"من أصبح وهمه الآخرة جمع الله عليه شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة".. لن تجد أبلغ من كلمات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تلك في وصف د. سناء أبو زيد الذي كان حقًّا رجلاً همه الآخرة، نحسبه كذلك والله وليه وحسيبه..

 

سنة مرت منذ رحل عنا بجسده مخلفًا فينا روحه وجهاده وسنته نبراسًا يضيء الطريق للتائهين ويولد العزم في الغافلين..

 

ولد د. سناء عبد الله أبو زيد يوم 9 نوفمبر عام 1951 في قرية كفر النعمان بميت غمر الدقهلية، وكان من المتفوقين في الدراسة حتى تخرج بتقدير جيد جدًّا مع مرتبة الشرف في كلية طب وجراحة قصر العيني عام 1976م، قبل أن يحصل على ماجستير طب الأطفال من أبو الريش بجامعة القاهرة عام 1981م.

 

تزوج في سنة الامتياز الدكتورة سميحة خليل حسن عليها رحمة الله ورزق منها بـ6 من الأبناء، وبعد وفاتها تزوج السيدة نادية فاروق ورزق منها بـ3 أبناء وله من الأحفاد ثمانية أما عن أخوته فله رحمه الله اثنان من البنين وأربع إناث وهو أوسطهم.

 

الوظيفة: داعية إسلامي

الدعوة إلى الله كانت مهنته الأولى التي احترفها بداية حياته، وانشغل بأعبائها ومهامها التي لم يعرف الكثير معظمها لحرصه على سترها وإخفائها، الأمر الذي دفعه للاستقالة من عمله بوزارة الصحة والاكتفاء بعيادة خاصة للأطفال حتى لا يتقدم يومًا عمله على واجبات دعوته.

 

وكان من أوائل الأطباء العاملين بالجمعية الطبية الإسلامية وأحد مؤسسي فرعي السيدة زينب والطالبية، وعمل متطوعًا في التسعينيات مدرسًا لمادة الـscience بمدرسة الطلائع الإسلامية للغات للصف الأول الإعدادية حين علم بحاجة المدرسة لمدرسين.

 

وعمل مؤخرًا مديرًا للجنة الاجتماعية بإدارة الجمعية الطبية، كما عمل مستشارًا تربويًّا في شركة سفير للدعاية والإعلان فقد كان مؤلفًا بارعًا للقصص والأناشيد للشركة ولغيرها.

 

أول القصيدة مسجد

﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (القصص: من الآية 68)، فالله قد حفظه وهداه وأرشده للخير منذ نعومة أظافره، هكذا تحكي عنه أخته الكبرى فاطمة، وتقول كان شغوفًا متلهفًا للصلاة في المسجد من صغره، فكان يرقب المصلين من الخارج ليراهم جميعًا كبارًا وشيوخًا فيبكي ويبكي لعجزه أن يكون في سنهم ويصلي معهم بالمسجد، حيث كانت العادات وقتها منع الصغار من الدخول لكثرة عبثهم وعلو صوتهم، حتى ذلك اليوم الذي استأذن فيه للصلاة من إمام المسجد فإذن له ففرح فرحًا شديدًا وتعهد المسجد منذ ذلك الحين فما ترك الصلاة به وكان يدعو الناس إليه، وفي طفولته حين رأي والده لا يقوم لصلاة الفجر تعلل وطلب منه الخروج معه بحجة أنه يخاف الكلاب في الطريق ونظرًا لمكانته عند والده نفذ له رغبته وصار يرافقه لصلاة الفجر في المسجد فكان داعيًا إلى الله صغيرًا قبل التكليف.

 

وتكمل السيدة فاطمة كان محبوبًا بشدة من الجميع من قابله ومن سمع به، وفي مقدمتهم أهله وأخوته وقبلهم أمه وأبيه فقد كان شديد البر بهما وصالاً لرحمه متأدبًا مهذبًا مع جيرانه وأصحابه والمدرسين الذين كانوا يحتفون به حفاوةً بالغةً حتى كان أحدهم وهو بالصف الثالث الابتدائي يلبسه الجاكيت والطربوش ويجلسه أمام التلاميذ ويقول هذا معلمكم.

