قضية الدور السياسي للحركات الإسلامية ما زالت موضع الكثير من الجدل والاختلاف، سواء داخل الحركات الإسلامية نفسها، أو داخل النخب السياسية، خاصةً النخب العلمانية، وهناك العديد من الجوانب التي تثار حول تلك القضية، ومنها ما يخص قدرة الحركات الإسلامية على تأسيس أحزاب سياسية، وما يخص العلاقة بين الجماعة أو الحركة الإسلامية والحزب السياسي، ومنها ما يخص فكرة تحوُّل الحركة الإسلامية إلى حزب سياسي بديل عن الحركة أو الجماعة.

 

وتلك القضايا في مجملها تدور حول أهمية تأسيس حزب سياسي بالنسبة للحركة الإسلامية، وهل هو اختيار من الحركة الإسلامية؟ أو حل مفروض عليها حتى يقبل نشاطها السياسي في المجال العام؟ وهل يجوز فرض تصور معين على الحركة الإسلامية؟ وهل هذا الحل ناتج من موقف سياسي علماني يقوم على الفصل بين الدين والسياسة؟ وهل تأسيس الحركة الإسلامية لحزب هو نوع من الفصل بين الدين والسياسة؟

 

تلك القضايا في الواقع تحتاج إلى نظرة من داخل الحركة الإسلامية نفسها، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، ومن داخل مشروعها، حتى يمكن التوصل إلى تصور يناسب الحركة الإسلامية، ويحقق لها تطور نشاطها السياسي، وفي نفس الوقت يحقق القدر المطلوب من التوافق على قواعد العمل السياسي التي تناسب مختلف التيارات السياسية، وتسمح بتأسيس التعددية السياسية، ومن ثم التداول السلمي للسلطة.

 

ضرورة الجماعة

من المهم النظر إلى مدى حاجة الحركة الإسلامية لتأسيس حزب سياسي، فهل تحتاج جماعة الإخوان المسلمين إلى تأسيس حزب سياسي، أم أن المسألة فرضت عليها بسبب الفكر السياسي الغالب، والذي يركز على ضرورة قيام أحزاب سياسية؟

 

هنا نجد أنفسنا بصدد البحث عن أهداف وغايات الجماعة، فجماعة الإخوان تهدف إلى إصلاح الأمة وتحقيق وحدتها، وإقامة نظام سياسي يستند إلى المرجعية الإسلامية؛ مما يؤدي في النهاية إلى تحقيق النهضة الحضارية للأمة الإسلامية، والجماعة تدعو إلى هذا الفكر، فمنهج الجماعة يقوم على الدعوة للفكرة بين الناس، وعلى كسب الأعضاء وتأسيس مؤسسة الجماعة التي تعتمد على التربية، وهذه الجوانب تمثل دور الحركة الاجتماعية، والتي تدعو الناس لرؤيتها، ثم تضم من يؤمن بفكرتها إلى تنظيم، يقوم بنشر الفكرة وتنفيذها في الحياة العملية من خلال نشاط جماعي منظَّم.

 

لهذا نرى أن فكرة تأسيس مشروع حضاري من أجل إصلاح حال الأمة وتحقيق نهضتها، هي مسألة تعتمد أساسًا على نشاط الحركة الاجتماعية، أي أن الحركة تعمل بين الناس من أجل تكوين تيار داخل الأمة يؤمن بالفكرة ويحققها في حياته، ومن ثم تتغير أحوال الأمة، وهذا العمل يعتمد أساسًا على العمل بين الناس، وداخل المجتمعات، وهو يهدف إلى تأسيس قاعدة اجتماعية تؤمن بفكرة المرجعية الحضارية وتطبقها في حياتها أولاً، وتدعو الآخرين لها، فإذا أصبحت الفكرة غالبة بين الناس تحقق لها التوافق الكافي؛ لتصبح هذه الفكرة هي الإطار الحاكم لتوجه الأمة في المستقبل.

 

بهذا نقول إن إصلاح الأمة مهمة تقوم بها الحركات الاجتماعية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، والعمل الاجتماعي عمل مستمر لا ينقطع؛ لأن الحركة الاجتماعية تظل هي المنظم لحركة التيار الذي يؤمن برؤيتها في كل المراحل، أي في مرحلة التأسيس، وحتى مختلف مراحل التنفيذ والتحقيق، ولهذا نرى أن الحركة الاجتماعية مهمة وضرورية في مشروع الإخوان المسلمين.

