تردَّدت كثيرًا في الردِّ على زميلي الفاضل أ. د/ محمد أبو الغار فيما كتبه تحت عنوان "حوار مع طالب طب"، وكان تردُّدي لاعتبارات عدة، منها ما يلي:

1- حرصي على عدم التنابذ والاختلاف على صفحات الإعلام إلا فيما يفيد، مع اشتغالي بما هو أهم وأجدى.

 

2- دهشتي البالغة المفعمة بالأسى؛ وذلك لأن:

أ‌- أ. د/ أبو الغار حرص على اختيار طالب من الإخوان بالذات (وذلك لحاجةٍ في نفسه)، يبرزها وينبئ عنها طابع الأسئلة وطريقة عرضها، وهنا أتساءل: هل حاول الأستاذ الفاضل أن يحاور أحدًا من الطلبة المنتمين لتيار اليسار، أو من الطلبة الذين ينتمون إلى الحزب الوطني والأمن، أو ممن ينتمون إلى تيار "الإيموز" أو إلى أية اتجاهات أخرى.

 

ب‌- لقد كان للأسئلة طابعها الذي لا يتناسب مع طبيعة علاقة الأستاذ مع طلابه، الذي يتضمن الاتهام بين ثناياه، ولا أجد لذلك تفسيرًا!.

 

ت‌- في الوقت الذي تتحامل علينا الحكومة بنظامها الأمني البغيض وبقضِّها وقضيضها، وتجيِّش جحافل الأمن لتحاربنا في أفكارنا وأعمالنا وأرزاقنا، وتخرِّب بيوتًا عامرةً، وتحرم أسرًا من استقرارها وأمنها، لا لشيء إلا أن يقولوا ربنا الله؛ كنا نرجو وننتظر من كل منصف، ومن أصحاب المراكز العلمية المتميزة (أمثال الدكتور أبو الغار) أن يقفوا بجانب الحق، وأن يكونوا عونًا لنا لا علينا، وألا يتحامل الدكتور على ابنٍ من أبنائه محرِّضًا عليه ومندِّدًا بأفكاره بصورة مريبة.. ومشاركًا في هذا الهجوم العلماني الأعمى على كل ذي دين.

 

وأعود وأقول لزميلي الفاضل: أين أبوَّتكم وأين أستاذيتكم وحسن توجيهاتكم التي تنادون بها؟

كان الأجدر بك أن تتحرى من ابنك الطالب حقيقة ما يؤمن به، ما يعينه حقًّا برده عليكم، ثم تتعامل معه بمنطق الوالد والمعلم، وتصحِّح له ما جانبه الصواب، وتوضح له ما غفل عنه، بل لجأت إلى الصحافة وكأنما ترجو أن تكشف أسرارًا وتظهر عيوبًا.

 

يا سيدي.. يكفي هذا الطالب فخرًا أنه صرَّح لك بأن الالتزام بفكر جماعة الإخوان أعانه على الخير، وابتعد به عن الشر، وقد حفظه من التردِّي إلى مهاوي الرذيلة، التي انتشرت بين شبابنا وألهتهم عن واجباتهم، وأفرغت عقولهم وقلوبهم من الاهتمام بشأن أمتهم ودينهم، وشغلتهم بكل ما هو تافه ورخيص.

 

ويؤسفني أن أقول إننا لا نستطيع التمييز بين أخوَّة العقيدة والمنهج وأخوَّة الوطن وحقّه علينا؛ فليس بينهما تعارض على الإطلاق، ولا تلغي إحداهما الأخرى، فلكل خصائصه ولكل اعتباره وحقوقه.

 

وأسأل الأستاذ الفاضل: هل الانتماء العقدي حرام على الإخوان خاصةً والمسلمين عامةً؟ هل نظرتم حولكم ورأيتم ما يجري في العالم من انتماء عقيدي صليبي صهيوني؟! وهل نسي سيادته ما يجري في غزة تحت شعار إقامة الدولة اليهودية؟ وهل غفل سيادته عن تعبير بوش عندما دهم العراق وأفغانستان وتوعَّد بقية العالم الإسلامي بأنها حرب صليبية؟!

 

سيدي الدكتور.. إنما هُنَّا وتفرَّق جمعنا وشملنا عندما ذبلت معالم العقيدة ودعائمها في نفوسنا، وعندما شغلونا عن الأصول بالنعرات الطائفية والقومية والحدود الجغرافية الوهمية؛ تحقيقًا لبنود وثيقة كمبل (أواخر القرن التاسع عشر)، التي يتم تنفيذها بحذافيرها وبكل دقة على أرض الواقع.

