اتهام سيد قطب بالثورة والخروج على الحكام

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه والتابعين لسنته إلى يوم الدين وبعد:

فمن أصول أهل السنة والجماعة السمع والطاعة لوليّ الأمر الذي يقيم في الأمة أحكام الله ويسوسها بشريعته، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه" (1)، وفي الحديث: "من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" (2).

 

وقال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 46)، غير أن السمع والطاعة لأولي الأمر ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتنفيذ أولي الأمر لأحكام الشريعة الإسلامية وعدم مخالفتها في الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص قطعي.. فالسمع والطاعة إنما هما في الحقيقة لأوامر الله تعالى ونواهيه. ووليّ الأمر مثل سائر البشر ليس معصومًا إلا إن كان نبيًّا أو رسولاً أما ما عدا ذلك فإنه يؤخذ من كلامه ويرد في ظل الحب والتعاون على أن يكون رأي الحاكم نافذًا على جميع الأفراد إلا إن كان مخالفًا لنص شرعي وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لبشر في معصية الله" (3)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (4)، وفي الحديث: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (5)، كما أنه عند الاختلاف يُرد الأمر إلى الله ورسوله لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (النساء: من الآية 59) وكما أن على الأمة الإسلامية السمع والطاعة لأولي الأمر في المعروف فكذلك يجب عليها عدم السمع والطاعة في المعصية، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسننه ويقتدون بأمره ثم يحدث من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (6).

 

وهنا ينفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عمن رضي قلبه بالظلم والعدوان والمعصية إلا أن علماء الأمة اتفقوا على عدم السمع والطاعة للإمام في المعصية مطلقًا، أما الخروج عليه باليد وسل السيوف عليه فيخضع إلى درجات تغيير المنكر.. فإن ترتب على الخروج عليه منكر أكبر أو قيام فتنة فيحرم الخروج، وإن قام عليه من هو أشد فسقًا منه فيجب الوقوف والقتال مع الأقل فسقًا وذلك للقاعدة الأصولية: (الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف) لأنه يكون أهون الشرّين.. أما الإنكار القلبي فيجب على كل مسلم عالم بالحكم بلا خــلاف.. وأما الإنكار باللسان ففيه خلاف والأولى فعله وذلك لحديث النبي صلى الله عليه وسلم "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله" (7)، وللحديث: "إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" (8).

 

وقد أخذ البعض على سيد قطب أنه يدعو إلى الثورة ضد الحكام وأنه بذلك خارج على أولي الأمر ويُشَهر بولاة الأمور وينزع يدًا من طاعتهم إن جاروا وإن ظلموا (9)، وفي المقابل نجد من يتهم الإخوان المسلمين- بمن فيهم سيد قطب- بأنهم يوالون الحكام ولا ينزعون أيديهم من طاعتهم بالرُغم من كفرهم وفسقهم (10).

 

وهكذا نجد تهمتين متناقضتين.. إذن فما هو رأي سيد في هذه القضية؟ وما هو رأي العلماء الثقات في ذلك؟ وهل اتفقوا فيما بينهم أو اختلفوا؟

 

ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء: من الآية 59) يقول سيد: "والنص يجعل طاعة الله أصلاًً وطاعة رسوله أصلاًً كذلك، بما أنه مرسل منه، ويجعل طاعة أولي الأمر.. منكم.. تبعًا لطاعة الله وطاعة رسوله فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم، كما كررها عند ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ليقرر أن طاعتهم مستمدة من طاعة الله وطاعة رسوله، بعد أن قرر أنهم (منكم) بقيد الإيمان وشرطه.

