في 13 من رمضان 1406هـ الموافق 22 مايو 1986م رحل عن عالمنا عالم جليل وداعية جمع بين حماس الشباب وحكمة الشيوخ، مجاهد حمل عبء دعوته بل حمل مشاكل وهموم مجتمعه فوق كتفه فاستطاع أن يغير كثيرًا من المظاهر التي أثرت سلبًا فيه، بل وقف للحاكم ناصحًا لله، بل تصدى لمعاهدة السلام والتي شعر المجتمع فيها بالمهانة، ولم يخش حاكمًا ولم يخش سجنه بل وقف يندد بهذه المهانة التي تعرض لها الشعب المصري بل الشعوب الإسلامية من جراء هذه المعاهدة التي أورثت الأجيال الذل.

 

وعندما حاولت بعض الهيئات والمنظمات إثارة الفتنة الطائفية وسط نسيج المجتمع المصري، بين المسلمين والأقباط انتفض الأستاذ عمر يدرأ هذه الفتنة ويعمل على إخماد هذه النيران المتأججة، فنزل إلى الشباب وجاب البلاد يسكب على هذه الفتنة نسائم الحب والإخاء حتى عاد نسيج المجتمع مرة أخرى إلى الالتحام.

 

لقد كان الأستاذ عمر التلمساني رجل مرحلة، انطبقت على شخصيته كل أركان البيعة التي وضعها الإمام البنا لرجال الدعوة حينما قال: أيها الإخوان الصادقون: أركان بيعتنا عشرة فاحفظوها: "الفهم، والإخلاص، والعمل، والجهاد، والتضحية، والطاعة، والثبات، والتجرد، والأخوَّة، والثقة".

 

ولقد عاش الأستاذ التلمساني بقلب حي ونفس طاهرة هذه الأركان، وظهرت هذه الشمائل في خصاله وطباعه.

 

الفهم

لقد أدرك الرجل منذ الوهلة الأولى طبيعة الطريق والمرحلة التي تمر بها الشعوب الإسلامية ومن ثم كان الرجل الذي تخلى عن تربية الدواجن في سبيل تربية أجيال تعرف معنى الحرية، يقول الأستاذ عمر: "لقد بدأت رجولتي الحقة بدءًا فعليًّا منذ أن سرت في ركب دعوة الإخوان المسلمين، يوم أن عرفت أن ديني يطالبني بالعمل على نشره ونصرته، مهما لاقيت من متاعب وصعاب".

 

وما أدل على فهمه مثل قوله: "لماذا لا نحارب من حاربنا، ولا نقابل الشر بالشر، ونتحمل الضربات القاسية في صبر واحتساب؟ ذلك لأننا لو أردنا شرًّا لاستطعناه، فما أيسر تخريب جسر هنا أو قنطرة هناك!! وما أسهل النسف لمن أراد فسادًا، وما أقرب الاغتيال لمن أراد ضلالاً! إننا لا نلقى الشر بالشر ولا نؤمن بقول المبطلين إذ يقولون أن تلقى الشر بالشر ينحسم، ولكننا نريد أن نقيم قاعدة إسلامية راسخة، ونريد أن نوجد رأيًّا إسلاميًّا عارمًا يقول فيستمع له، ويصمت فينتظر منه القول.. نريد أن نوجد أمة قوية الشأن، عالية المقدار، عزيزة الجانب، موحدة الصف، ونريد أن نقيم ذلك كله على أساس من الحكمة المستبصرة، والموعظة المنتجة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ولا نريد أن نصل إلى تحقيق أهدافنا عن طريق القهر والغلبة".

 

ويصفه محرر جريدة (الأهرام) في 13/6/1986م بقوله: عرفته منذ نحو عشر سنوات, فلم أر فيه غير الصلاح والتقوى, كان هادئ الطبع, قوي الحجة، يدعو إلى الله على بصيرة من الأمر ذلك هو المغفور له الداعية الإسلامي الكبير عمر التلمساني الذي فقد العالم الإسلامي بفقده رجلاً من أعز الرجال وأخلصهم لدعوة الحق.

 

فقدناه في وقت نحن أحوج ما يكون فيه إلى أمثاله من ذوي الرأي السديد, والفكر الرشيد الذين يعرفون جوهر الإسلام ويدعون إليه بالحكمة والموعظة الحسنة.

 

إن حزني على رحيل عمر التلمساني شديد... فقد كان الرجل من الدعاة الذين يعملون في مجال الدعوة الإسلامية وفق المنهاج الإلهي الذي يصوره قول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية 286)... وقوله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: من الآية 185).

