سؤال مشروع؟!

بعد ما تجاوزت هذه النكبة ستين عامًا، ما زال المسلمون يتساءلون: متى تنتهي هذه النكبة المستمرة، ويتحرر الأقصى الأسير من براثن اليهود الملاعين؟!

 

والإجابة على هذا التساؤل ليس بالأمر الصعب، فيوم أن نزلت رسالة الإسلام على الرسول الأمين محمد- صلى الله عليه وسلم- كانت الجاهلية رايتها عالية، وكان الفرس والروم لا تقوى على مواجهتها دولة، وكانت راية الكفر والأوثان والإلحاد تسود مشارق الدنيا ومغاربها، ولغة القوة هي الحاكمة، والبقاء للأقوى، ولا حياة في الدنيا لفقير أو ضعيف، فلا مبادئ ولا قيم، بل ولا مشاعر ولا عواطف، بل مصالح ومنافع.

 

وجاء الإسلام وساد، وكانت خطوته الأولى توحيد المشاعر بين أتباعه، وتطهير القلوب بين أحبابه، وتسوية الرؤوس بين معتنقيه، بفضل عقيدة التوحيد، فلا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى، وأصبح أبو بكر القرشي أخًا لسلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي، وأصبحت العقيدة هي وطن المسلم، وفتح المسلمون مشارق الأرض ومغاربها، وتمَّ نور الإسلام، وانتشر بعقيدته وشريعته، فتوحدت المشاعر تجاه القضية الواحدة، وأصبح المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، فإذا اعتدى على أحد في قطر إسلامي في المشرق، قال له أخوه في المغرب: لبيك يا أخا الإسلام!! فداك أبي وأمي وروحي ونفسي؛ لأنه تعلَّم من رسوله- صلى الله عليه وسلم- أن (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله).

 

السبب في اختلاف الناس:

ولذلك فإن القضية الواحدة يختلف الناس حولها، باختلاف عقائدهم ومشاعرهم وتصوراتهم ومفاهيمهم وتربيتهم.

 

فمنهم المؤمنون بها حق الإيمان يدافعون عنها، ويدعون لنصرتها، ويضحون من أجلها ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾ (التوبة).

 

ومنهم المترددون الذين لا يعرفون موضع أقدامهم، ولا أين وجهتهم فهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء هم بين جذبين، جذب إيمانهم وجذب شيطانهم، عسى الله أن يهدي بهم سواء السبيل.

 

ومنهم النفعيون الذين دنياهم هي أكبر همهم ومبلغ علمهم، أينما وجدت المصلحة الدنيوية فهي ديدنهم لا يعرفون مبدأ ولا قيمة، فالمنافع قبلتهم، فهم في حاجة إلى من يبصرهم.

 

ومنهم المتحاملون الذين زُين لهم سوء أعمالهم، فهم لا يكذبونك؛ ولكنهم يجحدون ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا..﴾ (النمل: من الآية 14) الحق عندهم باطلٌّ، والباطل عندهم حقٌّ، قلوبهم سوداء، وأكبادهم غلاظ، يتولون الأعداء ويظاهرونهم، يرددون ما أرادوا، ويدافعون عن قضيتهم، ويضحون من أجل باطلهم، يفرحون لنصرهم ويحزنون لهزيمتهم، ويوادون من حاد الله ورسوله وأولئك في الأذلين.

 

ليسوا سواءً:

فهل يستوي مشاعر هؤلاء نحو قضية المسجد الأقصى وبيت المقدس، وما يفعله اليهود في فلسطين مع هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، الذين يسألون ربهم صلاة في رحاب المسجد الأقصى، وشهادة على أعتابه ويشدون الرحال إليه؛ تلبيةً لحديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا).

 

فإذا بالقضية عندهم لا تخص الفلسطينيين فحسب، بل هي قضية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وليست قضية بعض الحكام الساهين اللاهين الذين لا هم لهم إلا المحافظة على كراسيهم، ولو كلفهم ذلك قهر الشعوب، وسلب حرياتهم، وموالاة أعدائهم وسجن أحرارهم، وتكميم أفواههم، ونهب ثرواتهم، وهلك الحرث والنسل، والأدهى والأمر ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12)﴾ (البقرة).

 

أين هؤلاء المطبعون أصحاب كامب ديفيد وأوسلو، والمهرولون إلى مؤتمرات العدو، والذين أعطوه أكثر مما يسعى إليه؟!، أين هؤلاء من هذا الحاكم المسلم السلطان عبد الحميد الذي قال لهرتزل اليهودي عندما طلب منه شراء أرض فلسطين مقابل سداد ديون السلطنة العثمانية سنة 1897م، قال له: "هذه الأرض حررها آبائي وأجدادي بدمائهم، ولا أملك التفريط في شبر منها، وإلا أعتبر ذلك خيانة"؟!.