 

الحاجة للحزب السياسي

إذا كانت الجماعة أو الحركة الاجتماعية هي الأهم، فما الحاجة إذن إلى الحزب السياسي؟ هنا نحتاج إلى تعريف المقصود بالدور السياسي، فكل حركة اجتماعية تقوم بدور سياسي، ومعظم الحركات الاجتماعية الكبرى التي شهدها التاريخ، قامت بالفعل بدور سياسي مهم، فالحركة الاجتماعية تؤثر على المجال العام، وتؤثر على الرأي العام، وتشكل رأي الناس تجاه القضايا الكبرى، والأهم من ذلك، أن الحركة الاجتماعية تُكوِّن لدى الناس رؤيةً وتصورًا عن المستقبل المنشود؛ مما يؤدي إلى تشكل الرأي العام بصورة تفرض على النظام الحاكم تصورًا معينًا عن الحاضر والمستقبل، وبالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، فهي تنشر بين الناس رؤية تقوم على صنع المستقبل من خلال المرجعية الإسلامية، وكلما انتشرت هذه الفكرة بين الناس، أصبح النظام الحاكم أمام تحدٍّ يتمثل في وجود توجه معين لدى الناس يفرض عليه تغيير سياسته أو مواقفه.

 

بهذا نرى أن الحركة الاجتماعية تشكل الرأي العام السياسي، وتوجه الجماهير نحو مطالب معينة، وهي لا تحتاج لإنشاء حزب سياسي حتى تقوم بهذا النشاط. فكل المؤسسات الاجتماعية والإعلامية والدينية، تؤثر على الرأي العام، في مختلف القضايا، ومنها القضايا السياسية، ولكن تظهر الحاجة لتأسيس الحزب السياسي، عندما تقرر أي حركة اجتماعية أنها سوف تخوض غمار التنافس السياسي، لتحقق الأغلبية وتصل إلى السلطة، وتحكم بنفسها، ومن ثم تقوم بعملية الإصلاح السياسي بنفسها، وتقوم أيضًا بتحقيق رؤيتها السياسية بنفسها، هنا نكون بصدد مهمة مختلفة، تحتاج إلى إقامة مؤسسة خاصة بها.

 

والقول بأن التنافس للوصول إلى السلطة لا يمكن أن يتم إلا من خلال أحزاب سياسية، يقوم أساسًا على فكرة التخصص المؤسسي، والتي توجد في القوانين الحالية، والبعض يرى أنه يسمح أيضًا بالتمييز بين العمل الديني والعمل السياسي، يضاف إلى ذلك أن الحزب تُفتح عضويته للمسلم وغير المسلم، أي لكل من يؤمن بمشروعه السياسي، أما الحركة الإسلامية فعضويتها تكون للمسلم فقط، لأنها تمارس نشاطًا دينيًّا، ولكن الأمر في تصورنا يتعدى ذلك، حيث نرى أن تمييز العمل السياسي التنافسي، عن الحركة الاجتماعية، مفيد لمشروعها في حد ذاته.

 

وهذا يجعلنا ننظر إلى التجارب التي قامت على فكرة تحول الجماعة إلى حزب سياسي، فهذه التجارب أثرت على دور الجماعة، وحصرت نشاطها في العمل السياسي الحزبي، وحمَّلت الجماعة باختلافات السياسة، كما أثرت على مدى التأييد الجماهيري لها، أو ربطت التأييد الجماهيري الذي تحظى به الجماعة، ليس بمدى تأييد مشروعها، بل بمدى نجاحها في المجال السياسي.

 

يضاف إلى ذلك، أن الحركة الاجتماعية تدعو الجميع لرؤيتها، فهي تهدف إلى توحيد الناس، أما الحزب السياسي فيقوم نشاطه على التنافس مع الآخرين، والحزب السياسي يقدم رؤية تفصيلية لفترة زمنية محددة، وهذه الرؤية قد تصلح أو تفشل، وقد يغيرها الحزب بعد ذلك، فالرؤى التفصيلية تتوقف على الظروف الراهنة، وترتبط بها، ثم تتأثر بالتجربة نفسها، أما الحركة الاجتماعية، فهي تمثل الفكرة الأساسية والمبادئ العليا، وتدعو الناس لها، وهو ما نجده في خطاب جماعة الإخوان المسلمين، حيث يتضح أن الجماعة لم تحاول ربط نفسها بفكرة تفصيلية ما، بل ركزت على المبادئ العليا، والجماعة يمكنها أن تقبل العديد من الطرق أو الوسائل لتحقيق هدفها، ولكن الحزب يكون له طريق واحد، وهو الوصول للسلطة لتطبيق الرؤية التي يحملها، والتي تنادي بها الجماعة، ونقصد من هذا أن الحزب في حد ذاته هو قرار بالتنافس للوصول إلى السلطة، ولكن الجماعة تمثل حركة اجتماعية تؤثر على السلطة الحاكمة ولكنها لا تنافسها، ودخول الحركة الاجتماعية في الانتخابات، كما تفعل جماعة الإخوان المسلمين، لا يمثل تنافسًا للوصول إلى السلطة، ما دام يهدف إلى تحقيق قدر من الوجود والمشاركة السياسية، والتي تساعد الجماعة على نشر رؤيتها، نعني بهذا أن مجرد الدخول في الانتخابات يختلف عن صدور قرار بالمنافسة على الوصول للسلطة.

