الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين (أما بعد):

فرحم الله الأخ الحبيب اللبيب (السيد نوح)، وأجزل مثوبته في دار الخلود، وتلقاه بالمغفرة والرضوان، فقد عاش- بفضل الله- داعيةً رشيدًا، ومات صابرًا حميدًا، مرابطًا على ثغور الإسلام، لم يتبدل ولم يتلون، ولم تغره رايات الجاهليات المزخرفة، تشهد له بذلك أقواله وأعماله التي عاصرناها، وآثاره العلمية الجليلة التي بين أيدينا، نحسب كذلك والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا.

 

إن العلماء ورثة الأنبياء عليهم السلام في علمهم النافع، وهديهم ونورهم، الذي بعثهم الله تعالى به، وعاشوا حياتهم يعملون به، ويدلَون الناس عليه، ويدفعون الشبهات والأهواء عنه، فمن اقتدى بهم أخذ بأعظم حظ من النور والهدى، خاصة في هذا الزمان الذي غلب فيه الكفار، وخدعوا أمة الإسلام عند معالم الحق والهدى، الذي أوحاه الله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنزل به كتابه الخاتم هُدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.

 

إن معركة هائلة تدور في جنبات العالم الإسلامي بين الحق والباطل؛ بين الإسلام دين الله ومنهج لعباده، وبين أضاليل المذاهب والأفكار، في العقائد، والأخلاق، والقوانين، وسائر شئون الحياة!!

 

وكان المأمول شرعًا وواقعًا أن يقود العلماء أمتهم في هذه المعركة الضارية، وأن يكونوا في مقدمة الجماعات الإسلامية العاملة، وعلى رأس الكتائب الداعية المُجاهدة، كما كان الأنبياء عليهم السلام طوال التاريخ البشري المديد، وكما كان أصحابهم وأتباعهم في كُل العصور.

 

ولكن كثيرًا من العلماء رضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا إليها، ودنسوا العلم الشريف بمسالمة الأيام، ومداهنة الحكام، وجمع الحطام الحرام وبالتلاعب بأحكام الإسلام، وتضليل العوام، وهؤلاء وأمثالهم قد أوقعوا بالإسلام وأهله أسوأ مما فعل الأعداء الألداء!!

 

لذلك حذر الله تعالى من هؤلاء وأمثالهم في كل العصور، فقال- تعالى- في حكم صريح دافع: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)﴾ (آل عمران).

 

وآخرون من هؤلاء العلماء حفظوا المتون والشروح، وراحوا يقررون الأحكام بعيدًا عن الواقع، وبمعزل عن الحياة، وكأنها ذكرى تاريخية ماضية، غلبتها أمواج التطور البشري، فجعلتها- وجعلتهم معها- من آثار المتاحف، تشاهد (للفرجة) والتسلية، وليس للعمل والتنفيذ..!!

 

وقليل منهم كتب الله تعالى لهم الهداية والسعادة، وفتح لهم أبواب الفهم والرشد، فأخذوا الإسلام كما أراده الله تعالى: دين الشمول، ومنهاج الحياة، وحجة الله على عباده الممدودة إلى يوم القيامة، وحبل الله الممدود من السماء لإنقاذ البشرية العانية، وهداية الناس إلى صراط الله العزيز الحميد.

 

لذلك عظَّموا ميثاق الله الذي أخذه عليهم، وقاموا يبينونه للناس على وجهه الصريح الصحيح، فلا يكتمون حقائقه، ولا يغيرون أحكامه، ولا يشترون به هذه الأثمان الهزيلة، من المناصب الزائفة، والأموال الزائلة، التي فرج بها الأغرار، وضيعوا من أجلها الدين والدنيا جميعًا، وكانوا كمن قال الله تعالى فيهم: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: من البقرة 79).

 

وهذه القلة الصابرة المجاهدة هُم أمل الأمم في كل العصور، وهم مصابيح الهدى الذين تنجو بهم أممهم من كل غبراء مظلمة؛ لأنهم ينيرون طريق الحق بأقوالهم وأعمالهم، ويقومون في الحياة قدوةً عمليةً للخير والبر والإيمان، أسوة بخاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم الذي قال الله تعالى فيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب).

