تابعنا جميعًا الانتخابات الأخيرة التي جرت في بعض دول المنطقة المحيطة بنا، ورأينا مدى الحرية والنزاهة التي سادت العملية الانتخابية برمَّتها، وسعدنا بتلك الثقافة المحترمة التي انتشرت بين الأفراد والشعوب؛ من حرية التعبير، واحترام حق الآخر، وعدم الاستعداد مطلقًا للتزوير أو القيام بأي إجراءات شائنة.

 

وحينها تحسَّرنا جميعًا على بلدنا المنكوب "مصر" صاحبة التاريخ العريق، والحضارة الممتدة عبر ما يقرب من سبعة آلاف عام، وتذكَّرنا جميعًا ذلك الماضي العتيد الذي كان ينظر فيه الجميع إلى مصر ورجالات مصر؛ يقتدون بهم، وينهجون نهجهم، وينشرون أفكارهم؛ حتى أصبح الحال على ما نرى الآن من أوضاع مأساوية مخزية، جعلت المواطن المصري يتبرَّأ من مصريته، ويخجل من وضعه، ويواري وجهه من سوء ما يبشَّر به، وما يحاط به ليل نهار، حتى أصبحنا جميعًا نتغنَّى حزنًا وألمًا بقول الشاعر:

وما فتئ الزمان يدور حتى                 مضى بالمجد قوم آخرون

وأصبح لا يرى في الركب قومي           وقد عاشوا أئمته سنينا

دعوني من أمان كاذبات                     فلم أجد المنى إلا ظنونا

 

فقد عشنا تجربة انتخابات لبنان، ذلك البلد الممزَّق في عُرف الكثيرين، وتابع الجميع المعركة الانتخابية، ورأينا مدى الالتزام بالحرية المطلقة في أن يعبِّر كلُّ فريق عن رأيه، وينشر برنامجه ويجتمع بالناس، بل ويناظر الآخر، وفق ضوابط موضوعة دون خروج عن النسق العام، ورغم امتلاك البعض السلاح وانتشار المليشيات هناك؛ إلا أن الجميع التزم الأمر، وخرج المواطن اللبناني، سنيًّا وشيعيًّا ومسيحيًّا ودرزيًّا.. إلخ، يعبِّر عن رأيه عن قناعة، وينتخب من يريد، دون تدخُّل أمني سافر أو بلطجة شريرة!.

 

جاءت نتيجة الانتخابات التي لن تُرضي الكثيرين بطبيعة الحال، ولكن خرج الجميع تحت سقف الوطن الواحد؛ ليعلن رضاه عن النتيجة، أيًّا كان وضعها، وذلك في صورة محترمة قيمة.. فاحترم الجميع لبنان وثقافة شعب لبنان.

 

ثم كانت انتخابات إيران، ذلك البلد المهدَّد، وتنافس أمام رئيس الدولة أكثر من مرشح، طبقًا لدستور البلاد، وتنافس المرشحون جميعًا خلال فترة الدعاية في مجابهة بعضهم، وتبارَوا في عرض أفكارهم وبرامجهم، مع دحض برامج الآخر، والتقليل من شأنه، ولكن لم نلاحظ إسفافًا فجًّا، ولم يتدخل النظام أو الأمن في صفِّ نظام الدولة، ولم يعتقل أيًّا من المرشحين وأنصارهم.

 

وشاهد الجميع اصطفاف جميع طبقات الشعب الإيراني في طوابير ممتدة طوال فترة الاقتراع وما بعدها؛ إذ أصرَّ أكثر من 70% من الناخبين على الإدلاء بأصواتهم، وأن ينتخبوا بأنفسهم من يرونه الأصلح في تجربة غير موجودة في أنظمتنا العربية.

 

وجاءت نتيجة الانتخابات بفوز أحمدي نجاد بحوالي 63% من الأصوات وليس 99%، ولكن يبدو أن كمبيوتر مصر العتيق لم يصل إليهم، والحمد لله على ذلك.

 

واضطرت الدول الكبرى جميعًا إلى احترام رغبة الشعب الإيراني وحرية اختياره، في الوقت الذي تتعامل فيه مع الأنظمة الهشَّة الضعيفة بعكس ذلك تمامًا.

 

وبعد..

فهل درس النظام المصري التجربة؟! وهل وعى الدرس؟!

 

لا نعتقد ذلك، ونتمنَّى من أعماق قلوبنا أن يرفع النظام المصري عينيه من أسفل، فقد طال نظره تحت قدميه، حتى ضعف بصره، وانحنى ظهره، وانعدم تفكيره؛ لأنه لم يتعوَّد أن ينظر إلى الأمام وأن يفكر بأريحية، وأن يرى الدنيا الواسعة الممتدة وما فيها!.

 

فالدنيا قد تغيرت، والعالم اتسع، والشعوب نهضت، والمعلومات والمعرفة انتشرت وزادت، ولم يعد هناك مكان أو متسَع لنظام لا يعي الدرس جيدًا، وإلا فسوف تعصف به رمال الحرية القادمة حتى تغرقه تحتها.

 

ألا يسمع النظام المصري ويشاهد ما يجري حوله في العالم الآن؟! إن كان يسمع ويشاهد فتلك مصيبة، وإن كان لا يسمع ولا يشاهد فالمصيبة أعظم.

 

يا حكام مصر.. لقد انتهى عصر الفراعنة.. لقد ولى عصر القراصنة.. لقد ذهب عصر البطش والقهر، فقد نهض الشعب وفاق من غيبوبته.

 

لقد انتشرت حركات التغيير السلمي والمطالبة بالتعديل أو الرحيل، فلا تَصمُّوا آذانكم، ولا تُغلقوا عقولكم، ولا تُعموا أبصاركم ولا بصائركم.. تَصالحوا مع شعوبكم، واعملوا على نهضة أمتكم، وفكِّروا في مستقبل بلدكم، وأفيقوا قبل فوات الأوان، وصدق الحق إذ يقول: ﴿.. فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)﴾ (الحج).

 

لا تسمعوا للأفَّاكين أو المنتفعين أو المتسلِّقين، بل التحموا بشعوبكم، فالتغيير قادم قادم، والإصلاح يطلُّ برأسه من بعيد، ونور الشمس يسطع مشرقًا، ولن يقف أمامه حائل أو يطفئه أحد، وعجلة التغيير تدور مسرعةً، ومن يقف أمامها ستدهسه وتعصف به، وحينئذٍ لن ينفع الندم أو غيره، فسنة الله غالبة، وإياكم من مغالبتها أو مجابهتها.. ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5)﴾ (القصص).. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)﴾ (الإسراء).