علم الله أنه لا عدم الرضا يفزعنا، ولا إنكار الرافضين يخرجنا عن أسلوب ديننا في حالتي الرفض والرضا.

 

إن رفضنا في أدب المسلم وعزة الرجل المحق لا يهم إلا الحق، والوقوف إلى جانب الحق، والانتصار للحق، وإذا رضينا ففي رضاء العاقل المتزن الأبي الكريم، لا طبل ولا زمر، ولا تهليل ولا هتاف.

 

الناس يعارضون بعض المواقف أو أكثرها أو كلها بحق وبغير حق، ونحن نعارض المواقف التي تستحق المعارضة وتستلزمها، ولكن بحق وعن اقتناع، والفارق بيننا وبينهم هو الدوافع والأسلوب والهدف.

 

نحن إذا انتقدنا ننتقد وصدورنا خالية من الإحن، مليئة بحب الخير للناس، صافية المعين؛ لأنها تصدر عن وعي إسلامي، همه النصح قبل النقد، والتوجيه قبل التشهير، ولا يدفعنا لمن ننتقد كره أو حزازات.

 

نحن إذًا ننتقد؛ لا يدفعنا تعليق بحكم فقدناه ونحاول استرجاعه، ولا مناصب سُلبت منا وكانت تجلب لنا المال الحرام، ما نريد العودة إلى ملء خزائننا منه.

 

نحن إذا انتقدنا؛ فلحرصٍ بالغٍ على مصالح المسلمين خاصة وغيرهم عامة؛ حتى لا يطغى فريق على فريق، أما غيرنا فدوافعه إلى النقد كثيرة.. منها الغيرة والحسد والحسرة على أوضاع ضاعت والرغبة في الحكم والسلطان وهيلمانه الدنيوي، وربما كان الأمر سببه الطمع في زعامة الأمة، فإن افتقدها حاكم من الحكام سعى إليها بالتشهير والمؤامرات، وهكذا تضيع الأموال والثروات، في فساد وإفساد.. وأمور تسره العدو، هذا العدو الذي يناصر بعضهم في موقف، ويدفع البعض الآخر لمهاجمه وتجريحه.

 

إن أمريكا اليوم وموقفها معروف من التفاوض بين مصر واليهود، تمد مصر بكل أنواع المساعدة، وفي نفس الوقت تمد سوريا بكل أنواع المساعدة التي تمد بها مصر، وهي أيضًا الحليفة المخلصة للسعودية التي تعارض مصر في موقف اليوم؟

 

ونحن إذا انتقدنا؛ ففي أسلوب المسلم العفيف النظيف بوسيلة المسلم الطاهرة، إن الذين اعتادوا الصراخ، يرون في الصوت الهادئ الهادف ضعفًا، وهم معذورون لأن المخلوق الذي أعطى صوتًا دويًّا، لا يصح أن نطلب منه أن يترنم ويشدو، والمخلوق الذي أعطى صوتًا هادئًا لا يمكن أن نكلفه من الأصوات ما لم يرتكب في طبيعته، وكلٌّ ميسر لما خُلِقَ له، إن الله وصف الذين يصيحون بمحمد عليه الصلاة والسلام من وراء الحجرات بضعف العقل وضالة التفكير.

 

إننا نعارض ما كان للمعارضة داعٍ، وننصح ما كان للنصح من دافع، ونحن نعلم علم اليقين ما يكلفنا هذا الموقف من تبعات، ولكن متى أقام الدعاة إلى الله للأخطار التي تتربص بهم وزنًا، أو متى أوقفتهم عن المضي إلى غايتهم، غاية الأمن والعقيدة والخير، إن أخوف ما يخافه الناس لا يحرك فينا شعرة، ومن اختار ما عند الله استهان بكنوز الأرض وزخرفها الفاني.