 

لذلك يكونون رحمة مهداة في حياتهم، ويكون فقدهم حدثًا جللاً، ومصابًا بالغًا، لذهاب العلم النافع بذهابهم، وغياب القدوة الصالحة من حياة الناس بموتهم، وخلوَ الساحة من الدُعاة الناصحين العاملين، على حين امتلائها بالأدعياء، المُجترئين على الإفتاء، وأمثالهم من كل منافق عليم اللسان، خلا لهم الجو فاستطالوا في الحرام، حتى جلبوا على أمتهم وعيد الله عز وجل.

 

تحت راية القُرآن والإسلام:

ولقد مَنّ الله- تعالى- على الأخ الحبيب الراحل فوضعه من أول الطريق تحت لواء الحق الإلهي، وسلك به طريق الدعاة العاملين لدعوته ودينه، ووفقه توفيقًا إلى خير غاية في الاعتقاد والمنهج، وإلى خير وسيلة في العمل والحركة الإسلامية، وتربية الأفراد والجماعات، وتزكية الفضائل والأخلاق، وتنقية الطريق من الآفات والمُعوقات، والصدع بالحق المَر في كُل الأحوال والأزمات، وبيان المنهج النبوي العملي في بناء الفرد والمُجتمع، وغير ذلك كثير، ولا نزكي على الله أحدًا..

 

إننا هُنا لا نشتعل برثاء الأخ الراحل، أو نعيه كنعي الجاهلية، وإنما نحن بصدد إبراز القدوة للناشئة من العلماء والدُعاة والتركيز على الصفات التي أوجبها الله تعالى على أهل العلم والعلماء، وضرورة أن يكونوا عاملين مجاهدين مثابرين ليخرجوا هذه الأمة الشريفة من رقدة العدم، أو من وهدة الفتن التي منيت بها في القرون الأخيرة، وتداعت عليها الأمم الكافرة، والحكومات الجائرة، وعلماء السوء الذين خدعوها عن الحق المتفرد، واشتغلوا بدنياهم اللاعبة اللاهية، عن مهمتهم العُظمى التي أمروا بها، وعن الميثاق الغليظ الذي أخذه الله عليهم، ولا يكونون إلا خير أمة أُخرجت للناس!!

 

حياة حافلة طيبة:

وقد عاش الشيخ- رحمه الله- حياة حافلة بالجد والاجتهاد، والدأب العلمي، والجهاد النفسي، والإخلاص لرسالته التي هدى إليها، وخدمة دعوته ودينه في تجرد وأمانة، باعتبار ذلك تكليفًا إلهيًّا شرف الله به عباده، وباعتباره طريقًا متفردًا لإنقاذ هذه الأُمة من براثن الجاهلية المظلمة، وألوان الإلحاد والانحلال التي جلبها الكفار إلينا، وربوَا طبقات من أُمتنا عليها!!

 

لقد خلق الله- تعالى- الناس أنواعًا متنوعةً، وجعل لكل منهم معالم تحدد الشخصية، وتفسر سلوكها واتجاهها، وهي بدورها متفاوتة قد تقل أو تكثر، وقد تكون كلية أو جزئية.

 

وقد تبدَت لي من معالم شخصية الشيخ- رحمه الله- صفتان أساسيتان جامعتان، تفسران حياته وسلوكه:

الأولى: العبودية الصادقة لله رب العالمين

فالناس جميعًا عبيد الله عز وجل بالاضطرار أو بالاختيار، والسعيد منهم من يسيطر عليه شعور غامر بهذه العبودية لربه ومولاه، في صحوه ومنامه، وحركته وسكونه، ومحياه ومماته، ودنياه وآخرته، وفي كل شأنه، وهذا مقام أسمى يرفع خسيسة التراب والطين، حين يلوذ بربه ومولاه، ويدخل إليه من باب الافتقار التام إلى فضله وعطائه، فيكون عبدًا ربانيًّا، يمشي على الأرض هونًا إجلالاً لربه ومولاه ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ (الفرقان: من الآية 63).

