هناك محاولات منذ احتلال اليهود لأرض فلسطين تستهدف النيل من السيادة الإسلامية لمدينة القدس ومقدساتها وخاصة المسجد الأقصى؛ وذلك للانتقاص من حقوق المسلمين الراسخة والخالدة، وتتمثل تلك المحاولات في هدم المسجد الأقصى، وهو ما ظهر في عدوان متكرر على نحو ما قامت به من إشعال الحريق بهذا المسجد العريق سنة 1969 ومحاولات الاقتحام المتكررة، ناهيك عن أعمال الحفر والتخريب أسفل جدران المسجد، وسنحاول من خلا ل هذه السطور إلقاء الضوء على عمارة المسجد الأقصى والتي تعتبر توثيقًا للأسانيد التي ما زالت تقف على مر العصور شاهد صدق يفند ويدحض أية افتراءات أو دعاوى زائفة تحاول النيل من عروبة القدس أو الانتقاص من السيادة الإسلامية لها.

 

1- تاريخ عمارة المسجد الأقصى قبل الإسلام:

تذكر الروايات القديمة المتوارثة أن سيدنا آدم عليه السلام بنى مسجدًا ببيت المقدس، وقد ورد في الأثر عن الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "بيت المقدس بَنَتْه الأنبياء وعمرته"، ثم أقام اليبوسيون مؤسسو المدينة هيكلاً واتخذوه بيتا للعبادة، ثم أقام  الصابئة- وهم عبدة الكواكب الذين عاصروا سيدنا إبراهيم- هيكلاً للزهرة على صخرة بيت المقدس، ثم تهدم هذا الهيكل ثم اتخذ سيدنا إبراهيم من تلك البقعة المقدسة مسجدًا، وكان بين بناء وإعادة رفع قواعد المسجد الحرام والمسجد الأقصى أربعون سنة(1).

 

ويرى أهل الكتاب أن سيدنا يعقوب عليه السلام هو الذي أسس المسجد الأقصى وهو مسجد إيليا؛ حيث نزل الوحي على نبي الله يعقوب في تلك البقعة الطاهرة، فنذر أن يبني لله مسجدًا فيها، وتنفيذًا لنذره اشترى سيدنا يعقوب تلك البقعة من أورشليم وبنى المسجد وسماه بيت إبل أي بيت الله، ولما دخل نبي الله يوشع بن نون بيت المقدس وضع قبة على صخرة بيت المقدس كانت لهم قِبلة فصلوا إلى الصخرة، وظلت قبلة الأنبياء، حتى خاتمهم سيدنا محمد؛ حيث ظل المسجد دارًا لعبادة المؤمنين الموحدين من بني إسرائيل حتى آخر أنبيائهم سيدنا عيسى، فلما أنكروا نبوءته توعدهم بخراب ملكهم، ثم انقطعت ولايتهم تمامًا عن القدس ومسجدها؛ لكفرهم بكلٍّ من سيدنا عيسى وسيدنا محمد، وباتت الولاية على ذلك للمؤمنين بكل الأنبياء؛ وهم المسلمون، وبدأت العلاقة المباشرة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين منذ ليلة الإسراء والمعراج، كما كان المسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى في الصلاة، وعدَّ النبي المسجد الأقصى أحد ثلاثة مساجد كبرى في الإسلام لا تشد الرحال إلا إليها لشأنها الخاص(2).

 

2- المسجد الأقصى الحالي وتطوره المعماري والتاريخي:

لم يكن بتلك البقعة المقدسة من مدينة القدس بناء معروف بالمسجد الأقصى ولا بناء آخر معروف بمسجد قبة الصخرة؛ وإنما بناهما المسلمون لاحقًا كما سنبين فيما يلي:

أ- بناء المسجد العمري "المسجد الأقصى":