 

وطاعة أولي الأمر.. منكم.. بعد هذه التقريرات كلها في حدود المعروف المشـــروع من الله والذي لم يرد نص بحرمته، ولا يكون من المحرم عندما يُرد إلى مبادئ شريعته عند الاختلاف فيه، والسنة تقرر حدود هذه الطاعة، على وجه اليقين:

في الصحيحين من حديث الأعمش: "إنما الطاعة في المعروف" (11)، وفيها من حديث يحيى القطان: (السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحب أو كره، ما لم يُؤمر بمعصية فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) (12)، وأخرج مسلم من حديث أم الحصين: "ولو استُعمل عليكم عبد، يقودكم بكتاب الله، اسمعوا له وأطيعوا" (13).

 

بهذا يجعل الإسلام كل فرد أمينًا على شريعة الله وسنة رسوله، أمينًا على إيمانه هــو ودينه، أمينًا على نفسه وعقله، أمينًا على مصيره في الدنيا والآخرة، ولا يجعله بهيمة في القطيع، تُزجر من هنا أو من هنا فتسمع وتطيع! فالمنهج واضح، وحدود الطاعة واضحة، والشريعة التي تُطاع والسنة التي تُتبع واحدة لا تتعدد، ولا تتفرق ولا يتوه فيها الفرد بين الظنون!

 

ذلك فيما ورد فيه نص صريح، فأما الذي لم يرد فيه نص، وأما الذي يعرض من المشكلات والأقضية على مدى الزمان وتطور الحاجات واختلاف البيئات، ولا يكون فيه نص قاطع، أو لا يكون فيها نص على الإطلاق، فإنه لم يُترك كذلك تيهًاً، ولم يُترك بلا ميزان، ولم يترك بلا منهج للتشريع فيه والتفريع.. ووضع هذا النص القصير، منهج الاجتهاد كله، وحدده بحدوده وأقام (الأصل) الذي يحكم منهج الاجتهاد أيضًاً. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ردوه إلى النصوص التي تنطبق عليه ضمنًا، فإن لم توجد النصوص التي تنطبق على هذا النحو فردوه إلى المبادئ الكلية العامة في منهج الله وشريعته.."(14).

 

ثم إننا نجد سيدًا يؤكد أن طاعة الله وطاعة الرسول ثم أولي الأمر شرط من شروط الإيمان بالله واليوم الآخر فيقول: "تلك الطاعة لله والطاعة للرسول ولأولي الأمر المؤمنين القائمين على شريعة الله وسنة الرسول.. ورد ما يُتنازع فيه إلى الله والرسول.. هذه وتلك شرط الإيمان بالله واليوم الآخر، كما أنها مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر، فلا يوجد الإيمان ابتداء وهذا الشرط مفقود"(15).

 

بل إنه من أجل المحافظة على سلامة الدولة الإسلامية يجب على الجندي المسلم والفرد المسلم أن لا يشيع كل خبر يتطرق إلى أذنيه ويطير به في الناس حتى لا تحدث البلبلة والفوضى وإنما عليه أن يذهب بما تأتيه من أنباء إلى أولي الأمر ولذلك أنكر القرآن الكريم على من إذا جاءه أمر من الأمن والخوف أذاع به..

 

فيقول تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: من الآية 83)، وفي ذلك يقوم سيد: "أي لو أنهم ردوا ما يبلغهم من أنباء الأمن والخوف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إن كان فيهم أو إلى أمرائهم المؤمنين لعلم حقيقته القادرون على استنباط هذه الحقيقة واستخراجها من ثنايا الأنباء المتناقضة والملابسات المتراكمة.

 

فمهمة الجندي الطيب في الجيش المسلم، الذي يقوده أمير مؤمن، بشرط الإيمان ذاك وحده، حين يبلغ إلى أذنيه خبر أن يسارع فيخبر به نبيه أو أميره، لا أن ينقله ويذيعه بين زملائه، أو بين من لا شأن لهم به، لأن قيادته المؤمنة هي التي تملك استنباط الحقيقة، كما تملك تقدير المصلحة في إذاعة الخبر، حتى بعد ثبوته، أو عدم إذاعته..

