نقل عن د. حسن هويدي في وصف حال د. مصطفى السباعي في مرض وفاته- منذ نصف قرن تقريبًا- قوله: "ولقد رأيته في مرضه يتكئ على العصا غاديًا إلى الجامعة ورائحًا في الوقت الذي قعد فيه الأقوياء، وخمل فيه الأصحاء، ورُبَّ مريض مشلول أشد من سيف مسلول".

 

وكأنه كان يصف حاله حين موته!.

نفس الحال التي كان الأستاذ كامل الشريف يعرفها بالفراسة في وجوه شباب الإخوان في معارك القناة قبل استشهادهم، يميزها من خلال استبشار يطغى على مُحياهم، وعبر حركة دائبة ونشاط غير عادي يسبق الموت. لكن استبشار هويدي على محياه كان ثمانيني الطلعة، بينما حركته ونشاطه ينوء بتحملها الشباب أولو القوة.

 

كان دائم الأسفار متعهد الترحال ناشرًا الدعوة مهاجرًا بها حاملاً لها على غير عادة الشيوخ في مثل هذه السن المتقدمة، يطوف من اليمن إلى الإمارات والكويت ومن لندن إلى أستانبول والسودان، لم تهدأ حركته وحتى وفاته، كان يرتب للعودة إلى السودان لمؤازرة البشير وشعبه، ومساندتهم فيما يحاك ضدهم من مكائد، كان سفيرًا للصلح يعيد الله به أواصر الثقة، والوئام المفقود، عاش متفائلاً بأنّ المستقبل لهذا الدين والحركات التي تحمله للناس، مستشرفًا النصر يخرج من بين جنبات الظلم والقهر، منتظرًا الفجر ممتطيًا جواده، عابرًا ظلام الليل، لم تفارق الطمأنينة وجهه!

 

في تلك الأثناء مات في مدينة عمَّان فجر الجمعة 13/3/2009، وصلي عليه بمسجد الجامعة الأردنيّة، ودفن في مقبرة سحاب الإسلاميّة بعد عقود من العطاء وآثارٌ رأي العين تمثل نبراسًا ومعلمًا للاهتداء لمن يريد أن يسلك الطريق من بعده، ويتصدى للأجر.

 

وُلد الدكتور حسن هويدي في قرية دير الزور بسوريا عام 1925م، ونشأ في كنف أسرة مسلمة مشهورة بالإباء والكرم؛ حيث حصل على شهادة الثانوية العلمية، فانتسب إلى كلية الطب في جامعة دمشق، وحصل على شهادة الدكتوراه في الطب بتقدير "جيد" عام 1952م، وكانت رسالته لنيل شهادة الدكتوراه عن: فرط نشاط الغدة الدرقية- ثم حصل على شهادة التخصص في الأمراض الباطنة من كلية الطب في جامعة دمشق.

 

انضم إلى صفوف الإخوان المسلمين منذ بداية شبابه في العام 1943م، وعاصر الرعيل الأول وعلى رأسهم د. مصطفى السباعي- رحمه الله- وانتخب عضوًا في مجلس شورى الجماعة، ثم مراقبًا عامًّا لها في فترة عصيبة سنة 1981، وقاد الإخوان من المنفى، وطالب الهيئات والمنظّمات بالسعي لإطلاق سراح آلاف المعتقلين في السجون، ووقف المجازر، ولقي في مسيرته العديد من الصعاب وذاق مرارة الاعتقال وتعرض لمختلف صنوف المحن والابتلاءات انتهاءً بالهجرة القهرية، والتشريد والتغريب.

 

مناقبه

 

 د. حسن هويدي

عاش الرجل ربانيًّا يدعو إلى الله بلسان حاله قبل مقاله، حسن الخلق شديد الحياء حلو المعشر، ينتقي أطايب الكلام، ولا يذكر أحدًا بسوء أبدًا، يتحدث العربية الفصحى بطلاقة، عرفه السوريون طبيبًا بارعًا بكل مناحي الطب وشئونه، وعالمًا محقّقًا، ثريّ الثقافة، واسع الاطلاع، حجة في العلوم الشرعية، لا يُبارى، يبارز العلماء ويباريهم، دارت بينه وبين عالم سوريا محمد المبارك في عام 53 مساجلات ونقاشات وحوارات حول دعوة العالم الجليل لتنقية السنة الإسلامية من الشوائب، فرجح رأي هويدي على حداثة سنه، وكان يرى أن هذه الدعوة قد تكون وسيلة يستغلها بعض ضعاف النفوس وأعداء الإسلام في النيل منه، والتشكيك فيه والإساءة إليه، عين عضوًا بالمجلس الأوروبي للإفتاء.