 

الإخلاص

يقول الإمام البنا: وأريد بالإخلاص: أن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله، وابتغاء مرضاته، وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر، وبذلك يكون جندي "فكرة وعقيدة"، لا جندي غرض ومنفعة.

 

لقد أدرك الأستاذ عمر التلمساني معنى الإخلاص لله وحده والعمل من أجل رضا الله دون أن ينتظر ثناء من أحد أو مدح أحد له وفي ذلك يقول الشيخ عبد الله الخطيب:

كان الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله إذا أراد مراجعة شيء مكتوب, كان يأتيني إلى مكتبي ويقول لي: أقسمت عليك بالله أن تراجع وتصحح ما تجد من خطأ, ولا تجاملني...

 

يقول الشيخ الخطيب: وكان هذا دأبه, إذا أراد شيئًا ذهب إلى الأخ في مكتبه, إلا أن يكون عذر من مرض أو إرهاق.

 

ويقول الأستاذ أنور الجندي أيضًا: حياة عريضة خصيبة, كانت منذ يومها الأول إلى يومها الأخير خالصة لله تبارك وتعالى... فقد كان "عمر التلمساني" نموذجًا كريمًا, وأسوةً حسنةً وقدوةً صالحةً يمكن أن تقدم للشباب المسلم في كل أنحاء الأرض لتصور له كيف يمكن أن يكون المسلم داعيةً إلى الله موقنًا بقوله تبارك وتعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ..........﴾ (الأنعام).

 

العمل

منذ أن تعرف الأستاذ التلمساني على دعوة الإخوان على يد عزت محمد حسن معاون سلخانة بشبين القناطر عام 1933م، وبايع الإمام البنا على العمل من أجل هذا الدين الحنيف وقد شمر عن ساعده طيلة نيف وخمسين عامًا للعمل من أجل هذه الدعوة المباركة حتى سكن هذا الجسد الضعيف.

 

يقول الشيخ محمد الغزالي- عليه رحمة الله- السمة العامة التي كنا نعرفه بها: وجهه البشوش وأدبه الجم وصوته الهادئ, وظاهر من حالته أنه كان على جانب من اليسار والسعة لا يسلكه في عداد المترفين, وإنما يخصه من متاعب الكدح ومعاناة التطواف هنا وهناك, ويحفظ عليه حياءه الجم وقد حمل الرجل في شبابه أعباء الدعوة الإسلامية في غربتها, ورأيته يومًا ينصرف من مكتب أستاذنا حسن البنا بعد لقاء لم أتبين موضوعه, ورأيت بصر الأستاذ المرشد يتبعه وهو يولي بعاطفة ناطقة غامرة, وحب مكين عميق، فأدركت أن للأستاذ عمر مكانة لم يفصح عنها حديث.

 

ويصفه الأستاذ صالح أبو رقيق من الرعيل الأول وعضو مكتب الإرشاد: كان فقيدنا الجليل طيب الله ثراه, سمحًا يذوب رقة وحياء, ويتألق تواضعه في عزة المؤمن, وكبرياء الواثق من نفسه والمقدر لمكانته, دون صلف أو تكبر, من الذين قال الله فيهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ (المائدة: من الآية 54)، جاهد في سبيل الله أصدق جهاد, وتحمل في سبيل ذلك أشد العذاب وقدم أعظم التضحيات.. وكان متمكنًا في الفقه, عالمًا بجميع جوانب دينه الحنيف, متحدثًا مقنعًا. وخطيبًا مؤثرًا, تخرج الكلمات من أعماق قلبه, فيأتي وقعها على القلوب بردًا وسلامًا. عذب الأسلوب, مهذب المنطق, في جلال ووقار. تاريخه حافل بالمواقف المشرقة, ولم تثنه الأحداث الجسام وشرور اللئام عن قول الحق, والتمسك بالحق, والصمود من أجل الحق, الذي كان يؤمن به.

 

الجهاد

بايع الأستاذ عمر التلمساني الإمام الشهيد "حسن البنا" على أن يكون جنديًّا في صفوف الإخوان المسلمين، ومنذ تلك البيعة المباركة والرجل قد صدق في بيعته، فوهب لها كل حياته، وسخَّر كل ما وسعه وما لديه من إمكانيات لدعوة الله، وقد فهم الأستاذ عمر دعوة الإخوان فهمًا جيدًا ملأ عليه كيانه فعاش بها ولها، فكان كثير الترحال والسفر مع الإمام البنا.