 

رؤية مختلفة للجماعة والحزب

هنا تصبح الحاجة لتأسيس الحزب السياسي، ترتبط بالرغبة في الوصول إلى السلطة لتحقيق الرؤية السياسية التي تحملها الجماعة، فعندما تقرر جماعة الإخوان المسلمين أنها سوف تحمل مشروعها السياسي بنفسها وتعمل على تطبيقه في المجال السياسي بنفسها، عندئذ تكون الجماعة في حاجة لبناء مؤسسة سياسية تقوم بهذه المهمة، وهي الحزب السياسي.

 

وإذا كانت جماعة الإخوان المسلمين قد حددت في أدبياتها ومنذ عهد المؤسس حسن البنا، أنها سوف تؤيد من يحمل مشروعها السياسي، ولن تطلب السلطة إلا إذا لم تجد من يحمل مشروعها في المجال السياسي، فالتجربة التاريخية أثبتت تزايد احتمال أن تكون جماعة الإخوان المسلمين هي المكلفة بتحقيق مشروعها في المجال السياسي، مع تضاؤل احتمال ظهور حزب سياسي حاكم أو نخبة حاكمة، تحمل مشروع الجماعة وتحظى بتأييدها.

 

لذا نرى أن تأسيس الحزب السياسي هو ضرورة لمرحلة الإصلاح السياسي، وتلك المرحلة هي الحلقة الوسيطة بين مرحلة الإصلاح الاجتماعي، ومرحلة توحيد الأمة وتحقيق نهضتها واستقلالها، وحتى تكمل جماعة الإخوان المسلمين مشروعها، سيكون عليها المرور بالمرحلة السياسية، أي مرحلة تأسيس نظام سياسي يقوم على المرجعية الإسلامية، ولذا يصبح تأسيس الحزب بالنسبة لجماعة الإخوان ضروريًّا، عندما يكون عليها الولوج إلى المرحلة السياسية.

 

وهنا يمكنا إعادة تعريف العلاقة بين الحزب والجماعة، فما بينهما هو تقسيم عمل، ولكنه ليس تقسيمًا للعمل بين الديني والسياسي، بل هو تقسيم للعمل بين الدعوة السياسية العامة، والعمل السياسي التنافسي، نقصد من هذا أن الجماعة تقوم بنشر رؤيتها الشاملة، ومنها رؤيتها السياسية، وهي بهذا تمارس نوعًا من الدعوة السياسية، والدعوة السياسية، هي عملية لنشر رؤية سياسية معينة، ولكن في مبادئها العامة، وسيظل هذا هو دور الجماعة، قبل الحزب وبعده، والحزب السياسي أيضًا، يقوم بنشر الرؤية السياسية العامة، ويعلن مبادئها الأساسية، ولكنه يقدم في الوقت نفسه تصورًا تفصيليًّا ومرحليًّا لكيفية تطبيق هذه الرؤية في مكان وزمان محدد، وهذا هو الاختلاف الأول، فالحزب مرحلي ومؤقت في برامجه، كما أن الحزب تنافسي، لأنه يقدم نفسه للناس في الانتخابات، حتى يحصل على تأييد الناس في مواجهة منافسين آخرين، وهذا هو الاختلاف الثاني المهم، فالجماعة تقدم رؤيتها للناس بهدف تحقيق وحدة الأمة، أي أنها تقدم رؤية عامة جامعة، أما الحزب ولأنه يكون مُطالبًا بتحديد مواقف محددة لظرف محدد، فهو يقدم رؤيته في مقابل رؤية الآخرين.

 

نخلص من هذا إلى أن تأسيس الحزب السياسي ضرورة بالنسبة لمشروع جماعة الإخوان المسلمين، وأنه يمثل تقسيم عمل بين العمل التنافسي السياسي، وبين الدور الديني والمجتمعي والسياسي العام، وعلاقة الحزب بالرؤية الشاملة لجماعة الإخوان، تقوم أساسًا على أن رؤية جماعة الإخوان المسلمين تضم رؤيتهم للمبادئ العامة الحاكمة للعمل السياسي وللنظام السياسي، وتلك المبادئ العامة تصبح هي الرباط بين الجماعة والحزب، ومن خلالها يقدم الحزب رؤيته التفصيلية، ويبقى نشاط الحزب منحصرًا في عملية التنافس السياسي، ويبقى نشاط الجماعة كحركة اجتماعية مستمرًّا.