سيظل موقف جماعة الإخوان المسلمين من الضربات الأمنية محلَّ اهتمام من المراقبين والمتابعين للحياة السياسية المصرية، وللمواجهة بين النظام الحاكم وجماعة الإخوان؛ فتلك الضربات تمثل وسيلة النظام الحاكم لإقصاء جماعة الإخوان المسلمين عن الحياة السياسية والعمل السياسي، ولهذا فإن تلك المواجهة هي في الواقع بين رغبة النظام لإخراج جماعة الإخوان من المجال السياسي وبين رغبة جماعة الإخوان في مواصلة عملها ونشاطها السياسي من أجل تحقيق الإصلاح السياسي.

 

والمراقبون لتلك المواجهة ينقسمون بين من يؤيد النظام لأنه يريد إقصاء الجماعة عن العمل السياسي، وغالبهم من النخب العلمانية والليبرالية، ومن يريد من الجماعة مواجهة تلك الضربات لأنه يرى أن وجود الجماعة مهمٌّ لتحقيق الإصلاح السياسي، ولكن يندر وجود من يؤيد الجماعة ويقف معها في خندق واحد ضد ممارسات النظام؛ حتى لا يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع النظام، بعد أن بات واضحًا أن الهمَّ الأول لنظام الحكم في مصر هو إقصاءُ جماعة الإخوان عن المجال السياسي.

 

تلك الصورة تجعل جماعة الإخوان في مواجهة النظام الحاكم بمفردها، ودون وجود تعضيد واسع لها، رغم أن ما يحدث معها يمكن أن يحدُث مع أي تيار سياسي آخر، إذا كان له ما تتمتَّع به الجماعة من وجود وتنظيم وتأييد شعبي، ومعنى هذا أن غالب النخب السياسية لا تريد أن تتضامن مع جماعة الإخوان المسلمين في تلك المعركة، رغم أنها جزءٌ أصيلٌ من معركة التحرر السياسي، وهذا يدلُّنا أيضًا على أن غالب المنادين بالديمقراطية والإصلاح السياسي، وغالب المنادين بضرورة التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة؛ ليس لديهم الرغبة أو القدرة على الخوض في معركة جماعة الإخوان المسلمين في مواجهة النظام الحاكم، مع أن أي تأييد لآليات العمل الديمقراطي يجب أن يقوم أساسًا على عدم إقصاء أي طرف من العملية السياسية، وترك الحكم لجماهير الناس في انتخابات حرة نزيهة.

 

نفهم من هذا أن هناك قطاعًا من النخب السياسية لا يؤيد ما يحدث للجماعة، ولكنه لا يريد خوض تلك المعركة، بسبب الموقف المتعنِّت والعنيف للنظام الحاكم تجاه الإخوان. وهناك أيضًا من يؤيد الديمقراطية والإصلاح السياسي، ولكنه يرى أهمية أن تكون التيارات الفاعلة في العملية السياسية ذات شروط معينة، وهي غالبًا تلك الشروط التي تفرض العلمانية على القوى السياسية، ولذا فهو يطرح في الواقع ديمقراطية مشروطة، وهي ليست في النهاية ديمقراطية.

 

الإخوان بمفردهم

معنى هذا أن الجماعة تخوض تلك المواجهة مع النظام الحاكم بمفردها ودون أي غطاء من النخب السياسية، وتلك في الواقع صورةٌ تعبِّر عن غرابة الموقف السياسي الحالي، فهناك من يريد إصلاحًا سياسيًّا بالتوافق مع النظام، رغم شدة ميله للاستبداد، وهناك من يريد إصلاحًا سياسيًّا بدعم غربي، وهناك من يريد إصلاحًا سياسيًّا بعد التخلُّص من جماعة الإخوان المسلمين؛ لأنه لا يريد منافسة الإخوان في انتخابات حرة نزيهة، وهناك أخيرًا النخبة الوطنية التي تريد الإصلاح السياسي، وترفض إقصاء أي تيار سياسي، ولكن صوتها لم يعُد مسموعًا بالقدر الكافي.