 

وهكذا كان القرآن يربي، فيغرس الإيمان والولاء للقيادة المؤمنة، ويعلم نظام الجندية في آية واحدة.." (16).

 

ومع هذا الفهم الناصع لمعنى السمع والطاعة لأولي الأمر نجد سيدًا ينكر على الغاشين لأولي الأمر المُلبّسين عليهم، المُستذَلين لهم فيقول: "لقد شاهدت في عمري المحدود، وما زلت أشاهد، عشرات من الرجال الكبار يحنون الرؤوس لغير الواحد القهار، ويتقدمون خاشعين، يحملون ضرائب الذل تبهظ كواهلهم وتحنى هاماتهم، وتلوى أعناقهم، وتنكس رؤوسهم.. ثم يُطردون كالكلاب، بعد أن يضعوا أحمالهم، ويسلموا بضاعتهم، ويتجردوا من الحسنيين: في الدنيا والآخرة، ويمضون بعد ذلك في قافلة الرقيق لا يحس بهم أحد حتى الجلاد!" (17).

 

ويرفض سيد أن تكون العلاقة بين الفرد والحاكم قائمة على الكبت والإجبار فيقـول: ".. يقرر الإسلام أن العلاقة بينهم جميعًا، في المجتمع المسلم، وهي علاقة الود والرحمــة، وعلاقة التضامن والتعاون، وعلاقة الأمن والسلام.. ويقرر أن القاعدة التي تقوم عليها حياتهم هي قاعدة التناسق بين الحقوق والواجبات، والتعادل بين المغانم والمغارم، والتوازن بين الجهد والجزاء، ويقرر أن الغاية المقدرة لهم جميعًا هي امتداد وإنماء الحياة وترقية الحياة والتوجه بكل نشاط فيها وبكل نية وكل عمل إلى الله خالق الكون والحياة.." (18).

 

ويتكلم سيد عن نظام الحكم في الإسلام وما يترتب عليه من علاقات وطيدة بين الفرد وبين الحاكم فيقول: "ونظام الحكم في الإسلام كفيل بإقرار العلاقات بين الراعي والرعية على أسس من السلم والعدل والطمأنينة ينهض عليها بناء السلام الاجتماعي سليمًا راسخ الأركان.

 

إن الراعي لا يصل إلى مكانه إلا عن طريق واحد: رغبة الرعية المطلقة واختيارها الحر. ولا يستبقى بين الرعية مكانه ذاك إلا عن طريق واحد: طاعة الله والعمل بشريعة الله. وحكم يقوم على رضى واختيار وبعد مشورة من الناس وإذن ولا يحكم إلا بما أنزل الله.. حكم يشيع الثقة والطمأنينة في النفوس، ويبث الرضى والارتياح في القلوب، فلا مجال للبرم به والضيق منه، والتفكير في الخروج عليه، ما دام ينهض بتبعاته بالطريقة التي رسمها الإسلام، وفي الحدود التي شرعها الإسلام" (19).

 

ثم شرع سيد يبيّن طريق الإسلام وحدوده وأنها هي اتباع ما جاء من عند الله وتنفيذ شرعه على جميع عباده وأخذ الحاكم بمبدأ الشورى بما يناسب كل عصر وكل مكان وبغير تمييز لحاكم على محكوم في تطبيق النصوص والحدود الإسلامية ثم بيّن أن طاعة ولي الأمر مرهونة بإقامة الشريعة الإسلامية فإذا فسق عنها سقطت طاعته وذلك لحديث النبي صلى الله عليه وسلم "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله تعالى" (20)، فجعل الإسلام الطاعة لأولي الأمر بإقامته كتاب الله تعالى دون سواه (21).

 

وأجد كثيرًا من كلام سيد يفيد هذا المعنى في أكثر من موضع من كتاباته.

 

وإذا كان هذا هو رأي سيد في هذا القضية فما رأي العلماء الأثبات فيها؟.