 

كان يهوى القراءة والتعلم ويفضلهما عن اللعب ما ساهم في تفوقه فكان أول محافظة الدقهلية في الإعدادية ما سمح له بدخول مدرسة المتفوقين الثانوية الداخلية بعين شمس والتي كانت تجمع بين أوائل القطر كله.

 

وتصف قائلة: كان شديد التواضع وأذكر أنه فور عودته من المدرسة كان يذهب ببدلته إلى والده في الحقل فيحمل عنه ويجيب طلباته، فما قال لوالديه لا قط ولو كان فوق استطاعته، كان يشتري أغلى الأصناف من الفواكه والأطعمة ويذهب ليطعم والديه في فمهما وهو فرحًا مسرورًا فتنطلق من قلبيهما أخلص وأجمل الدعوات له، وكان يتمنى أن تطلب منه أمه أي طلب ويقول لأبنائه اللي يقولي إن أمي محتاجة أي شيء له عندي جائزة، ويفتش جيوب أمه ليطمئن على أنه لا ينقصها شيء من مال أو غيره وكان يتسابق على شراء حاجتها وشراء العلاج لها وإذا سبقه أحد يقول له "بتحرمني من الثواب ليه؟"، لذا أحبه أبواه حبًّا يفوق الوصف وكان يقول رحمه الله: إن مقياس التزام الفرد يعرف بقدره عند أهله فإذا لم يكن هو المفضل عندهم عرف أنه لا زال ينقصه الكثير من التربية وحسن الخلق.

 

وتضيف أخته فاطمة: بره لم يكن له حدود فقد مات لي أبي وأمي وزوجي وابنتي ولم أشعر بوفاتهم مطلقًا إلا بعد وفاة أخي سناء فقد كان يعوضني عنهم جميعًا، وقد كان حريصًا على تجميع العائلة كلها بصورة مستمرة فيضحك مع هذا ويحل مشكلة هذا وكان يأخذ أخواته من القاهرة ويسافر بهما ليمروا على أخيهم الأكبر ثم يذهبوا جميعًا لأختيهما قبل أن يعيدهم جميعًا إلى ديارهم بالترتيب كما جاءوا وكان يسميه يوم الصلة، وإذا حدث خلاف بين زوجين في العائلة كان هو المقصود لحلها حتى يعيد الأمور حسنة بينها أو أفضل مما كانت عليه، وفي مرضه الأخير كان زوج أخته هناء مريضًا أيضًا وطلب رؤية د. سناء فأصر على الذهاب إليه في المحلة الكبرى رغم تحذير الأطباء الشديد له بعدم الخروج في هذا الوقت. وحين جاء العيد أصر أيضًا على أن يجتمع مع أخواته عند هذه الأخت حتى لا تشعر بفقد زوجها بعد موته في هذه المناسبة.

 

الزوج والأب

كزوج تصفه السيدة نادية فاروق فتقول من أول يوم التقينا فيه اجتمعنا على طاعة الله فكان زواجه في الله ولله وقال لي يومها أعلمي أنك زوجة على ضرة وهي الدعوة إلى الله، فكان نعم الزوج ونعم المعلم والأخ والأب شديد البر بي وبأهلي.

 

وتضيف كان د. سناء رحمه الله شديد الوفاء لزوجته الأولى د. سميحة رحمها الله فقد كان دائم الذكر والدعاء لها ويمر على قبرها فيدعو لها ويقول اللهم إني أشهدك أني عنها راضٍ فارض عنها.

 

وكان رحمه الله حريصًا على متابعتي في مرضي وكان دائم السؤال والاطمئنان عليّ حتى أني يبرني في هذا بعد موته فرأيته يقول لي قال لي عاملة إيه؟ ونسبة السكر كام؟، ولله الشهادة الحق أقولها واقسم بالله على ذلك أني منذ تزوجته لم أره يفعل معصيةً قط.