من المعروف تاريخيا أن سيدنا عمر بن الخطاب قد خرج بنفسه لبيت المقدس؛ وذلك تكريمًا لها وإجلالاً لأصولها الدينية في الإسلام، حين أصر بطريرك المدينة "صفرنيوس" على عدم تسليمها للمسلمين الفاتحين إلا للخليفة عمر نفسه، وأظهر سيدنا عمر غداة استلام بيت المقدس كل احترام وتقدير لأصولها الدينية، فبعد أن استلم مفاتيح المدينة، وأعطى الأمان لأهلها من النصارى- فيما يعرف بالعهدة العمرية(3)- قام بجولة تفقد فيها ما بقي في المدينة من معالم معمارية وخاصة المناطق المرتبطة بحادثة الإسراء والمعراج، وبدأ الزيارة أولاً بزيارة كنيسة القيامة في صحبة البطريرك "صفرنيوس"، ولما حان وقت الصلاة طلب "صفرنيوس" من الخليفة عمر أن يصلى حيث مكان زيارته داخل الكنيسة؛ ولكن الخليفة عمر رضي الله عنه رفض ذلك وصلى خارج الكنيسة؛ خشية أن يتخذ المسلمون من ذلك ذريعة للاستيلاء على الكنيسة، وهو أمر حمده له المسيحيون؛ تقديرًا منهم لهذه الخطوة التي تكشف في جلاء عن احترام المسلمين للأصول الدينية لبيت المقدس(4).

 

ثم قام سيدنا عمر بعد زيارته لكنيسة القيامة بجولة للحفر والتنقيب عن المعالم المعمارية المرتبطة بالأصول الدينية لبيت المقدس، وذلك على هدى ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم عن تلك الأصول في حديثه عن الإسراء به إلى بيت المقدس، وكانت تلك المناطق مليئة بأكوام من الأتربة، وقد علاها الزبل والتراب والمخلفات الكثيرة التي غطت المعالم الهامة بسبب الإهمال الشديد لشئونها من جانب الروم قبل الفتح الإسلامي، واستشار سيدنا عمر رضي الله عنه بعض المسلمين من اليهود السابقين والذين صحبوه في الزيارة وعلى رأسهم كعب الأحبار فقد سأله سيدنا عمر قائلاً: يا أبا إسحاق أتعرف موضع الصخرة؟ قال أذرع من الحائط الذي يلي وادي جهنم، وهو السور الشرقي لبيت المقدس، ثم احفر فإنك تجدها، وأخذ سيدنا عمر يتابع أعمال التنقيب في تلك المنطقة عن مكان الصخرة والمسجد الذي صلى به النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء واضعًا نصب عينيه الرواية التي سمعها من الرسول الكريم ليلة أُسري به إلى المسجد الأقصى، وكان سيدنا عمر يراجع المرافقين له ومعهم البطريرك "صفرنيوس" حين يدلونه على  مكان لا يجد أوصافه تنطبق على ما لديه من دراية قائلا: لقد وصف لي رسول الله المسجد بصفة ما هي عليه هذه(5).

 

واستطاع سيدنا عمر بن الخطاب أن يصل بعد جهد إلى باب مسجد بيت المقدس وكان مطمورا بالأتربة التي تكاد تخفي معالمه ثم وصلوا حبوًا لكثرة الأتربة التي غطت المكان، حتى وصلوا إلى صحن المسجد، فنظر سيدنا عمر، وتأمل مليًّا في المكان ثم قال: هذا والذي نفسي بيده وصفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلب سيدنا عمر من خلفائه القائمين على شئون تلك المدينة من المسلمين بإعلاء قواعد وأسس المسجد؛ تأكيدًا للسيادة الإسلامية، كما أمر بإقامة مسجد في موضع المسجد الأول، كما أمر بإقامة ظلة من الخشب فوق الصخرة، وغدا سيدنا عمر بذلك أول من رفع قواعد المسجد الأقصى في الإسلام(6).

 

وصف مسجد عمر (المسجد الأقصى) عند بنائه

وصف عمارة هذا  المسجد العمري الذي شيده سيدنا عمر بن الخطاب أحد الحجاج المسيحيين في غرب أوروبا ويسمى اركولف؛ حيث زار بيت المقدس في ظل السيادة الإسلامية وذلك سنة 670م أي بعد 34 عامًا من استلام سيدنا عمر لتلك المدينة المقدسة فقال اركولف: يتردد الآن على مبنى مربع الشكل للعبادة وهو مبنى متواضع أنشأه من عروق خشبية ضخمة مرفوعة فوق مخلفات الخرائب، ويقال إن هذا المسجد يتسع لثلاثة آلاف من المصلين في وقت واحد(7) ويذكر العالم الأثري كريزويل أن مسجد عمر بُنِي من الخشب في أول عهده(8).