 

يقول الإمام البخاري في اعتقاده: "وأن لا ننازع الأمر أهله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العلم لله وطاعة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحيط من ورائهم".

 

ثم ذكر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: من الآية 59) (22).

 

ويقول الإمام الطحاوي: "ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم" (23)، ثم ذكر شارح الطحاوية أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي وكذا أنس بن مالك وكان الحجاج فاسقًا ظالمًا (24).

 

ثم يقول أبو العز الحنفي: "وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر وإمام الصلاة والحاكم وأمير الحرب وعامل الصدقة يُطاع في مواضع الاجتهاد وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم لرأيه فإن مصلحة الجماعة والائتلاف ومفسدة الفرقة والاختلاف أعظم من أمر المسائل الجزئية" (25).

 

بل إن الإمام الطحاوي يرى: أن طاعة أولي الأمر من طاعة الله ورسوله كما قال سيد بعد ذلك فيقول الطحاوي: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة" (26).

 

وما ذكرناه لا يمنع مشروعية الاجتماع على الخير- في جماعة ما- والتعاقد عليه والتزام الطاعة للقائم عليه ويلزم ذلك شروطًا منها:

1- أن لا يُتحزب على أمر بدعي يخالف أصول أهل السنة والجماعة في جزئية من الجزئيات (27).

 

2- أن لا يقصد به منازعة السلطان المسلم والسعي في نقض بيعته وحل عقد إمامته، لما في ذلك من أدلة توجب طاعتهم في غير معصية.

 

3- ألا يعقد الولاء والبراء على أساس الانتساب إلى هذه الجماعة وذلك لأن معقد الولاء والبراء هو الكتاب والسنة لا غير.

 

وفي ذلك يقول الإمام ابن تيمية: "وأما لفظ (الزعيم) فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين، قال تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72)﴾ (يوسف)، فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يُقال هو زعيم، فإن كان قد تكفل بخير كان محمودًا على ذلك، وإن كان شرًّا كان مذمومًا على ذلك، وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب، أي تصير حزبًا فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم، سواء كان على الحق أو الباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان" (28).

 

غير أن البيعات المفرّقة لجماعة المسلمين والتي يعقد أصحابها الولاء والبراء على أساسها فيُكفرون ما عَداهم أو يُبدَعون ويُفرقون بها كلمة الأمة هي بيعات باطلة باعتبار ما أفضت إليه من المفاسد.

 

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهدًا بموافقته على ما يريده، ومولاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه، بل من فعل هذا كان من جنس جنكزخان وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صدَيقًا وليًا، ومن خالفهم عدوًّا باغيًا، بل عليهم وعلى أتباعهم عهد الله ورسوله ويراعوا حقوق المسلمين كما أمر الله ورسوله" (29).

 

وأما ما ذكره سيد من أن الحاكم لا يصل إلى مكانه إلا عن طريق واحد وهو رغبة الرعية واختيارها الحر ولا يبقى في مكانه إلا عن طريق واحد وهو طاعة الله ورسوله والعمل على تنفيذ أوامرهما وأن يحكم بشرع الله فترتاح القلوب ولا تبرم منه ولا تفكر في الخروج عليه ما دام ينهض بتبعاته في حدود الشرع (30)، فأرى أن قول سيد ليس قولاً مبتدعًا ولننظر إلى ما قاله الإيجي: "وللأمة خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه.. مثاله: أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين، وانتكاس أمور الدين، كما لهم نصبه وإقامته لانتظامها وإعلائها" (31)، ويؤكد الإمام البغدادي هذا المعنى فيقول: "ومتى زاغ- الإمام- عن ذلك كانت الأمة عيارًا عليه، في العدول به من خطئه إلى الصواب أو في العدول عنه إلى غيره" (32).

 

ومن هنا ندرك موافقة سيد لما جاء في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ولأقوال الأئمة الثقات والعلماء الأثبات في هذه القضية.