 

لقد أشارت كثير من الإذاعات الخارجية إلى معارضة مجلة (الدعوة) للزيارة والوثيقتين كما نقلتها بعض الصحف، ونحن على يقين بأن تلك الإذاعات لا تريد بنا خيرًا، أو أنها راضية عن هذه المعارضة، وإلا كنا من البلاهة في المستوى الذي تتوهمه تلك المحطات الإذاعية، وهل يظن أبله إن موسكو راضية عن الإخوان المسلمين، الذي تؤمن بالشيوعية وزعماؤها في كل مكان أنهم العقبة المستعصية أمام كل انحلال خلقي أو عقيدي؟ إنهم لا يريدون بنا إلا الشر بإثارة هذا وذاك علينا، ونحن نقول لهؤلاء وأولئك: إننا يوم عارضنا إنما أزحنا عن خواطرنا كل تصرفات المسئولين، وقلنا ما نؤمن به لا حماسًا ولا بطولةً، ولكن إيمانًا وعقيدة ويقينًا.

 

إن غيرنا يعارض ويؤلف أحزابًا تعارض؛ ليصل للحكم، وغيرنا يتخذ كافة الوسائل التي تقربه من الحكم؛ التقت هذه الوسائل مع شرع الله أم لم تلتق، غيرنا يتخذ الإذاعات والتهم وسيلة من وسائل الحكم، غيرنا يضع لحزبه برامج لا صلة لها بشرع الله؛ ليمضي في تخطيطه، ويؤدي الأمر إلى اختلاف أبناء الأمة باختلاف أحزابهم وبرامجهم وخروجها عن شرع الله، وقد يجيء رئيس الحزب ببرنامج ويجيء آخر ببرنامج آخر نحو أهدافٍ لا تمت لمصالح الأمة ونفعها بسبب، تؤدي لإضرار لا تظهر آثارها مهولةً رهيبةً إلا بعد أن تكون واقعًا.

 

إننا نعارض لهدف كريم لا يتغير بتغير الناس، ولا يزول بمضي اليوم. هدف دعا الله الناس إليه منذ خلق الأرض وأسكن فيها الآدميين واستخلفهم فيها.. ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: من الآية 91)، فنحن نهدف إلى عبادة الله الواحد، ولا نعارض أحدًا لدنيا، ولا نحابي أحدًا عليها، ندعو الناس إلى هذا الهدف الكريم الجليل، فإن أتوا من الأقوال أو الأعمال ما يباعد بينهم وبينه، قمنا بدورنا؛ نبين لهم الصواب والحق، وأخذنا بأيديهم إلى الصالح، فإن استجابوا فازوا، وان أبوا فأمرنا وأمرهم إلى الله، وهو حسبنا ونعم الوكيل!!.

 

تلك هي دوافعنا إذا عارضنا، وتلك وسائلهم وهذه وسائلنا، ونعلن للناس اليوم كما أعلنا لهم بالأمس؛ ليعلموا- إن كانوا لم يعلموا بعد- أننا سنظل على ما نحن عليه، وسنعارض كل ما يستدعي المعارضة، وننتقد كل ما يوجب النقد؛ جهادًا في سبيل الله وإعلاءً لكلمته، ومحافظة على حقوق المسلمين، هذا الجهاد الذي أحست به الدنيا كلها، وناصبه أعداء الإسلام العداء، ويحاول الكثيرون أن يتجاهلوه أو يغافلوه إذا تحدثوا عن العاملين من أجل هذا البلد الإسلامي، فذكروا كل جهد إلا جهد الإخوان المسلمين، الذين لم يقدِّم أحد لأمتهم المسلمة مثل ما قدموه.

 

وليعلم الجميع إن كان هذا الإغفال عمدًا أو عفوًا، فإنه أمر يسعدنا؛ لأننا إذا قدمنا أو بذلنا أو ضحينا؛ فإن ذلك ابتغاء مرضاة الله، لا ابتغاء ذكر أو شكر أو منزلة عند مخلوق.

 

سنلقى من الناس ما نلقى، ولا نتوقع غير ذلك، أما التهديد المكشوف أو المستور فلا شأن لنا به؛ لأننا- بفضل الله- من ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)﴾ (آل عمران).

 

- شعارنا: حب الخير للناس جميعًا ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ (البقرة: من الآية 263).

 

- دافعنا: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (هود: من الآية 88).

 

- وسيلتنا: الدعوة ﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: من الآية 125 ).

 

- هدفنا: ﴿قُلْ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنعام: من الآية 91).