 

 الصورة غير متاحة

الصخرة الشريفة التي عرج النبي من عليها إلى السماء

ب- المسجد الأقصى وتجديداته في العصر الأموي:

مر مسجد عمر أو الذي أطلق عليه المسجد الأقصى بعديد من التجديدات والترميمات على مختلف العصور الإسلامية، وكان أول من اهتم به الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي قام بإقامة مسجد قبة الصخرة فوق الصخرة التي عرج منها النبي صلى الله عليه وسلم  إلى سدرة المنتهى، وتعتبر من أبدع العمائر الإسلامية التي ما تزال باقية إلى اليوم، وقد بدأ البناء لها سنة 66هـ/685م وانتهى من عمارتها سنة 72هـ/691م وقد تكلفت نفقات عالية خصَّصَّ لها الخليفة عبد الملك بن مروان خراج أغنى ولايات الدولة الإسلامية-وهي مصر- مدة سبع سنوات، وجاء تخطيط القبة على هيئة مُثَمَّن ليحيط بالصخرة المقدسة، ويحاول اليهود أن يروجوا أن المبنى المشيد فوق الصخرة المسجد الأقصى، وللأسف أن الإعلام الإسلامي حذا هذا الحذو عند نشر صور لقبة الصخرة على أنها المسجد الأقصى(9).

 

أما المسجد الأقصى الحقيقي هو المسجد الذي بناه ورفع قواعده سيدنا عمر،  ووجه الخليفة عبد الملك بن مروان الاهتمام إليه أيضًا؛ فشرع في تجديده سنة 65هـ/685م أي في نفس الوقت الذي شرع فيه في بناء قبة الصخرة، وقد استكمل بناء المسجد الجديد الخليفة الوليد بن عبد الملك والذي اعتمد بدوره على مصر في تزويده بمهرة العمال والصناع؛ لاستكمال المسجد، وهو ما تؤكده وثائق البردي في مصر في زمن الدولة الأموية(10).

 

وبعد أن كان المسجد من الخشب منذ تشييده في عصر سيدنا عمر استخدم في البناء كتلاً من الحجارة الكبيرة، كما تم توسيع هذا البناء فأصبح مستطيل الشكل؛ طول جدار القبلة 65م، وعرضه 50م، وينقسم إلى 21 بلاطة، والمحراب لم يكن يتوسط جدار القبلة؛ بل كان يجاور الدعامة الرابعة من غرب هذا الجدار، وتمتد على جدار القبلة بوائك عمودية وذلك فوق صفوف من الدعامات الموازية لجدار القبلة، ويدخل القادم إلى المسجد عن طريق 21 بابًا يوجد 11 بابًا منها بالجدار الشرقي، والعشرة الباقية بالجدار الشمالي(11).

 

وظل المسجد على حالته التي شيدها الوليد بن عبد الملك حتى أواخر الحكم الأموي؛ حيث وقع زلزال سنة 130هـ/746م سقط بسببه شرق المسجد وغربه.

 

ج- المسجد في العصر العباسي:

وفي العصر العباسي اهتم الخلفاء العباسيون اهتمامًا كبيرًا بالمسجد الأقصى ففي عهد أبي جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين أمر بقلع الصفائح الذهبية والفضية التي كانت على الأبواب، فضربت دنانير ودراهم، وأنفقت على المسجد حتى فرغت العمارة منه سنة 154هـ/771م وفي سنة 158هـ/774م حدث زلزال آخر فوقع البناء الذي أمر به الخليفة المنصور، وقيل إن الجزء الأعظم من المسجد هدم يومئذ ما عدا القسم الذي حول المحراب، ولما تولي الخليفة المهدي الحكم كان المسجد خرابًا فأمر ببنائه قائلاً: رث هذا المسجد، وطال، وخلا من الرجال، انقصوا من طوله، وزيدوا في عرضه، فتم البناء في خلافته سنة 163هـ/780م(12).

 

تجديدات المسجد الأقصى في العصر الفاطمي

في العصر الفاطمي حدث زلزال سنة 425هـ/1033م فخرب المسجد الذي عمره المهدي فأمر الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله في سنة 426هـ/1034م بعمارته، وسجل هذا التجديد الفاطمي في شريط كتابي موجود بالواجهة الشمالية لمربع القبة جاء فيه "بسم الله الرحمن الرحيم قد جدد هذا المسجد الأقصى سيد الأنام الأمير أبو الحسن الإمام الظاهر لإعزاز دين الله أمير المؤمنين ابن الحاكم بأمر الله وذلك سنة 427 وفي سنة 458هـ/1066 أمر الخليفة المستنصر بالله الفاطمي بتجديد الواجهة الشمالية للمسجد وسجل هذا التجديد في كتابة كوفية حفرت بالحفر البارز على الحجر على الواجهة التي تم تجديده لها نصها: بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب أمر بعمل هذا الوجه مولانا وسيدنا معد أبو تميم الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى سلفه وخلفه في نظر الأمير الأجل الأعز علم الملك ناصر الدولة ذي الفضيلتين وجرى ذلك على يد الحسن بن علي الأنصاري المعروف بالأجوف سنة ثماني وخمسين وأربعمائة(13)".