 

والله من وراء القصد ومنه العون وعليه التكلان.

-----------------

1- مسلم 3/1480 كتاب الإمارة/ باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع رقم 1852.

2- مسلم 3/1480 كتاب الإمارة/ باب إذا بويع لخليفتين رقم 1853.

3- مسلم 3/1469 كتاب الإمارة/ باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية حديث رقم 1840.

4- البخاري 3/ 1080 كتاب الجهاد والسير/ باب الطاعة للإمام رقم 2796 وفي كتاب الأحكام/ باب الطاعة للإمام ما لم تكن معصية رقم 6725.

5- أبو داود 3/40 كتاب الجهاد/ باب في الطاعة رقم: 2626.

6- رواه مسلم 1/69 كتاب الإيمان/ باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان رقم 50.

7- رواه: الحاكم في المستدرك على الصحيحين 3/215 ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب رقم 4884.

8- رواه أبو داود 4/124 كتاب/ الملاحم، باب/ الأمر والنهي، حديث رقم 4344.

9- انظر: فتنة التكفير والحاكمية لمحمد بن عبد الله الحسيني ص: 104-105.

10- انظر الحصاد المر الإخوان المسلمين في ستين عامًا لأيمن الظواهري ص: 36، 69، 109 (بدون معلومات عن دار النشر والمدينة والسنة ورقم الطبعة).

11- البخاري 3/ 1080 كتاب الجهاد والسير/ باب الطاعة للإمام وفي كتاب الأحكام/ باب الطاعة للإمام ما لم تكن معصية مع اختلاف في لفظه. وأبو داود 3/40 كتاب الجهاد/ باب في الطاعة.

12- البخاري 3/ 1080 كتاب الجهاد والسير/ باب الطاعة للإمام رقم 2796 وفي كتاب الأحكام/ باب الطاعة للإمام ما لم تكن معصية رقم 6725. وأبو داود 3/40 كتاب الجهاد/ باب في الطاعة رقم: 2626.

13- مسلم 3/1468 كتاب الإمارة/ باب وجوب طاعة الأمراء.. رقم 1838.

14- الظلال: 2/691.

15- الظلال :2/692.

16- الظلال 2/724.

17- دراسات إسلامية لسيد قطب ص: 126 من مقال بعنوان: (ضريبة الذل) كتبه في شهر يونيو 1952م، طبعة دار الشروق 1415هـ 1995م بدون رقم ط.

18- السلام العالمي والإسلام لسيد قطب ص: 103 من مقال بعنوان (سلام المجتمع) دار الشروق سنة 1415هـ، 1995 بدون رقم الطبعة.

19- السلام العالمي والإسلام ص 122- 123 (نظام الحكم).

20- مسلم 3/1468 كتاب الإمارة/ باب وجوب طاعة الأمراء.. رقم 1838.

21- انظر: السلام العالمي والإسلام ص:123- 125 (نظام الحكم).

22- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم اللالكائي 1/165- 166 بتحقيق د/ أحمد سعد حمدان- دار طيبة للنشر والتوزيع- الرياض- بدون رقم الطبعة وتاريخها.

23- شرح العقيدة الطحاوية ص 373.

24- شرح الطحاوية ص: 373- 374.

25- شرح الطحاوية ص 376.

26- شرح الطحاوية ص 379.

27- انظر: الاعتصام للإمام الشاطبي 2/200- 201.

28- مجموع الفتاوى لابن تيمية 11/92.

29- مجموعة الفتاوى لابن تيمية 28/16.

30- انظر: السلام العالمي والإسلام لسيد قطب ص: 122- 123 (نظام الحكم).

31- المواقف لعبد الرحمن الإيجي 8/353، مطبعة عالم الكتب- بيروت (بدون رقم الطبعة وتاريخها).

32- أصول الدين لعبد القاهر البغدادي ص: 278- دار الكتب العلمية- بيروت- الطبعة الثانية سنة 1400هـ.