 

ويمشي بين الناس عزيزًا بربه ومولاه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8)، وهذا يفسر لنا تواضع الشيخ- رحمه الله- الدائب، ودماثة خلقه، وإيثاره رضا الله- عز وجل- على كل ما عداه، واعتزازه بدعوته ودينه؛ وبذله النفس، والوقت، والجهد، على هذا الطريق الذي ارتضاه ربه ومولاه، ولذلك أوقف عليه قوله وفعله، وقلمه ولسانه، وخطبه ومحاضراته، وأحاديثه وندواته، ولا نزكي على الله أحدًا، وهو وحده العليم بذات الصدور، وخلجات النفوس والقلوب.

 

الثانية: الجندية الحاضرة

فمن كان صادق العبودية توثب بالحركة والنشاط في سبيل مرضاة ربه ومولاه، ولا يكون أبدًا عبدًا خاملاً كسولاً، وإنما يصبح جاهزًا لكل نداء، حاضرًا عند كُل دعوة، مُلبيًا لكُل إشارة، مُسارعًا للخيرات، مسابقًا في الطيبات، وعلى قلبه ولسانه دائمًا مثل قول الكليم- عليه السلام- ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: من الآية 84)، ولذلك وصف الله تعالى هذا النوع من عباده بقوله الكريم: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)﴾ (المؤمنون)، ولا ندعي لأحد العصمة من الذنوب والأخطاء، إلا من عصمهم الله من الأنبياء والمرسلين- عليهم السلام-، وكُل البشر غيرهم يُخطئ ويصيب، ولذلك قص القُرآن علينا دُعاء المجاهدين وهُم في غمار المعارك ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)﴾ (آل عمران)، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحشر: من الآية 10).

 

ومن هُنا تشابهت صفات المؤمنين الصادقين في العمل الصالح، والاجتهاد الدائم، والاستقامة على الطريق، وعلوَ الهمة، وتجنب الدنايا، والإسراع بالتوبة والأوبة كلما مسهم طائف من الشيطان أو غفلة من الإنسان!!

 

وآثار مثمرة باهرة:

ولذلك يترك هؤلاء وراءهم آثارًا صالحةً، تنفع الأحياء والأشياء، وتفيد القريب والبعيد، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أو تكون كما قال- تعالى- ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ (البقرة: من الآية 265).

 

وللتذكرة والعبرة نتذكر كيف قضى الشيخ- رحمه الله تعالى- سنوات من عمره، وكم أنفق من أيام وساعات طويلة، يكتب (المبسوطة) السهلة المُيسرة: (آفات على الطريق)؟!

 

وكيف اختارها واحدة في إثر واحدة؟ وكيف صاغها بذوب النفس، وصهارة القلب؟ لتكون معلمً بارزًا للدُعاة والعاملين للإسلام، تنقيةً للطريق من القذى، وتربيةً للصف المؤمن من الآفات، لأن التخلية مُقدمة على التحلية، وهيهات أن يتماسك بنيان تسري فيه هذه الآفات:

وليس بعامر بنيان قوم         إذا أخلاقهم كانت خرابا

وبذلك قدم الشيخ- رحمه الله- نسخة عصرية ميسرة لما بدأه الأئمة من قبل، كالإمام الغزالي في كتابه الفريد (إحياء علوم الدين)، ولقد كانت الدعوة الإسلامية المعاصرة، والحركة المباركة التي تفجرت من نورها، هدفًا مباشرًا لا يغيب عن قلب الشيخ- رحمه الله- ولا عن قلمه، وهو يكتب هذه الصفحات التي جاوزت الألف بكثير، ويدعمها بأدلتها من الكتاب والسنة المطهرة، ويُخرج الأحاديث الشريفة؛ ويبين درجتها، تفاديًا لما أصاب (إحياء علوم الدين) من قبل حين تسللت إليه الأحاديث الموضوعة!!

 

ثُم في كل موطن يُركز الشيخ على بيان آثار هذه (الآفة) على العاملين للإسلام، المندمجين في الحركات الإسلامية المعاصرة، ويردف ببيان آثارها على العمل الإسلامي، والدعوة ذاتها.