 

كان شديد المجاملة والملاطفة عظيم التأدب، عف اللسان، يجمع إلى حماسة الشباب المتوقّدة الوثابة، رجاحة العقل والحكمة والأناة، يؤمن بالحوار ويتبنّاه سلوكًا ومنهجًا.

 

لم يهجوه عدو قط حتى إن مسئولاً أمنيًّا قال للرئيس الأسد: إن "حزب البعث" في تاريخه كله لو كان فيه واحد فقط مثل "الهويدي" لحققنا مكسبًا كبيرًا على المستوى الشعبي.

 

لا يحب الظهور، زاهدًا في الكلام والكتابة، لا يكتب إلا ما يراه فرضًا! ومن كلماته: (الظهور يُقسم الظهور).

 

كانت له جلسة أسبوعية يجلس فيها للترويح مع إخوانه يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم ثم تكون لهم دروس في العقيدة أو التزكية أو التاريخ، وليلة وفاته تحدث حديثًا رقيقًا خاشعًا عن الموت وقرأ من "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" للقرطبي وكان يقول: إن الميت كمن تاه في الصحراء بلا ماء، والحسنات والأعمال الصالحة للميت في القبر كالماء للتائه في الصحراء، وكان يكرر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلّكم على خير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعِها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخيرٌ لكم من أن تلقوْا عدوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ذكر الله"، وكانت آخر وصاياه لإخوانه قبل وفاته قراءة جزء يومي من القرآن، وقول لا إله إلا الله 100 مرة، والصلاة على النبي 100 مرة، والاستغفار 100 مرة، ثم ذهب إلى بيته ولقي ربه جالسًا في محرابه بعد أن أدَّى صلاة الفجر، وكان آخر ما يسعى إليه بالإضافة إلى استعداده لزيارة السودان تأكيد لحمة الإخوان في سوريا، وعودة الأستاذ عدنان سعد الله إلى صفوفها، حتى إن الأستاذ عدنان تكلَّم في عزائه وقال: "اطمئنوا فإن الجماعة أحسن ما تكون ترابطًا وتماسكًا وأكثر توحدًا".

 

اشتهر د. حسن هويدي كواحدٍ من أبرز دعاة الوسطية، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، بالمسالمة والمحاورة والنقاش، ومن كلماته "لا نكتم النصيحة ولا نستسلم للخطأ، هذا هو الأصل الذي لا يخفى على أولى الألباب"، وهو من دعاة التطوير والتجديد في الآليات، وفي التناول وكان يدعو إلى تطبيق الشريعة، معتبرًا أن الشريعةَ كلها عدل ورحمة، وأن كثيرًا من الناس يعيشون في أوهام أعداء الإسلام فيظلمونها بغير حجةٍ ولا فهم.

 

فعجبًا لهذه الدعوة المباركة (دعوة الإخوان المسلمين) ما إن تلتقي ربانية مبادئها وعظمة أفكارها بشاب صغير إلا وتحوله مجاهدًا يبتغي أستاذية العالم ويسعى لها يقدم في سبيلها التضحيات ويبذل الجهود.

 

تحول الشيوخ في سنوات الراحة والدعة وفي مرحلة قلة العطاء وانتظار الموت إلى نماذج للجهاد والمثابرة والحركة والمداومة على حمل راية الإسلام، والدعوة إليها والدفاع عنها.. أفئدة لا تتكاسل وعريكة لا تلين.

 

وإن كنا نفاخر بشبابنا فإننا أيضًا نفاخر بشيوخنا، وعلى رأسهم د. حسن هويدي الذين قدموا أعظم صنيع للبشرية: ألم يحملوا راية الإسلام إليها؟ ألم يقدموا النماذج لها، ويضربوا أعظم المثل؟.

 

ولا يسعنا إلا أن نكرر ما قاله أخونا أبو أنس: فنحن لا نرثيك يا شيخنا. إنما نرثي أنفسنا، ولا نبكيك يا شيخنا.. إنما نبكي على أنفسنا، فقد قمت بواجبك على أحسن وجه، وأدّيت رسالتك على أحسن ما يكون الأداء، ثم لقيتَ ربك راضيًا مرضيًا، على أحسن ما يكون اللقاء بين العبد وربه.

 

نحن نرثي أنفسنا.. لأننا فقدنا علمًا من أعلام هذه الأمة هي أحوج ما تكون إليه، وفقدنا رجلاً من عظمائها، في وقتٍ عزّ فيه الرجال. نحن نبكي على أنفسنا لأننا فقدناك في وقتٍ نحنُ أحوجُ ما نكون إليك.

 

رحم الله أخانا الكبير ووالدنا العالم الرباني الجليل د. حسن هويدي رحمة واسعة، وجزاه عنا خير الجزاء ورفع مقامه في عليين مع الأنبياء والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

----------------

* عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين- عضو مجلس الشعب