 

ورحمة الله عليك يا صلاح الدين حين قلت: كيف أبتسم والمسجد الأقصى أسير. مجرد الابتسامة حرمها على نفسه، فما بالك بالذين يهنئون العدو بإقامة دولته على الأرض المقدسة.

 

ولذلك بمجرد ولادة "إسرائيل" غير الشرعية اصطفى المولى رجالاً يدافعون عن الحق الذي يحملونه ضد الباطل الذي استولى على أرضهم ومقدراتهم ومقدساتهم، فجاهدوا في الله حق جهاده، أمثال: الشيخ عز الدين القسام وتلاميذه، بدءًا من الشيخ أحمد ياسين، وأتباعه كيحيى عياش والرنتيسى، وإخوانهم الكثر؛ سواء كانوا رجالاً أو نساءً، فهم أصحاب العقيدة بحق التي يضحون من أجلها.

 

وإن ننسى فلا ننسى أهل غزة العزة، ومجاهديها الذين ضربوا أروع المثل بصمودهم وثباتهم وتضحياتهم وشهواتهم، بفضل تربيتهم على هذه العقيدة.

 

يقول الشهيد سيد قطب: "إن حقيقة المعركة التي يشنها اليهود في كل أرض، وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة هي من أجل العقيدة، وهم قد يختصمون فيما بينهم، ولكنهم يلتقون دائمًا في المعركة ضد الإسلام والمسلمين، وقد يرفعون لهذه المعركة أعلامًا شتى- في خبث ومكر وتورية-؛ لأنهم قد جربوا حماس المسلمين لدينهم وعقيدتهم، حين واجهوهم تحت راية العقيدة".

 

ولذلك حين يعلنون الحرب يعلنوها باسم الأرض والاقتصاد والسياسة، وألقوا في روع المخدوعين منا: أن حكاية العقيدة قد صارت حكاية قديمة لا معنى لها، ولا يجوز رفع رايتها، وخوض المعركة باسمها، فهذه سمة المتخلفين والمتعصبين، وذلك ليأمنوا مواجهة رجال العقيدة من جديد، بينما هي في قرارة نفوسهم جميعًا يخوضون المعركة قبل كل شيء؛ لتحطيم هذه الصخرة العاتية التي حطمت جيوشهم".

 

أصحاب القضية:

ولذلك فإن الذين يخشونهم هم خريجو مدرسة النبوة الذين تربوا ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ(37)﴾ (النور)، فالمساجد هي محاضن المجاهدين، منها يتخرج الذين سيحررون المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله.

 

هذا هو تصورنا للقضية، فهي قضية إسلامية في المقام الأول، والنكبة أصابت المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وما زالت.

 

ونحن المسلمين إذ نذكِّر بالنكبة نؤكِّد أن قضية فلسطين هي قضية العرب والمسلمين المحورية في أيامنا هذه، وكل من يحاول أن يصرفنا عنها إلى قضايا فرعية، وتحويل العداء من العدو الحقيقي "إسرائيل" إلى عدو مصطنع، وإيهامنا بأنه الأخطر من هذا العدو اللدود المعروف، نقول له: هيهات اليهود هم العدو فاحذرهم!!.

 

ولذا فإن المخلصين في هذا الوطن، بل وفي العالم الإسلامي والعربي شعوبًا وأفرادًا، يدعون قيادة الأمة إلى تحمل مسئوليتهم الكاملة في نصرة هذه القضية العادلة، والتي تحتاج إلى الوقوف الحازم ضد محاولات التصفية، والاستيطان والتهويد، وما يجري في مدينة القدس من هدم للبيوت وطرد للسكان، وما يتعرض له المسجد الأقصى من حفريات تهدِّده بالتدمير؛ تمهيدًا لبناء الهيكل المزعوم بين المسجد الأقصى والقبة المشرفة، تمهيدًا لجعل المدينة المقدسة لليهود خالصةً بعد طرد الفلسطينيين منها.

 

ما قيمة المفاوضات العبثية؟!