 

إنه علم وعمل، ودين للحياة والواقع، وليس إغراقًا في ضروب التخصص التقليدي المعزول عن الحياة، بل هو استدعاء لأعظم أدلة الدين من الكتاب والسنة، لتكون في يد الدعاة وهم يخوضون الملحمة العُظمى لإقامة الإسلام مرة أخرى في أرض الله عز وجل، وإعادة الاعتبار للأمة الإسلامية لتكون حاملة الرسالة الإلهية من إيمانٍ واقتدار، فالمدافعة عن معالم الإسلام في وجه أعداء الله من أهل الإلحاد والاستبداد!!

 

لقد كتب الشيخ- رحمه الله- عن ست وأربعين آفة مُدمرة، نصح فيها لإخوانه غاية النُصح، وأفاض في كل منها بالبيان والتحذير، وسوق الأدلة، وأقوال الأئمة والصالحين الناصحين، وقصص العابدين الصادقين.

 

ومما يدل على توفيقه في الاختيار، ودقته في النصيحة، أنه بدأها جميعًا بآفة: (الفتور) في الدين عامة، وفي الدعوة إلى الله خاصة، وهذه آفة مُدمرة ينبغي على الأفراد والجماعات الانتباه لخطرها؛ لأنها تتسلل إلى القلوب في خفاء، وتتزايد في صمت، ثم تتفاقم وتندلع فتبتلع الفرد، وتربك الجماعات، وتشيع بينها الوهن والتراخي، وتنتهي بالجميع إلى سوء مصير والعياذ بالله تعالى.

 

وقد رأيت آثارها المدمرة في صفوف العاملين للإسلام، ونشرت لذلك كتابًا عنوانه: (آن الأوان لتجديد الإيمان)؛ وهو نصيحة في نفس الباب، سبق إليها الهدى القُرآني حين استبطأ الله- عز وجل- قلوب المؤمنين في أول الهجرة، فاستحثهم وحضَهم بقوله الكريم: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)﴾ (الحديد).

 

العلم العامل:

وهكذا يتحول العلم من نصوص جامدة إلى قوة مُحركة، ومن تناول تقليدي تجتَره الأجيال، إلى حياة نابضة بالأمل والعمل، مفعمة بالتجديد المفيد والتغيير النافع لإقامة الإسلام الشامل.

 

وعلى هذا النمط كان الشيخ السيد نوح- رحمه الله تعالى- في كُل آثاره فكان يراعي جانب العلم وقواعده، وأصوله وضوابطه، ثم يُوجهه إلى غايته العليا في الدعوة والتربية، والتعليم والتزكية، لذلك اجتهد في إخراج كُتب وبحوثٍ نادرة، ذات موضوعات غاية في الأهمية، لخدمة الإسلام، وتأصيل الدعوة؛ وتحديد مناهج العمل الإسلامي بمفاهيمه الشاملة كما قررتها نصوص القُرآن، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأعمال الخلفاء الراشدين المهديين- رضي الله عنهم- أجمعين.

 

ومن ذلك على سبيل المثال وليس الحصر:

1- توجيهات نبوية على الطريق:

وقد جمع فيه (ثلاثين) حديثًا نبويًّا صحيحًا، مُخرَّجًا، وشرح كلاًّ منها بإيجاز، مع ربط المعاني بالواقع، والدعوة إلى الإسلام بمعناه الشمولي، الذي يلبي كل شئون الحياة والممات، والذي تجب إقامته نظامًا كاملاً في كُل النواحي الإيمانية؛ والأخلاقية؛ والاقتصادية، والاجتماعية... إلخ.

 

يقول في مُقدمته الموجزة:

"فهذه نظرات في أحاديث مُختارة من مشكاة النبوة، حرصت على ربطها بروح الإسلام وجوهره، مع التركيز على الجوانب التربوية والدعوية لحاجة الأُمة الإسلامية لذلك، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب".

 

وقد بدأ الكتاب بحديث صحيح مسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍ خير...." وهذا اختيار موفق ابتداء في الاستهلال.