 

إن حياة عمر التلمساني كلها لهي خير دليل على جهاده ومن أجل نشر دعوته الإسلامية وترسيخ مبادئها في نفوس الناس ولا أصدق على ذلك من جنازته التي شارك فيها آلاف المشيعين من مختلفي الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية بل الرسمية والشعبية.

 

التضحية

يقول الإمام البنا: "وأريد بالتضحية: بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية، وليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه، ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية، وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل، ومن قعد عن التضحية معنا فهو آثم.

 

ويصف الأستاذ عمر هذا الركن وفهمه له بقوله: عملت فترة "وزير مالية الإخوان" وكنت إذا وجدت في الخزانة مائة وخمسين قرشًا كنت أرى وقتها أننا من الأثرياء!!

 

وكان الداعية إذا ذهب إلى لقاء إخواني ليتحدث في الدعوة, أعطيه "ثلاثة تعريفة": منها ستة مليمات للذهاب, ومثلها للعودة، وثلاثة مليمات يشتري بها ما يروقه من الترمس والفول السوداني, واللب الأسمر والأبيض!!

 

ومن المواقف التي تمثل فيه هذا المعنى أنه أرسلت وزارة الثقافة بدولة الإمارات دعوة له عام 1982م فلبى الدعوة وألقى محاضرة في النادي الثقافي بأبي ظبي حيث جاء جمع غفير ملأ القاعة وخارج القاعة ولم يأت قبله مثله.

 

وفي نهاية الزيارة قدمت الوزارة تحية لضيفها شيكًا بخمسة وثلاثين ألف درهم فشكر الأستاذ عمر لهم هذا الصنيع الكريم ثم قال للأستاذ جابر رزق في الحال: حول هذا الشيك إلى المجاهدين الأفغان.

 

ويقول عنه الأستاذ مصطفى أمين تحت عنوان فكرة: لقد أمضيت سنوات طويلة مع التلمساني في سجن ليمان طرة. وكانت زنزانته في مواجهة زنزانتي, كنت أراه كل يوم وأتحدث إليه.

 

كان أكثر ما حببني فيه سعة صدره واحتماله الغريب, ومواجهته للبطش والاستبداد بسخرية واستهزاء, فقد كان يشعر أنه أقوى من الذين قيدوه بالأغلال, وكان مؤمنًا بأن المحنة لا بد أن تنتهي ويخرج من السجن ويكتب رأيه وينشر الفكر الذي آمن به. كان يعتقد أن العنف يضر ولا ينفع. يسيء للفكرة ولا يخدمها. كم تدخل ليهدئ الثائرين ويهدي الضالين.

 

الطاعة

يقول الإمام البنا: وأريد بالطاعة: امتثال الأمر وإنفاذه توًّا في العسر واليسر والمنشط والمكره.

ولقد تمثل المجاهد الراحل هذا المعنى من أول يوم بايع فيه على الطاعة فيقول في ذلك: "كنت أحس بأنني قريب من قلبه.. فما اختلفت يومًا مع أخ، أو رفعت إليه شكوى من أحد، أو حملته شيئًا من متاعبي الخاصة أو العامة، وما تأخرت مرة واحدة عن تنفيذ أمر أصدره إلى مهما كبدني التنفيذ من متاعب أو كلفني من ماديات".

 

الثبات

يقول الإمام البنا: وأريد بالثبات: أن يظل الأخ عاملاً مجاهدًا في سبيل غايته مهما بعدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام، حتى يلقى الله على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنيين، فإما الغاية وإما الشهادة في النهاية.

 

واتصف الأستاذ عمر بهذا المبدأ فيقول عليه رحمة الله: "لقد مرت المحن بالإخوان كالحة معربدة فما زادتهم في دينهم إلا يقينًا، وما زادتهم بدعوتهم إلا تمسكًا واستبسالاً ولماذا تتوالى عليهم المحن؟؟ إنها سنة الدعوات الصادقة التي لا ترضى هنا ولا هناك، لماذا لا ينتصرون في كفاحهم؟؟

 

فنراه شامخًا وقت أن نطق جمال سالم بحبسه خمسة عشر عامًا عام 1954م.

 

ومن المواقف التي برز فيه معنى الثبات لديه وأمام أعلى سلطة في البلاد وهي رئيس الدولة، عندما قرر السادات عقد لقاء فكرى بالإسماعيلية, مع السياسيين والمفكرين وزعماء المعارضة, التقى وزير الإعلام بالأستاذ عمر التلمساني يرجوه حضور اللقاء والأستاذ عمر يرفض, لأنه- على حد قوله- يعرف كبرياء السادات الأجوف وحرصه على أن يظهر بمظهر المتعالي على الآخرين... وبعد إلحاح من الوزير حضر الأستاذ عمر اللقاء, وجلس في الصف الأمامي..

