لم يكن مفاجئًا ذلك الخبر الذي أذاعه تلفزيون الكويت الرسمي مساء اليوم الإثنين من أن أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح قد قبل استقالة حكومة الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح، طالبًا منها تصريف الشئون الجارية، فهذا البلد الخليجي الثري بالنفط والأموال يعتبر نموذجًا فعَّالاً على مشكلات السياسة العربية، عندما تتحكم مشكلاتٌ مزمنةٌ في الحياة السياسية والعامة، وتصيبها بالشلل تقريبًا.

 

استقالة الحكومة تأتي بعد أقل من ستة أشهر، من استقالةٍ مماثلةٍ تقدمت بها الحكومة السابقة للشيخ ناصر الصباح لأمير البلاد في نوفمبر الماضي، وكلا الاستقالتَيْن سببهما واحد، وهو الاستجوابات التي تتقدم بها المعارضة، وخصوصًا الإسلامية ضد الحكومة، بما في ذلك رئيس الوزراء، وكان آخرها ثلاثة استجوابات تقدَّمت بها المعارضة الإسلامية لرئيس الحكومة الكويتية المستقيل.

 

ويسمح الدستور الكويتي لأعضاء مجلس الأمة بتقديم استجواباتٍ للوزراء ولرئيس الحكومة نفسه؛ حيث تنص المادة (100) من الدستور الكويتي على أنَّ "لكل عضوٍ من أعضاء مجلس الأمة أنْ يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء وإلى الوزراء استجوابات عن الأمور الداخلة في اختصاصاتهم".

 

وكان الاستجواب الثالث الذي تقدَّم به النائب ذو التوجه الإسلامي محمد هايف المطيري ضد الشيخ ناصر المحمد، هو الأقوى، وكان بحسب تعليقات مصادر كويتية وراء استقالة رئيس الوزراء؛ حيث اتهمه النائب بأنه مسئولٌ عن السماح بهدم مسجدَيْن بحجة أنَّهما بُنيا بطريقةٍ غير شرعيةٍ على أرضٍ تملكها الدولة، وقال المطيري: إن المساسَ بالمساجد "خط أحمر"، وإن قرار هدمها "يمس بسمعة الكويت في الداخل والخارج".

 

استقالة الحكومة جاءت بشكلٍ "دراميٍّ"؛ حيث كان الشيخ ناصر المحمد يحضر الجلسة الأسبوعية لمجلس الوزراء المنعقدة مساء يوم الإثنين، ثم ترك الجلسة لكي يتوجه إلى القصر الأميري لتقديم استقالته واستقالة حكومته، بعد أن وصلت الأزمة بينها وبين مجلس الأمة (البرلمان الكويتي) إلى مستوًى لا يمكن معه الاستمرار في التعاون بين الطرفَيْن في تسيير شئون الدولة.

 

وكانت الأمور قد وصلت إلى طريقٍ مسدودٍ بين الطرفَيْن؛ حيث رفعت الحكومة الكويتية إلى أمير البلاد، ما يُعرف دستوريًّا وقانونيًّا في الكويت بـ"كتاب عدم تعاون"، قبيل انعقاد جلسة اليوم لمجلس الوزراء التي شهدت قيام رئيس الوزراء باتخاذ قرار الاستقالة.

 

وفي حقيقة الأمر فإنَّ قرار رفع "كتاب عدم تعاون" هذا جاء على خلفية موقفٍ آخر اتخذه مجلس الأمة ضد الحكومة الكويتية ألزمها بوقف مشروع تأسيس مصفاة نفط باستثمارات بلغت حوالي 15 مليار دولار؛ حيث قررت الحكومة الكويتية اتخاذ القرار بعد قيام عددٍ من النواب بالطلب من ديوان المحاسبة بالبحث في جدوى المشروع، وفي شفافيته، وقال ديوان المحاسبة إنَّ المشروع غير مجدٍ، وهي الحالة الثانية في غضون ثلاثة أشهرٍ يتم فيها تعطيل مشروع نفطي في الكويت من جانب مجلس الأمة.

 

أزمة مزمنة

 الصورة غير متاحة

 ناصر المحمد الأحمد الجابر الصباح

والموقف غير جديد؛ حيث شهد المسرح السياسي الكويتي ذات العرض في السنوات القليلة الماضية، أسفرت عن استقالة ثلاث حكومات وحل المجلس، وإجراء انتخابات مبكرة أكثر من مرة، وكانت آخرها في مارس الماضي عندما استقالت الحكومة متهمةً بعض نواب مجلس الأمة، الذي تسيطر عليه المعارضة، بتغليب الأجواء الصدامية مع الحكومة والتدخل في اختصاصاتها.

 

وفي يونيو الماضي، شهدت الجلسة الافتتاحية للدورة البرلمانية الجديدة، بعدما تم حل مجلس الأمة في شهر مارس السابق عليه، أزمة أخرى عندما انسحب تسعة نواب إسلاميون من الجلسة؛ احتجاجًا على وجود وزيرتَيْن غير محجبتَيْن في الحكومة الجديدة، والتي كانت الرابعة التي يشكلها الشيخ ناصر المحمد منذ العام 2006م، وبعد أنْ انتهت الحكومة من أداء القسم عاد النواب التسعة لتأدية اليمين الدستورية.