 

وعن د. سناء الوالد يقول أبناؤه: لا يمكن أبدًا أن نحكي ولا أن نصف والدنا رحمه الله الذي كان الناس جميعهم يحسدوننا عليه، فقد كان يراقب أحوالنا دائمًا ويقيمها ويربطها بعلاقتنا مع الله ويقدم النصح والمشورة في كل خطوات حياتنا المختلفة فكان يهتم بالتفوق بشدة ويراعي مذكراتنا ويسعى لغرس قيم أخلاقية فينا في كل المناسبات مثل وقفة عرفة نكتب دعاء عرفة ونعلقه في البيت ونردده طوال اليوم بصوت جماعي يملأه الخشوع وأيضًا يوم العيد يذكرنا بسنة التمر قبل الصلاة ثم يخرج مبتهجًا بصوت عالٍ وهو في الطريق ثم يعود بنا من طريق غير الذي ذهب منه.

 

كان يشاركنا كل مناسباتنا لا يفوته منها شيء حتى لو كان معتقلاً يحرص على مشاركتنا بإرسال هدية والدعاء لنا وكانت وصيته لنا ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (9)﴾ (النساء)، ويقول إني مجتهد لذلك الأمر ما استطعت ونحن نشهد الله تعالى على تقواه.

 

ويكمل الأبناء: لقد كان دائمًا يتعايش معنا ويغرس فينا صفاتٍ وأخلاقًا حميدةً، وكان قدوةً حيةً لنا نرى فيها ورعه وتقواه فقد كان يأخذ على نفسه بالأشد ولا يفرضه على غيره فكان رحمه الله تعالى مثلاً لا يسمع الموسيقى أبدًا حتى كان يخفض صوت المذياع في الفواصل الموسيقية بين برامج الإذاعة، كما كان لا يشاهد غير المفيد في التلفاز ولا يهتم للكرة أو أي ملهاة أخرى ولم يكن لديه أي معلومات عن الوسط الفني قديمًا أو حديثًا، وكان شديد التقوى في التعامل مع النساء فلا يتحدث مع إحداهن إلا هو يغض بصره وإذا لم يكن هناك ضرورة للحديث لا يتحدث وإذا جلس يشاهد التلفاز غض بصره عن المذيعة حتى يرفع رأسه عند انتهاء حديثها أي يسمع فقط.

 

وفي عمله كان يراقب الله فلا يستخدم من أوراق العمل أو أقلامه شيئًا وحين يقصر مرؤوسه يومًا يخصم من مرتبه هو.

 

حصيرة وباجور جاز

عرف عنه الزهد منذ كان صغيرًا فلم يكن يصرف شيئًا من ماله سوى لقراءة أو شراء الكتب وحين قرر الزواج كان زواجه مثالاً صادقًا في الزهد فقد تزوج د. سميحة خليل رحمها الله زميلته في الدراسة وإحدى رائدات العمل الإسلامي بكلية الطب بأبسط الأشياء حصيرة وباجور جاز ومرتبة وفي مكان متواضع جدًّا بشقة صغيرة جدًّا في دور أرضي بدروم لا تدخله الشمس بحي بولاق الدكرور، وكان يقول إنها كانت أجمل أيام عاشها رغم قلة الماديات فها.

 

كان منهجه أن الدنيا معبر للآخرة وليست دار مستقر فلم يكن يهتم بها وكانت والله تأتيه راغمة، وقد عرض عليه السفر إلى السعودية للعمل كمدير لمستشفى هناك براتب عالٍ ويمكنه أن يصطحب معه زوجه إلا أنه رفض لأن الدعوة عنده أولى وأهم من مال يأتيه.