 

وبعد استرسال السادات في حديثه, تطرق إلى الحديث عن الأستاذ عمر التلمساني وعن الإخوان, ثم أخذ يكيل لهم الاتهامات وقيامهم بإثارة الفتنة وتحريض الشعب ضد النظام..

 

فما كان من الأستاذ عمر- وقد قارب وقتها الثمانين عامًا- إلا أن قام بالرد على السادات وتفنيد ما قاله. ثم قال له بعزة المؤمن الواثق في ربه:

"لو كان أحد غيرك وجه إلى مثل هذه التهم لشكوته إليك, أما وأنت يا محمد يا أنور يا سادات صاحبها فإني أشكوك إلى أحكم الحاكمين وأعدل العادلين... أشكوك إلى الله.. لقد آذيتني يا رجل وقد ألزم الفراش أسابيع من وقع ما سمعت منك...

فما كان من السادات إلا أن قال: إنني لم أقصد الإساءة إلى الأستاذ عمر ولا إلى الإخوان المسلمين. اسحب شكواك.

 

فرد الأستاذ عمر:

"وأنا لم أشك إلى ظالم, إنما شكوت إلى الله العادل ويعلم ما أقول".

ولقد لمس الناس هذا المعنى في نفس الأستاذ عمر فتقول جريدة (الرأي العام) تحت عنوان "المجاهد الإسلامي عمر التلمساني وداعًا": فقدت الأمة الإسلامية مجاهدًا بارًا.. أعطى حياته لقضية الإسلام وظل حتى آخر رمق في حياته ينادي بتطبيق الشريعة الإسلامية كوسيلة لخلاص الأمة العربية من الأزمات والنكبات التي لاحقتها في السنوات الأخيرة بعد أن تعثرت قوانين الشريعة في دهاليز مجالسها النيابية.

 

لقد كان عمر التلمسانى.. المجاهد الإسلامي، لا يخاف لومة اللائمين، أو ظلم الحكام، أو إرهاب أعداء الإسلام، وكان يقول كلمته لوجه الله تعالى، وكان رحمه الله مناضلاً كبيرًا، لا يهادن، ولكن يجنح للسلم دون ضعف أو ترجع, وبالرغم من كبر سنه واعتلال صحته فإنه حمل مشعل الكلمة الطيبة المناضلة حتى آخر يوم من حياته، وحظي باحترام أعضاء جماعته والناس.

 

ويقول الشيخ محمد عبد الحميد كشك: الراحل الكريم، يرحم الله جهاده، ويرحم الله صبره بعد الإرهاب والسجون والمعتقلات، ظل في السجون سبعة عشر عامًا فما لانت له قناة، وما انحنى إلا لله، وما ركع إلا لمولاه، وما سجد إلا للواحد الديان، يا عمر نم هادئًا بجوار الحق سبحانه، نم إلى جوار ربك بعد أن صبرت واحتسبت.

 

التجرد

يقول الأستاذ البنا: وأريد بالتجرد: أن تتخلص لفكرتك مما سواها من المبادئ والأشخاص؛ لأنها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها.

 

ويقول الأستاذ عمر حول تجرده: "عرض عليَّ الإمام الشهيد أن أكون وكيلاً لجماعة الإخوان المسلمين، فلم أقبل مقسمًا له أنني لست أهلاً لهذا المكان، ولا أستطيع أن أملأ فراغه، وحرام عليَّ أن أخدع الإمام بقبول تلك المكانة في الإخوان المسلمين".

 

ويضيف قوله: كان الإمام الشهيد يدعوني إلى السفر معه في بعض رحلاته داخل القطار ويسألني: هل السفر على حسابك أو على حسابنا؟

 

فإن كنت (متريش) من أتعاب قضية دسمة قلت: السفر على حسابي, وأقطع لهم تذاكر في الدرجة الثانية..... أما إذا كنت (مفرقع) الجيب قلت: السفر على حسابكم، فكان يقطع التذاكر في الدرجة الثالثة.

 

فكنت أجلس, ورأسي على الأرض حتى لا يراني أحد من معارفي, وأنا أركب الدرجة الثالثة, التي كنت آنف ركوبها, وكان الأستاذ يبتسم لمنظري الخجل.