 

وجماعة الإخوان المسلمين تدرك أهمية الإصلاح السياسي، وأهمية التحوُّل الديمقراطي، وأهمية تأسيس نظام يجعل الأمة مصدرَ السلطات، ويسمح بالتداول السلمي للسلطة؛ حيث يكون المجتمع هو صاحب الحق في اختيار حكامه وعزلهم ومحاسبتهم.

 

الديمقراطية أولاً

بل إن جماعة الإخوان المسلمين- وعبر تصريحات قادتها- قد أكدت أنها لا تريد أن تصل إلى السلطة في يوم من الأيام؛ إلا من خلال نظام ديمقراطي يسمح بالتنافس السياسي الحر، حتى إذا وصلت إلى الحكم فليكن ذلك جماهيري حر، كما أنها تريد- عندما تقرِّر الدخول في التنافس للوصول للسلطة- أن تكون هناك حياة سياسية تعتمد على مجتمع قويٍّ يفرض إرادته على النظام السياسي، أي أنها تريد عندما تقرِّر التنافس للوصول إلى السلطة أن يكون المجتمع قادرًا على اختيارها بحرية، وقادرًا على إخراجها من السلطة إن لم يرضَ عن أدائها، وهي في هذا تدرك أن التنافس للوصول إلى السلطة سيكون من أجل تحقيق مشروعها في المجال السياسي، وهو أمرٌ لا يمكن أن تنجح فيه الجماعة بمجرد وجودها في السلطة، فالتأييد الجماهيري الحر هو وحده الذي يمكِّن الجماعة من تحقيق مشروعها، لهذا أصبح تحقيق مشروع الجماعة من المجال السياسي مرهونًا بتحقيق التحوُّل نحو الحرية والديمقراطية التعددية.

 

هذا الارتباط الشرطي بين قدرة الجماعة على تحقيق برنامجها السياسي وبين تحقق الديمقراطية وتقوية المجتمع؛ يجعل قضية التحوُّل الديمقراطي قضيةً محوريةً لدى الجماعة، في حين أن هناك أطرافًا أخرى كثيرة لم يعُد التحوُّل الديمقراطي بالنسبة لها أمرًا مهمًّا؛ لأنها لا تريد ذلك المجتمع القوي الذي يقدر على فرض شروطه ومعاييره وقيمه.

 

أتصور أن هذا يمثِّل تحوُّلاً تاريخيًّا في مسار الحركة الإسلامية عمومًا، ومسار جماعة الإخوان المسلمين خصوصًا، فالديمقراطية أصبحت تمثل الآلية الفاعلة لتحقيق مبدأ ولاية الأمة؛ حيث تصبح الأمة مصدر السلطات، بعد أن فشلت محاولات جعل الديمقراطية وسيلةً لتحقيق العلمانية السياسية وعلمنة المجتمع، فقد قدمت الديمقراطية من قبل معظم النخب العلمانية بوصفها حاملةً للعلمانية ولا تتحقق إلا بها، وعندما ثبت عدم صحة هذا الأمر، وأن آليات العمل الديمقراطي تسمح في النهاية بأن يكون الخيار للناس؛ حدث تحوُّلٌ في اتجاه إقصاء الحركة الإسلامية من العملية السياسية قبل التحول للديمقراطية، حتى تصبح الديمقراطية وسيلةً للعلمنة، وهو ما أدَّى في النهاية إلى تأييد الاستبداد؛ نظرًا لصعوبة إقصاء الحركة الإسلامية عمومًا أو جماعة الإخوان المسلمين.

 

بقيت جماعة الإخوان المسلمين في مواجهة الضربات الأمنية، وفي داخل معركة الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي قادرةً على الصمود والثبات، وأصبحت قدرتها على مقاومة كلِّ محاولات إقصائها شرطًا مهمًّا لأيِّ تحوُّل ديمقراطي؛ لأن نجاح النظام الحاكم في إقصاء الجماعة يعني أن أيَّ تحوُّل في المستقبل نحو الديمقراطية سيكون أمرًا شكليًّا وخادعًا، وبهذا ارتبط مسار جماعة الإخوان المسلمين بمسار التحول الديمقراطي كأداة لتحقيق مبدأ ولاية الأمة.