 

التخريب الصليبي للمسجد الأقصى

 الصورة غير متاحة

خريطة لموقع المسجد الأقصى

من المعروف تاريخيًّا أن الصليبيين انزلوا بالمسجد الأقصى والعمائر الإسلامية في بيت المقدس الكثير من معالم الطمس والتشويه والإضرار، وذلك على امتداد 90 عامًا تبدأ باحتلالهم القدس سنة 493هـ/1099م وتنتهي سنة 583هـ/1187م حيث تم تحرير القدس في حطين، وجرت خطة الصليبيين في تخريب العمائر الإسلامية بإخفاء معالم المسجد الأقصى عقب احتلالهم مباشرةً لبيت المقدس حيث جعلوا قسمًا منه كنيسة واتخذوا آخر لذخائرهم وأسلحتهم، كما أقاموا جنودهم واستخدموا المسجد ليخفوا معالمه وشاراته الإسلامية، ومنها إقامتهم جدارًا أمام محراب المسجد لإخفائه، ثم أضاف الصليبيون إلى البناء الأصلي للمسجد بعض القناطر المعقودة إمعانًا في إخفاء معالمه الأصلية، وكذلك إخفاء اسمه حيث صاروا يطلقون عليه اسم "معبد سليمان"(14).

 

أما على مستوى تخريبهم قبة الصخرة فقاموا ببناء مذبح فوق الصخرة وملئوه بالكثير من الصور والتماثيل، أما الصخرة نفسها فقد أحاطوها وفصلوها عن باقي بناء القبة، ثم أخفوا معالمها تمامًا، وذلك بكسوتها بالرخام بحجة الحيلولة بين القسس وما دأبوا عليه من اقتطاع أجزاء من تلك الصخرة وبيعها بوزنها ذهبًا في بلاد أوروبا، وانتهى الأمر في مسلسل هذا الإخفاء الصليبي بأن اتخذته إحدى مجموعات الصليبيين مقرًّا لها وأطلقوا عليه اسم هيكل السيد العظيم(15).

 

تجديدات وعمارة صلاح الدين للمسجد الأقصى

عندما استرد صلاح الدين بيت المقدس سنة 583هـ/1187م أمر بإصلاح العمائر الإسلامية في القدس، واعتبر ذلك صفحةً مشرقةً في جهاده الرائع والخالد ليس في ميدان دحر العدوان فحسب بل في ميدان إزالة آثار هذا العدوان على بيت المقدس، فبعد استلامه للمدينة تفقد صلاح الدين مع مرافقيه آثار العدوان الصليبي وشاهدوا التخريب الذي أصاب العمائر الإسلامية، وخاصة المسجد الأقصى مما حدا ببعض مرافقيه، والذي استبد الغضب والسخط عليهم لما شاهدوه من تخريب فاقترحوا على صلاح الدين هدم كنيسة القيامة حتى يحولوا بين الصليبيين وزيارتها، ولكن صلاح الدين أبى والتزم بسياسة سيدنا عمر بن الخطاب حين استلم القدس وحافظ على كنيسة القيامة، ورد صلاح الدين على أولئك المطالبين بهدم كنيسة القيامة قائلاً: إنه لا يستطيع أن يخالف أمرًا أقرَّه الخليفة عمر بن الخطاب بهذا المكان المسيحي المقدس(16).

 

أول إصلاح قام به صلاح الدين بالمسجد الأقصى هو إعادة شعائر الصلاة بالمسجد، فأقيمت به صلاة الجمعة الموافقة 4 شعبان سنة 583هـ/ 19 أكتوبر 1187م، وتناول خطيب صلاة الجمعة الشيخ محيي الدين بن محمد بن علي القرشي ابن الذكي الأصول الإسلامية لبيت المقدس ومكانتها فقال: أيها الناس ابشروا برضوان الله واشكروه على ما يسر علي أيديكم من استرداد هذه الضالة بيت المقدس وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي الكفار المشركين قرابة مائة عام، وتطهير البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه فهو موطن أبيكم إبراهيم ومعراج نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، وهو المسجد الأقصى الذي صلى فيه نبي رب العالمين بالنبيين والمرسلين والملائكة المقربين، فطوبى لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية (17).