 

وكان المعنى الذي أورده للحديث توفيقًا آخر، يقول: (ص6) معناه: تتميز شخصية المسلم بأنها شخصية جامعة لكل خصال الخير، فهي مؤمنة، عالمة، قوية، شجاعة، متجردة، صبورة، متأنية، أمينة، سخيَة، عفيفة، مُجاهدة، رحيمة، لا تأخذها في الله لومة لائم، ذكية، حريصة على كل ما ينفعها، مستعينة بالله، غير عاجزة ولا كسول، راضية بقضاء الله وقدره، حذِرة لا تدع في حياتها مدخلاً للشيطان "فأين هذا السمو في شرح المعاني، من الإغراق في الأشكال الفارغة، واللغويات المُعقدة، والأعاريب التي جعلها بعض العلماء غاية المراد، فأفسدوا المعاني، وأضاعوا العلم، وحوَلوه من نعمة ربانية يمتن الله بها على عباده، وتحيي البلاد والعباد، إلى شكليات باردة، لا تزكو بها نفس ولا قلب ولا روح.

 

2- حاجة البشرية اليوم إلى الحُكم بما أنزل الله كتاباً وسُنةً:

وهو بحث مباشر، أخص من سابقه، وقلما يتحدث في موضوعه العلماء، بل كثير منهم يجهلونه، وبعضهم يفرون منه وينكرونه، لأنه موضوع ذو حساسية خاصة، رغم أنه أصل الدين، ولُب الرسالة، وفرض الرب الأعلى، وصريح القُرآن الكريم، وواقع السنة والتطبيق النبوي الشريف.

 

إن الكُفار حين دخلوا بلادنا، عطلوا شرع الله تعالى، وجلبوا القوانين الوضعية، وفرضوها على أُمم الإسلام بالقوة والقهر حينًا، وبالحيلة والتربية الجاهلية حينًا آخر، وربوا لذلك طبقات منا بديلة لهم، وأُشربوا قلوبهم مناهج الكفر، وأوكلوا إليهم الحُكم والسلطان في بلاد العالم الإسلامي، وتحت حراستهم المُباشرة، ومرت على ذلك أجيال وأجيال، أَلِفَت الباطل، ونسيت دينها الحق، وشب على ذلك الصغير، وشاب الكبير؛ وصار المُنكر معروفًا، والمعروف مُنكرًا، وقاوم الناس قليلاً ثم سكتوا، وتميع العلماء وساروا في التيار، وافترق السلطان والقُرآن، وضاعت أصوات الدُعاة والعلماء المُخلصين في جلبة الباطل، وفي غلبة الحُكم الجائر، وابتعد العلماء عن هذا الموضوع الذي قد يجلب عليهم المتاعب، بل جاءت أجيال منهم تجهله ولا تُحسن فهمه والحديث عنه، مع أنه أصل الأصول، ورأس المفروض!!.

 

وقد قام علماء الدعوة الإسلامية بواجب الدين والبلاغ، ومنهم الشيخ- رحمه الله ورضي عنه- ففصل ذلك تفصيلاً، بالتأليف فيه، والمحاضرة عنه، والتدريس له، بل كان ذلك قضية حياته ومماته، هو وإخوانه له آمنوا بالله وصدقوا المُرسلين، وشرح الشيخ- رحمه الله- أن ذلك ليس فريضة على المُسلمين فقط، وإنما هو حاجة للبشرية كُلها، اليوم وغدًا، لأن الناس جميعًا عبيد الله عز وجل، ومكلفون بحكمه؛ ومُخاطبون بفرضه، ثُم هو الطريق المتفرد لإنقاذها من الهاوية، وإخراجها من الظُلمات إلى النور، بإذن ربها الواحد القهار.

 

يقول في مقدمة هذا البحث الموجزة أيضًا: "فإن البشرية-اليوم- تقف على حافة الهاوية، ويوشك أن تزل أقدامها... فتسقط في تلك الهاوية... ومن عجب أنها تبحث عن طريق الخلاص.. والحقيقة أنه بين يديها.. إنه حكم الله تعالى المتمثل في كتابه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وحقًّا إنه طريق الخلاص، ولا خلاص في منهج سواه..".

 

ومع أن هذه حقائق بدهية، معلومة من الدين بالضرورة، إلا أنها ضاعت في واقع الحياة، وهجرها العلماء والأمة من ورائهم، وتحتاج إلى جهود هائلة مريرة كي ترجع إلى عقول الأمة الإسلامية فهمًا، وإلى قلوبها إيمانًا، وإلى واقع حياتها نظامًا وبنيانًا عاليًا راسخًا، يليق بشرف الإسلام العظيم، ويُحقق أمر الله عز وجل بإقامة الدين كُله، ووجوب الحكم به، والتحاكم إليه في تسليم ورضا، أقسم الله عز وجل عليه في كتابه الكريم: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء)، وقد بذل دُعاة الإسلام جهودًا خارقةً في هذا الجانب، وأكدوا ما قرره الإسلام من غايات ووسائل، وفي مُقدمتها:

- التربية الإيمانية للفرد، والجماعة، والدولة، والحكومة.