 

وأسأل أخي الفاضل: أيها أزكى وأكرم: الانتماء إلى الأصل الرباني العقدي الموصول بالخالق أم الانتماء الأممي إلى روسيا الأم والصين الأم كما ينادي الفكر الشيوعي؟!

 

أما حرصك على إثارة الفتنة مع إخواننا الأقباط؛ فلن يستطع أحد- مهما أوتي- أن يغيِّر مفهومنا عن معنى علاقتنا مع إخوة الوطن، فحسن علاقتنا بهم دين نتعبد به إلى الله ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8).

 

ولقد كان لمؤسس جماعتنا الشهيد حسن البنا مستشارون أقباط (إسطفان باسيلي- فانوس أخنوخ- .. وغيرهم)، وما زال أخي الكريم أ. د/ رفيق حبيب المسيحي الإنجيلي خيرَ من يكتب منصِفًا ومفنِّدًا آراء الموتورين والمرجفين، معلنًا أنه مسيحي العقيدة إسلامي الحضارة.

 

وكعادتي أردُّ عليكم من الواقع العملي الذي عايشته مع شباب الإخوان وشيوخهم:

كان ذلك عام 1951.. عندما نادى منادي الجهاد لمقاومة المحتل الإنجليزي، وتحوَّلت الجامعات المصرية الثلاثة لساحة الجهاد، وكان طلاب الإخوان أحرص ما يكونون وقودًا لهذه المعركة، وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر أحمد المنيسي طالب الطب ورفيق دربه عمر شاهين طالب الآداب شهيدي معركة التل الكبير، مسجلَيْن تاريخًا ناصعًا مشرقًا على مر الزمان.

 

وما زالت أذكر ذلك اليوم الذى شهد موكب تشييعهما من جامعة القاهرة، وقد حمل الجثمان الأستاذ الدكتور عبد الوهاب مورو باشا مدير الجامعة والمرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ المرحوم حسن الهضيبي حتى مسجد الكخيا، يومها وقف الإخواني طالب الطب وائل شاهين شقيق الشهيد عمر شاهين، قائلاً: لقد قدمنا للشهادة عمر شاهين، وسنقدم فداءً لأمتنا ووطننا عُمرًا وعُمرًا.

 

ولا ننسى طالب إعدادي الطب ابن الثمانية عشرة ربيعًا "عادل غانم" الذي شارك أخويه أحمد المنيسي وعمر شاهين في موكب الشهداء ممثلاً لجامعة عين شمس، وكان في وداعه محمد كامل حسين باشا مدير الجامعة.

 

هكذا كان طلاب الطب وأقرانهم من الكليات الأخرى، وما زالوا نموذجًا للتفوق العلمي وحسن التعامل مع أساتذتهم وزملائهم.

 

سؤال آخر أوجِّهه لزميلي الفاضل: أين كان صوتك وحواراتك يوم اختُطف زميلك الأستاذ الدكتور محمود أبو زيد أستاذ جراحة الأوعية الدموية بكلية الطب بجامعة القاهرة والأستاذ الدكتور عصام عبد المحسن أستاذ التحاليل والمناعة بكلية الطب جامعة الأزهر، وصلاح الدسوقي أستاذ التشريح بجامعة الأزهر.. وحُوِّلوا إلى محاكمة عسكرية ظالمة بغير ذنب إلا أن يقولوا ربنا الله؟!!

 

وكنت أتمنَّى وأرجو أن تجمعني الأيام بالزميل العزيز والأستاذ المربِّي الفاضل المرحوم الحاج إبراهيم أبو الغار (وأحسب أنه قريبه) وهو أحد أبناء الرعيل الأول من الإخوان، والذين كان لهم فضل كبير في تربية أجيال كريمة من شباب الإخوان، والذين كانوا وما زالوا يقدمون المثل العليا في كل المجالات.

 

وأخيرًا..

زميلي الفاضل.. نحن أشدُّ ما نكون حاجة أن ننفض عن نفوسنا أدران التعصُّب وشوائب الفرقة والاختلاف، وأن نلتقي على كلمة سواء، نبتغي بها وجه الله ونواجه بها الفساد والاستبداد والطغيان الذي ضرب أطنابه في كل أركان حياتنا محولاً إياها إلى شقاء وتعاسة، وأن ننظر بعين الاعتبار والحذَر إلى دواعي التغريب (بحجة التنوير الكاذب)، والذي أودَى بقيمنا ومقدساتنا، وحاول طمس هويتنا وتشويه تاريخنا وتسفيه أحلامنا.

 

والله أسأل أن يهدينا وإياك سواء السبيل، وأن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

----------

* أستاذ الجيولوجيا بجامعة القاهرة وعضو مكتب الإرشاد.