 

ثم أمر صلاح الدين بسرعة إزالة التعديات المعمارية التي أنزلها الصليبيون بالمسجد الأقصى، وذلك بهدم الحوائط الداخلية التي أقاموها لإخفاء معالم هذا المسجد بخاصة المحراب الرئيسي، وتابع صلاح الدين تجديد المسجد وإضفاء الجلال والجمال على مساحته، وشمل التجديد نقل المنبر الذي كان السلطان نور الدين محمود قد أعده للمسجد سنة 564هـ/1168م وكان من أجمل المنابر وأدقها صناعة ووضعه صلاح الدين على يمين المحراب، وظل في مكانه إلى أن أحرق على يد اليهود عند حرقهم للمسجد في 21 أغسطس سنة 1969م، وتابع صلاح الدين تجديد المسجد الأقصى وشمل التجديد الحياة العلمية له بتزويده بالفقهاء والعلماء والكتب والمصاحف، وبدأت الزيارات لجمهور المسلمين للمسجد، فيذكر السيوطي هرع الناس من كل صوب إلى المسجد الأقصى ومن كل فج عميق وسلكوا إليه في كل طريق وتوافد الراكع والساجد والخاشع والحاكم والشاهد والجاهد والمجاهد والقايم والقاعد (18).

 

كما أولى صلاح الدين عناية أيضًا بمسجد قبة الصخرة، وبادر بتجديده وكان التجديد خطوة بخطوة مع المسجد الأقصى حيث كشف عن الصخرة التي أخفاها الصليبيون يكسوها بالرخام فأمر بإزالة الرخام حتى عادت الصخرة إلى وضعها الأصلي وأزال ما بها من صورة وتماثيل ونظفت من الصلبان، والرهبان والخنازير وغسلت الصخرة بالماء الطاهر وبماء الورد (19).

 

فيذكر السيوطي أمر السلطان بكشف نقابها ورفع حجابها وحسر لثامها وكسر رخامها فعادت كما كانت في الزمن القديم واستجلى الناظرون وجه حسنها الوسيم (20) وشملت عمارة صلاح الدين الأسوار والعمارة الحربية ولكن المجال لا يتسع لذكرها.

 

عمارة المسجد الأقصى في العصر المملوكي

 الصورة غير متاحة

مسقط أفقي للمسجد الأقصى

في العصر المملوكي توالت أعمال التعمير والإصلاح في المسجد الأقصى ففي سنة 686هـ/1287م عمر الملك المنصور سيف الدين قلاوون سقفه من ناحية القبلة، وفي عهد ابنه الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة 729هـ/1228م، ثم وضع الرخام في صدر المسجد على يد الأمير ناصر الدين ناظر الحرمين في القدس والخليل وعمارة السور القبلي عند محراب داود وفتح الشباكين على يمين المحراب ويساره، وأثبت ذلك في نص فوق الشباك غربي المنبر وفي زمن أولاد الناصر محمد وخاصة السلطان شعبان والسلطان حسن فقد تم تجديد أبواب المسجد الأقصى الخشبية وذلك سنة 778هـ/1376م.

 

وفي زمن المماليك الجراكسة وخاصة في زمن الملك الأشرف إينال فقد كلف ناظر الحرمين الأمير عبد العزيز العراقي المشهور بابن العلامة وذلك سنة 865هـ/1460م بعمارة وتجديد المسجد كما أجرى السلطان قايتباي عمارة أخرى للمسجد سنة 894هـ/1488م وكان آخر تجديد وعمارة للمسجد الأقصى في العصر المملوكي كانت على يد السلطان الغوري، وقد سجل ذلك في كتابة على العضادة الكائنة بين الباب الثالث من اليمين والباب الكبير(21).

 

الشكل المعماري للمسجد الحالي

المسجد الحالي مستطيل الشكل طول ضلعه من الداخل 80م، وعرضه 55م ومساحته 4500م2 وهو ممتد من القبلة إلى الشمال في سبعة أروقة أوسعها الرواق الأوسط وأسقفها محمولة على 53 عمودًا من الرخام الملون و49 دعامة من الحجارة وارتفاع الأعمدة والدعامات 6م وميز المعمار سقف الرواق الأوسط بأن جعله أعلى الأورقة الستة الباقية وفي سنة 1943م/1363 زخرف سقفه الخشبي برقائق من الذهب وفي صدر المسجد قبة مصنوعة من الخشب مزينة بالفصوص الذهبية الملونة بالفسيفساء وفيها النقوش والكتابات العربية الجميلة وتكسو خوذة القبة من الخارج ألواح خشبية مصفحة بألواح من الرصاص وهذه الخوذة محمولة على رقبة القبة المستديرة التي تكسى من الداخل بالفسيفساء وتحملها أربعة عقود ترتكز على أعمدة ودعامات مربعة من الرخام وهذه الدعامات والأعمدة الثمانية جددت سنة 1926م/1246 وللمسجد 11 بابًا؛ سبعة منها بالجانب الشمالي للمسجد المواجه لقبة الصخرة وواحد في الجانب الشرقي واثنان في الجانب الغربي وواحد في الجانب الجنوبي (22).