ولذلك يتساءل المرء اليوم: ما قيمة المفاوضات الثنائية بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني، ومئات القرارات الدولية التي توجه ضد هذا الكيان الغاصب منذ عام 1948م إلى يومنا هذا، ولم تنفذ "إسرائيل" منها قرارًا واحدًا في تحدٍّ للمجتمع الدولي كله الذي صمَّ الآذان عن معاقبة هذا الكيان الغاصب؛ حتى أصبحت هذه المفاوضات تهدِّد القضية بالتصفية، وتغطي تحت مظلتها ما يتم من توسع استيطاني في القدس، واغتيالات واعتقالات في الضفة الغربية، ومحاصرة لقطاع غزة التي يجب نصرتها وكسر الحصار المفروض عليها، والذي ما زال يحاول كسره للأسف غير العرب والمسلمين، والذين أشعرونا بعار يعلو الرؤوس فلا نحن حاولنا كما حاولوا، ولا نحن وقفنا إلى جانب أهل غزة في صمودهم ومقاومتهم، الوقوف الذي يليق بالحدث.

 

التحية لمن يستحقها:

إلا أننا نحيي المظاهرات الشعبية التي عمت البلدان العربية والإسلامية، بل وبعض البلاد الغربية، وغيرها من دول العالم.

 

وكم نتمنى أن تفتح مصر معبر رفح بصورة مستمرة، وبلا عوائق، وتقوم بدورها القيادي للعالم العربي والإسلامي، وأن يزود القطاع بما يحتاجه، "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".

 

أليس ما نراه اليوم من محاولة تحقيق "إسرائيل" أهدافها في القدس بوجه خاص في حاجة إلى ذوي المال والسعة، وكل صاحب جهد قلَّ أم كَثُر إلى مناصرة قضية القدس، بما يستطيعون من قوة في مجالات المشروعات التربوية والصحية والاجتماعية والاقتصادية، فإن لم يكن؛ فبالدعاء ووحدة المشاعر ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)﴾ (التوبة).

 

كم نحن في حاجة لنتذكر موقف الأنصار مع المهاجرين يوم الهجرة، من كفالة للأسر، ومؤاخاة بين العائلات العربية والإسلامية في العالم، وبين العائلات الفلسطينية في الداخل، ولا سيما مدينة القدس وغزة المنكوبة؛ لنبذل الجهود المخلصة، والعمل على كل ما من شأنه تثبيت الوجود الفلسطيني في الأرض المباركة، وعدم النزوح عنها، وتقديم سائر أشكال الدعم الممكنة لهذه القضية؛ حتى لا يضيع المسجد الأقصى، بل والقدس وما هم ببالغيه.

 

إن هذا الشعب البطل المجاهد الصابر يجب إعانته من أموال الزكاة والصدقات وغيرها، بل يجب أن يقتطع المسلمون نصيبًا من أموالهم وأقواتهم؛ فإنه "ليس منا من بات شبعان وجاره جائع".

 

أولى الخطوات وأهمها:

ويجب أن نؤكِّد أن أولى خطوات المواجهة مع هذا العدو الشرس، يبدأ من داخلنا وإصلاح بيتنا على أساس كفالة الحقوق والحريات، وتوسيع قاعدة المشاركة، والتزام النهج السلمي قولاً وعملاً، بادئين بمجالات التربية والتعليم والاقتصاد والسياسة والاجتماع، بما يحفظ على الأمة ثوابتها الدينية والوطنية، ويؤكِّد هويتها الثقافية وخصوصيتها الحضارية.

 

وفي النهاية لا بد من حسن الالتزام بديننا، متمسكين بالقرآن والسنة، مستلهمين منهما كل توجه في حياتنا الفكرية والعملية، والاهتمام بقيم الأسرة؛ لتكون المحضن الصالح لتنشئة الأجيال الذين يقولون: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ..﴾ (التوبة: من الآية 52)، فيحقق الالتزام على أرض الواقع أجيالاً معصومةً؛ مما يموج به العالم من تيارات عاتية، تدفع إلى التفسخ أو التطرف، بل تنهض بالأمة من تخلفها، وتسهم في حركة الوسطية التي بها تبنى الأمة، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ..﴾ (البقرة: من الآية 143)، ولا يتحقق ذلك إلا بالجهاد، "والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة"، ويوم أن يتكوَّن هذا الجيل الفريد المجاهد ﴿عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ (الإسراء: من الآية 5) يتحقق النصر بإذن الله.

 

ويوم أن يتخرج من المساجد ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ..﴾ (التوبة: من الآية 112)، سيأتي اليوم الذي يقول فيه الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! خلفي يهودي فاقتله، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (5)﴾ (الروم).

 

تقول لي: متى هو؟ أقول: عسى أن يكون قريبًا .. فاللهَ نسأل أن يجري النصر على أيدينا.. اللهم آمين، والحمد لله رب العالمين.. ويعود الأقصى السليب إلى المسلمين.

----------

* عضو مكتب الإرشاد