 

وحين أهداه أخواته بعد خروجه من المعتقل تكيفًا لتركيبه في شقته لحرها الشديد ولخطورة تأثير ذلك على نومه وصحته المرضية رفض بشدة وقال لمن أتى يركبه خذه أنت في بيتك ولا تتركه لي هنا إلا أن أخواته أصروا وتحايلوا على هذا الموقف بكلمات فقال متأثرًا: حرام عليكم كفاية دنيا بقى.

 

كان له مع القرآن حال غير حالنا يقول أبناؤه؛ فكان يتعايش مع القرآن قراءةً ومراجعةً وتدبرًا وتطبيقًا وفهمًا وكان حريصًا على أن يسألنا دائمًا عن حالنا مع القرآن ويذكرنا بالآيات والخواطر ولم يمر عليه يوم دون الرجوع لتفسير الطاهر بن عاشور حيث كان يضعه في غرفة نومه فوق سريره فكان يعينه ويشبعه على فهم آيات القرآن لما في ذلك التفسير من تعمق لغوي دقيق وغوص في فهم معنى القرآن ودلالات الألفاظ.

 

وكان لا يكتفي بالقراءة لنفسه فقط بل يطلع كل من حوله عن آخر ما قرأ ويستثير عقولنا بالحكم في بعض الآيات، وكان يسأل في القرآن يوميًّا حتى أن كثيرًا من الذين لم يعتادوا على قراءة القرآن يوميًّا تغير حالهم وكان يفرح جدًّا بأسئلتهم ومناقشاتهم حول آيات الله.

 

الطبيب الداعية

لم يكن رحمه الله يضيع أي فرصة لتبليغ دعوة الله فقد كانت الدعوة شغله الشاغل وحاله الدائم فإذا وقفنا في إشارة مثلاً كان يتحدث إلى السيارة، ورجل المرور وكان رحمه الله ملاذًا لكل من يريد فعل خير في دائرة المعارف والحي الذي نسكن فيه أيضًا لعلم الناس بحبه للخير وفعله وكان يقوم في رمضان والعيد بتوزيع شنط الخير بنفسه مع إحدى بناته أو أحد أبنائه.

 

وكان يستخدم عيادته جيدًا في هذا الغرض فهناك صندوق للمريض الفقير وقد طلب من مساعداته إذا لمحت الفقر في المريض ألا تأخذ منه مالاً بل ويعطيه الدواء قبل ذهابه وإذا لم يكن متاحًا أعطاه ثمنه وهذا لم يذكره إلا لابنته الطبيبة ليؤصل عندها آداب وأخلاق المهنة عمليًّا.

 

كما كان يجتهد في معرفة الأدوية بالمواد الفعالة فيها وبدائلها ليكتب للناس الدواء الأرخص رحمة بهم ويكتب الله على بيده الشفاء لكل من يخطو عتبة عيادته ببركة النية الصالحة.

 

كما أنه كان على اتفاق مع بعض المراكز والجمعيات الخيرية مثل جمعية المؤمن الخيرية بعمل تحويلات مجانية للمرضى للكشف عليهم وهذا لم يعلمه أحد إلا بعد رحيله من أوراقه في عيادته.

 

ولقد دعاه البعض بأبو الأرامل لأنه كان يعتني بأكثر من أرملة من نساء عائلته ومحارمه وأهل زوجته فيعوضهم عن فقد عائلتهم، وكان يذهب لزيادة أسر المعتقلين وأبناء إخوانه المتوفين ويصحب زوجه وأحيانًا أبناءه معه ويجلس بينهم ويتفقد أحوالهم ويعينهم إن كانوا محتاجين إلى عون.

 

إحياء السنة

كما كان يتحرى إتباع السنة بشدة، فمثلاً كان يحفظ من أذكار الأحوال والمناسبات ما لم نسمعه من غيره فتراه يقول دعاء السفر بصيغ مختلفة ثم يقول دعاء المسافر حين يحل عليه أول فجر ودعاء الوصول للبلدة ودعاء المطر.. إلخ.

 

وحين حدث زلزال 92 لم نكن نسمع من قبل عن شيء يسمي زلزال فهرولنا جميعًا خارج الشقة ووجدنا أبي وحده يرفع يديه إلى السماء قائلاً: اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك.