 

هذه إطلالة على عمارة المسجد الأقصى والتي تمثل وتعبر عن مكانة المسجد في نفوس المسلمين حكامًا ومحكومين، ورعايتهم للمقدسات الإسلامية وعمائرها بمدينة القدس الناطقة بعروبتها وطابعها الإسلامي.

---------

هوامش:

(1) عبد التواب مصطفى، قضية القدس دراسة في أبعادها التاريخية والدينية والسياسية والقانونية سلسلة قضايا إسلامية، العدد 139 المجلس الأعلى للشئون الإسلامية وزارة الأوقاف القاهرة 2006م، ص42.

(2) محمود حمدي زقزوق، المسجد الأقصى في الكتاب والسنة بحث مقدم إلى ندوة القدس ماضيها وحاضرها جامعة الأزهر بتاريخ 20/11/1995م، ابن الجوزي تاريخ بيت المقدس تحقيق محمد زينهم عزب مكتبة الثقافة الدينية، ص 35: 37.

(3) أحمد كمال الطوبخي لن تلقى مثل عمر، ص239: 241.

(3) الطبري تاريخ الرسل والملوك ج3 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ص608 جمال عبد الهادي أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ الطريق إلى بيت المقدس، القضية الفلسطينية، ج1 دار الوفاء، الطبعة الثانية 1988، ص56.

(5) أحمد رمضان أحمد، مضامة رقم (1) ضمن كتاب إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى القسم الثاني مركز تحقيق التراث الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 1984م ص177 طه الولي، المساجد في الإسلام دار العلم للملايين، الطبعة الأولى بيروت 1988م، ص 422:423.

(6) السيوطي إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى القسم الأول ص 236.

(7) أحمد رمضان أحمد، مضامة رقم(1) القسم الثاني من كتاب إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى، ص179.

(8) كريزويل، الآثار الإسلامية الأولى ترجمة عبد الهادي عيلة.

(9) سعاد ماهر العمارة الإسلامية على مر العصور ج1 دار البيان العربي جدة 1985 ص 200:206.

(10) كريزويل، الآثار الإسلامية الأولى.

(11) أحمد عبد الرازق، أضواء جديدة على المسجد الأقصى المجلة التاريخية المصرية المجلد 27، الجمعية المصرية للدراسات التاريخية 1981، ص78.

(12) حسن الباشا، المسجد الأقصى، مقال ضمن كتاب موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية المجلد 1، مطبعة أوراق أندلسية، القاهرة 1999م، ص90 فريد شافعي، العمارة العربية في عصر الولاة، ص243.

(13) حسن الباشا، المسجد الأقصى، ص90.

(14) سوسن سليمان، تجديد العمائر الإسلامية في بيت المقدس على عهد صلاح الدين الأيوبي، مقال بمجلة كلية الآثار جامعة القاهرة العدد الخامس 1991م، ص284.

(15) أحمد عبد الرازق أضواء جديدة على المسجد، ص90.

(16) ابن شداد، النوادر السلطانية تحقيق جمال الدين الشيال 1964، ص58 سوسن سليمان، تجديد العمائر الإسلامية في بيت المقدس، ص287.

(17) أبو شامة، الروضتين في أخبار الدولتين، ج2، ص108.

(18) سوسن سليمان، تجديد العمائر الإسلامية في بيت المقدس، ص 290:291.

(19) جمال عبد الهادي، أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ الطريق إلى بيت المقدس ص114:115.

(20) السيوطي إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى القسم الأول، ص271.

(21) حسن الباشا، المسجد الأقصى، ص91.

(22) عبد الله كامل، الأمويون وآثارهم المعمارية في الشام والعراق والحجاز، دار الآفاق العربية، ص95، حسن الباشا، المسجد الأقصى، ص91.

-------------

* ماجستير آثار إسلامية