 

ومن أبرز الأزمات كذلك طلب الحكومة من المجلس السابق رفع الحصانة عن نائبَيْن شيعيَيْن اشتركا في حفل تأبين عماد مغنية، أحد أبرز القادة العسكريين لجماعة حزب الله اللبنانية، والذي جرى اغتياله في العاصمة السورية دمشق في الثاني عشر من فبراير 2008م، وتقول الحكومة الكويتية وأطراف أخرى داخل الساحة السياسية الكويتية إنَّ مغنية متهم باختطاف طائرة كويتية وقتل اثنين من ركابها في عام 1989م.

 

وفي نوفمبر الماضي استقالت الحكومة الكويتية الرابعة التي يشكلها ناصر المحمد، على إثر استجوابات تقدم بها ثلاثة نواب إسلاميين من التيار السلفي ضد رئيس الوزراء، لسماحه بدخول رجل الدين الشيعي الإيراني المثير للجدل، محمد باقر الفالي للبلاد، والذي كان هناك حكمٌ قضائيٌّ صدر في يونيو الماضي يمنعه من دخول الكويت؛ ويغرمه 10 آلاف دينار كويتي، ومصادرة النسخ المطبوعة من محاضرته التي سب فيها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ومنذ بدايتها، عانت الحكومة الكويتية من عزلةٍ كبيرةٍ من جانب حلفائها التقليديين، على خلفية الانتقادات المتزايدة التي وُجِّهت إليها، لدرجة أنَّ تيار المستقلين بقيادة رئيس مجلس الأمة السابق أحمد السعدون، والحركة الدستورية الإسلامية (حدس)- الإخوان المسلمون في الكويت- قررا البقاء في الجانب المعارض في المجلس، لأول مرة منذ 30 عامًا، احتجاجًا على حالة الانسداد السياسي التي وصلت إليها الأمور في البلاد.

 

وتحيط الأزمة السياسية الراهنة في الكويت بالعائلة الأميرية الحاكمة ذاتها، وبدأت منذ التسعينيات الماضية، بعد أنْ تمت تنحية ولي العهد الراحل الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح، وتولي الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح منصب ولاية العهد، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها في الحياة السياسية الكويتية التي كانت قد دأبت على عرفٍ يتم بمقتضاه إعطاء منصب أمير البلاد إلى جناح "الجابر" بالتبادل مع إعطاء منصب ولي العهد لجناح "السالم" في عائلة الصباح، ويكون الوضع معكوسًا حال تولي أحد أبناء جناح "السالم" لمنصب الإمارة.

 

مأزق سياسي

 الصورة غير متاحة

البرلمان الكويتي

الخيارات المتاحة أمام أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد في الحالة الراهنة، إمَّا مكررة أو غير مجدية، فهو إما أن يقبل استقالة الحكومة ويصدر قرارًا بحل مجلس الأمة والدعوة لانتخابات تشريعية جديدة في البلاد، أو قبول استقالة الحكومة وتكليف الشيخ ناصر المحمد بتشكيل حكومةٍ جديدةٍ، أو تكليف غيره بذلك.

 

وفي حالة دعوته إلى انتخاباتٍ جديدةٍ لا يكون قد أضاف شيئًا جديدًا؛ حيث إنَّ هذه الطريقة لم تؤدِّ طيلة السنوات الماضية إلى حل الأزمة من جذورها، بين التيار الإسلامي المعارض في البرلمان الكويتي وما بين القصر الأميري.

 

وخصوصًا بعد وضوح إصرار الشيخ صباح الأحمد أمير البلاد على تكليف الشيخ ناصر المحمد بالحكومة، وهو غير محبوبٍ بالمرة من جانب المعارضة الإسلامية، ولا يلقى قبولاً من العائلة الأميرية ولا من الرأي العام، مع إطاحة المعارضة به مرتَيْن لأسبابٍ تتعلق بمكونات هوية المجتمع الكويتي ذات الطابع الإسلامي المحافظ، وكانت الأولى هي قضية الفالي، والثانية قضية هدم المسجدَيْن.

 

وهو وضعٌ بدوره لا يمكن أنْ يعطي جاذبيةً لخيار إعادة تكليف الشيخ ناصر المحمد بتشكيل حكومةٍ ستكون السابعة له وفي الكويت في غضون ثلاثة أعوامٍ.

 

ويبقى أمام أمير الكويت خيارٌ وحيدٌ فعالٌ، وهو الإبقاء على مجلس الأمة بتشكيلته الحالية، مع تكليف شخصيةٍ تلقى قبولاً من جميع الأطراف، ولكن من هي هذه الشخصية؟!، وهل سوف يلجأ أمير البلاد إلى هذا الحل؟!، هذا هو ما سوف تجيب عنه التطورات القادمة في الأيام القليلة المقبلة.