 

ولم نفهم أن ذلك دعاء يقال عند الكوارث إلا بعد انتهاء الزلزال ثم نسخ من هذا الدعاء عدة نسخ ووزعها على الجيران وفي الشارع على المذعورين ليشغلوا أنفسهم باللجوء إلى الله.

 

وكان يحيي ما خفي عن الناس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل: وليمة الزواج والاعذار للختان والعقيقة للولادة والنقيعة لقدوم المسافر والوكيرة للمسكن المتجدد والإحذاق لمن اجتاز مرحلة في العلم أو حفظ كتاب الله أو غير ذلك.

 

وكان يقف قبل نزوله من البيت دائمًا ليجدد نيته قبل الخروج.

 

ولقد كان رحمه الله عاشقًا للعلم والثقافة والقراءة ولديه مكتبة تضم كتبًا في المجالات المختلفة وكان رحمه الله يمشي في حجرات المنزل وهو يقول أحب العلم بنهم وكأنه يأكل ثم يقول "محدش عايز علم يا أخوة؟".

 

ومهما كان تعبه أو إرهاقه ينساه إذا سأله أحد في أمر ما أو طلب منه فهم شيء فكان ذلك حقًّا ما يخرجه من ضيقه أو تعبه.

 

وكان فصيحًا في اللغة العربية محبًّا لها بشدة متمسكًا بها وكان يعيننا على حبها فإذا جلسنا إلى المائدة أعطانا جملاً لنعربها وفي السيارة نقرأ الجرائد لنعرب ما نفهمه ويعلمنا الجديد في النحو دروسًا أثناء السفر ويذاكره لنا حتى صرنا نحبه وكان يستخدم الألفاظ الفصحى في كلامه.

 

وكان يحب قراءة الشعر وتأليفه كما كان متحدثًا بارعًا للإنجليزية بطلاقة وتراه يتذكر اللغة الألمانية جيدًا أكثر منا أثناء دراستنا لها رغم أنه لم يدرسها سوى في مرحلة الثانوية وكان يحب الاستماع إلى الإذاعات الأجنبية كالـbbc لتقوية لغته.

 

وكان إذا تحدث مع ابنته الطبيبة في دراستها التي أنهتها منذ زمن طويل تتعجب فالمعلومات محفورة في ذاكرته كأنه لم يبرح أن درسها الآن.

 

كما كان يهوى الابتكار والاختراع عند إصلاح أي شيء ويقول: أنا مهمتي في الحياة الإصلاح سواء إصلاح الأشياء من سباكة، أو نجارة، أو كهرباء أو أي شيء وكان إذا تعطل شيء في السيارة أو الغسالة أو أي جهاز أخذ يفكر أو الاختراع كما كان يسميه.

 

وكان مثالاً في الاهتمام بأمور المسلمين بصفة عامة وبفلسطين بصفة خاصة فيقول أحد جيرانه إنهم كانوا يستأنسون لمجرد رؤية سيارته أسفل بيته فقد كان لهم جميعًا وصالاً وقدوةً حسنةً وأبًا للجميع فكان رحمه الله حريصًا على الوصال معهم فيدور عليهم واحدًا تلو الآخر لينظر أحوالهم أو ليهنئهم في الأعياد كما فعل ذلك بعد خروجه من اعتقاله الأخير وهو مريض.

 

وكان يتفقد من يغيب منهم عن ناظره أو سمعه ليطمأن أنهم بخير وأنه ليس هناك شيطان قد دخل بينهم، ويحث أولاده على أن يقوموا للجيران ولو شيئًا بسيطًا ويسيرًا مما هو موجود من الطعام عندهم ويقول: "تهادوا تحابوا".

 

وحين قدم أول جار لنا في العمارة طلب منا أن نزينها له ونكتب لوحة ترحيب وتهنئة بالعروسين.