 

حتى إذا ما طالت عشرتي للإخوان أصبح ركوب الدرجة الثالثة عندي كركوب الأولى الممتازة دون حساسية أو تحرج.

 

يقول أيضًا رحمه الله: عرض علي الإمام الشهيد أن أتخذ مكتبا في القاهرة, فلم أقبل مبررًا رفضي بأني قد أنجح في المكتب ويدر عليّ دخلاً وفيرًا, فيقول البعض: إن الإخوان هم الذين أوجدوا لي كيانًا في عالم المهنة وهذا ما تأباه على أخلاقي ونشأتي وتربيتي.

 

وحول هذا الخلق سأل بعض الناس السائق الذي صحب الأستاذ أثناء زيارته بدعوة من وزارة الثقافة بدولة الإمارات: فقال السائق صحبت كثيرًا من الشخصيات الكبيرة والوزراء. فلم أر مثل هذا الرجل في خلقه وتواضعه وحيائه وعفته وزهده وعطفه. لقد ركب إلى جواري واعتاد كبار الشخصيات أن يركبوا في الخلف ولكنه التواضع، وكان يصحبني معه ويجلسني بجواره في كل مأدبة طعام.

 

ويصفه الأستاذ محسن محمد تحت عنوان "من القلب": قابلته في مكتب جريدة (الدعوة) بالقاهرة، لا توجد حوله سكرتارية ضخمة، أو قيود تمنع لقاءه. والمكتب الذي يجلس عليه صغيرًا للغاية فقد نبذ الرجل الأبهة وقد كان من أغنياء الإخوان في شبابه.

 

الأخوَّة

يقول الإمام البنا: وأريد بالأخوة: أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخت الإيمان، والتفرق أخو الكفر، وأول القوة: قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب: سلامة الصدر، وأعلاه: مرتبة الإيثار.

 

ويصفه الدكتور محمد الحبر نور الدايم (مراقب الإخوان في السودان) بقوله: لقد كان الأستاذ عمر- رحمه الله- يعامل الجميع معاملة الأب الرءوف الرحيم لقد كان لنا أبًا رحيمًا شفيقًا، ولقد كان ينظر إلى الإخوة من السودان ومن غير السودان نظرة واحدة؛ إذ إن هذه الدعوة دعوة عالمية.

 

الثقة

يقول الإمام البنا: وأريد بالثقة: اطمئنان الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه اطمئنانًا عميقًا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة.

 

ولقد لمس هذا المعنى فيه كل المحيطين به فيقول سيد هادي خسرو شاهي في جريدة (إطلاعات) الإيرانية في عددها الصادر في يونيو سنة 1986م: كان وفيًّا لمبادئ الإخوان طوال حياته, قضى عشرين سنة من عمره في سجون الاشتراكيين وأتباع القومية العربية بعد المؤامرة الغادرة التي دبرها جهاز الأمن المصري ضدهم بأوامر الضباط الديكتاتوريين حكام مصر وذلك من أجل قمع الإخوان المسلمين.

 

يرحم الله الشيخ الذي بقي صامدًا في طريقه ولم يستسلم لليسار المزور أو اليمين المتطرف, وأسلم الروح في النهاية بجبين مرتفع وتاريخ وضاء وهو اليوم بلا شك في حضرة العدل الإلهي وينبغي على فراعنة مصر أن يقدموا لله حساب الظلم الذي ألحقوه به وبآلاف المسلمين المصريين الآخرين, والأمة المصرية والعالم العربي والإسلامي!

 

ومما يدل على ثقته في المنهج قوله: "الإخوان المسلمون كانوا يتبعون ولا يزالون في تحركاتهم الأسلوب الذي يتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم- فهم لا يدعون إلى عنف أو صدام وهم يعلمون تمام العلم أن نتيجة الصدام بين المواطنين والحكومة وقيادة الجيش فيه خسارة على الوطن ومصلحة لأعداء هذا الوطن وهم حريصون على خدمة وطنهم وعلى ألا يستفيد أعداء الإسلام، والوضع الطبيعي الذي أسفر عنها للتاريخ منذ وجود سيدنا آدم عليه السلام وحتى اليوم أن كل شيء يولد صغيرًا ثم يكبر فإذا كان الإخوان المسلمون قد بدءوا قلة وبدءوا متواضعين ثم اشتد ساعدهم شيئًا فشيئًا فهذا شأن كل شيء في هذه الحياة إنما ماذا نفعل للذين يريدون أن يصوروا أو يشوهوا كل تصرف من تصرفات الإخوان المسلمين بأنهم كذا وكذا.

-------------

* [email protected]