولكن المشكلة أن أغلب الحالمين ظنوا أن مجرد صعود "أوباما" إلى حكم أمريكا هو تحقيق لحلم الجميع، وأنه سوف يعطي كل ذي حقٍّ حقَّه، وسوف يجود على كل من يريد بما يريد.. سوف يحل الأزمات الاقتصادية في البلاد الفقيرة.. سوف يخلص الشعوب المقهورة من ظلم أنظمتها المستبدَّة.. سوف يحل كل القضايا العالقة، سواء السياسية أو الإجتماعية أو أيًّا كان نوعها، فقط سوف يشير السيد "أوباما" بعصاه السحرية في ثوانٍ معدودة فتحل الأمور؛ حتى أصبح "أوباما" هو "السوبر مان" الأمريكي الذي يساعد الكوكب, كل الكوكب, في تحقيق كل ما يريد.

 

ولكن.. إذا كانت الشعوب المستضعفة في مشارق الأرض ومغاربها، وخاصةً تلك التي تعاني تحت وطأة ونير الاستبداد والاستعباد من أنظمة عسكرية أو بوليسية مستبدة, تظن أن السيد "أوباما" سيحقق لها الأمن والرخاء والحرية والديمقراطية؛ فإن ذلك لا يعدو أن يكون حلمًا (وليس ذلك طعنًا في الرجل فإن تاريخه وعرضه لنفسه في حملته الإنتخابية يجعلنا نتريَّث في الحكم على الرجل، بل ونستبشر بإمكانية التغيير والتحول في المسار الأمريكي تجاه العالم).

 

ولكن لأن الرجل مثقل بتركة كبيرة من الأزمات الداخلية- سواءٌ الاقتصادية أو الاجتماعية- ولأنه مهما كان لديه من الأفكار و"الأيديولجيات"؛ فإنه لا يتعدى أن يكون رجلاً ينتمي لحزبٍ لديه مبادئه وأفكاره وخطوطه الحمر، إضافةً إلى أنه يسير ضمن الخط الأمريكي العام، كما أن له مجموعةً من القيم والمبادئ والمُثُل، كذلك له مجموعة من التصورات الدولية والمصالح القطرية والقيم المغايرة لغيره من الأمم، والمصالح الأمريكية التي على رجل البيت الأبيض- أيًّا كان توجُّهه- أن يسعى إلى تحقيقها أداءً لأمانة المسئولية تجاه من انتخبه من الأمريكيين.

 

ولذا فإن العيب ليس في شعوبٍ تحلم في التغيير إلى الأفضل, ولكن العيب كل العيب أن نتصور أن هذا التغيير سوف يقدَّم لنا على طبق أمريكي يأتي به السيد "أوباما" دون نضال وكفاح وجهاد من أجل هذا التغيير، والذي لن يتحقق على أرض واقعنا حيًّا وملموسًا إلا إذا بدأ من دواخلنا ونفوسنا ليترجم بعد ذلك من خلال التصميم والمثابرة والجهاد إلى واقعٍ عملي يجني ثماره المناضلون والباذلون من أجله لا التنابلة والكسالى، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).

 

فليكن ما يحدث من حولنا من تغيير سببًا في مراجعة أنفسنا لدفعها إلى التغيير إلى الأفضل، فلقد ثارت الشعوب على مألوفاتها وعاداتها وتقاليدها وموروثاتها (السلبية طبعًا)، وضحت من أجل ذلك لعقودٍ؛ حتى نالت ما أرادت على مستوى الأفراد أو المجتمعات أو الأمم، سواءٌ كان التغيير على المستوى الديني أو الدنيوي؛ فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت, والعاجز من أتبع  نفسه هواها وتمنى على الله الأمانيَ.. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).

--------

* العضو المؤسس للتجمع الأوروبي للأئمة والمرشدين.