 

وكان يهتم كل الاهتمام بأمر المسلمين في أنحاء العالم سواء بمتابعة أخبارهم من نشرات الأخبار أو الإذاعة أو الجرائد أو التواصل مع أي مؤتمر يتعلق بشأن من شئون المسلمين وكنا نراه يبكي حين يتابع أخبار المسلمين ويرى ما يحدث في فلسطين ويقول وصوته مخنوق بالدموع: "حسبنا الله ونعم الوكيل يا رب... يا رب".

 

ولا ننسى أنه حتى في أيامه الأخيرة وفي شدة مرضه كنا نجلس حوله فسألنا أخبار غزة إيه؟ وكان ذات مرة يحاضر مجموعة من الأخوات حول هم الدعوة، وما بدأ في سرد أحوال المسلمين حتى بكى رحمه الله عليه.

 

وعند مرضه تستشعر معه معاني العبودية لله تعالى فكان دائمًا يقول: الله أحن علينا من أمهاتنا كفاية إن العبد له ملف مفتوح في الملأ الأعلى، وحين اشتد عليه المرض في أيامه الأخيرة بأمراضه الكثيرة المختلفة الصعبة لم يكن يقول سوى "اللهم عافنا ولا تفتنا اللهم عافنا ولا تفتنا"، حتى مات وهو ثابت على دينه.

 

منهاج التربية

كان يأخذ بالأسباب في كل الأمور مع حسن الصلة بالله ويجتهد في فهم نفسية الأبناء وشخصياتهم والتعامل معهم كل على حدة وفق شخصيته وطبعه، وكان يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في المساواة والعدل بين الأبناء.

 

جمع بين الحزم والحب والحنان بحكمة بالغة فقد كان رقيق المشاعر جدًّا مع شخصيته القوية فإذا نهر أحدنا أو عاقبه لأمر ما أخذ يتحين الفرصة لمصالحته ويتابعه وينادي عليه وهكذا حتى يطمئن أن قد تصالح تمامًا، وكان يقيم لقاءً تربويًّا للأسرة للتأليف بينها ولحل مشاكل أفرادها وكذلك للتعلم وتهذيب النفس بالقرآن والسنة، وقد يختمه بنشيد قبل أن يقوم الجميع في حالة من النشوى تسود وتسري روحها المنزل كله.

 

كما كان أستاذًا في التربية بالموقف كما علم أبناءه أهمية "التفوق والالتزام" وقد ألف معادلة للتفوق علقها في حجرة أبنائه الكبار في الثانوية العامة:

معادلة التفوق: (طموح بعيد+ عزم حديد+ تركيز شديد+ جهد جهيد+ وقت رشيد + استقامة لا تحيد)= المجموع الكلي للدرجات.

 

ومن الشخصيات التي أثرت في حياة الدكتور سناء ولعبت دورًا بارزًا في تشكيل شخصيته والدته فقد كانت شخصية واعية وناضجة رغم أنها كانت أمية إلا أنها كان لها الأثر الواضح في تكوين شخصية وكانت أحب الناس إليه، ومدرسه في المرحلة الابتدائية أ. أحمد عيسى لمعاملته الحسنة واستكشاف مواهبه وقدراته وتنميتها له في سنه الصغيرة والحث على توجيهه ونصحه الدائم.

 

كما أثر الإمام الشهيد/ حسن البنا في فكره بمعاني شمولية الإسلام ومعاني الدين العظيم وكان يتحاكى بذلك كثيرًا عندما يجلس مع إخوانه، وكذلك الأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله الذي صاحبه د. سناء كثيرًا في دعوته وكان يحب رفقته حتى كان رفيقه في قبره أيضًا، والأستاذ عمر التلمساني لزهده في مسكنه رغم أنه كان من الأعيان ولوفائه وبره بزوجته بعد وفاتها، والشيخ محمد الغزالي رحمه الله الذي أحب أسلوبه في الخطابة فكان مشابهًا له ومتأثرًا بها.

 

--------

* نقلا عن الجمعية الطبية الإسلامية