- الجهاد في سبيل الله تعالى بمعناه الشامل، أي جهاد النفس، وجهاد الدعوة والبلاغ، وجهاد البذل والتضحية والقتال في سبيل الله والمُستضعفين من الرجال والنساء والولدان.

 

وكان للشيخ- رحمه الله تعالى- جهود طيبة في هذا الجانب الأساسي الخطير، ومن ذلك- بإيجاز- كتابان له هُما:

3- فقه الدعوة الفردية في المنهج الإسلامي:

والتربية الفردية مرحلة تأسيسية لما بعدها من الأسرة، والأمة، والدولة، والحكومة القائمة على هذا كله، ولا بُد من معالجة داء الأُمة من الجذور الغائرة؛ لأن هذا دين، ومسئولية على كل فرد على حدة، وتكليف عيني ابتداءً، ثم يقوم البناء كله على هذا الأساس، فإذا كانت التربية الفردية متينةً، استقر الأساس، ونجح القصد والبناء.

 

4- منهجُ الرسول صلى الله عليه وسلم في غرس روح الجهاد في نفوس أصحابه:

والجهاد فريضة الله تعالى الماضية إلى يوم القيامة، وهو الروح السارية في تضاعيف كتابه الفرقان، وذروة السنام من تعاليم الإسلام، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان- صلى الله عليه وسلم- بحاله ومقاله وأفعاله تطبيقًا عمليًّا لهذا الجهاد النبيل، على أكمل الوجوه وأتمَها.

 

وقد ظل الجهاد في سبيل الله تعالى المظَلة الحصينة لحماية الإسلام والمسلمين طوال التاريخ، وعلى شواطئه وأسواره تكسرت سيوف المشركين واليهود والنصارى الباغية، وظل المسلمون بخير ما تمسكوا به، وقاموا بحقه، فلما فرطوا فيه اجتاحهم الأعداء الغادرون من كل مكان.

 

ولا سبيل إلى الإنقاذ إلا بالإيمان الصحيح، والجهاد الصريح، وقد بذل الكفار كُل الجهود لصرف المسلمين عنهما، ودمغوا الجهاد بأنه إرهاب وعدوان، حتى بات العلماء يخشون من تقريره، أو الدعوة إليه، خشية الحكومات الجائرة، أو السلطات الخائنة، التي رضيت بالدنية في دينها، وخنعت حتى أمام اليهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة!!

 

وفي هذا المُعترك الضنك ارتفع صوت دُعاة الإسلام تذكيرًا بالجهاد، وإحياء لحقائقه، وتقريرًا لمنزلته العليا في دين الله، ونذيرًا بالمصير المخيف للقاعدين عنه، وقد رأت الأُمة كلها هذه الأهوال عيانًا، وذاقت مرارتها حين تسلط الكفار عليها، "وما هو عنها بالحديث المرجَم" كما قال الشاعر قديمًا.

 

ولذلك قال الشيخ السيد نوح- رحمه الله-: "وإذا كانت الأُمة الإسلامية اليوم تُحاول الخروج من المأزق الذي تعيشه وتُعاني منه، فإن عليها أن تعود إلى سيرة وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لتقف على أبعاد ومعالم هذا المنهج الذي اتبعه الرسول الكريم في غرس روح الجهاد في نفوس أصحابه أول مرة" ص9، ومضى الشيخ- رحمه الله تعالى- يتتبع ذلك في السيرة النبوية الجليلة، وفي الأحاديث الشريفة، وفي آيات القُرآن المجيد، وأسباب النزول في استيعابٍ وشمولٍ دقيق لجوانب الجهاد وأنواعه، وارتباطه بالإيمان".

 

جزى الله الشيخ خير الجزاء، وألحقنا به في الصالحين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

------------------------

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر الشريف سابقًا