(تدبُّر ساعة خير من عبادة سنة)

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾ (آل عمران).

 

التفكير والتدبر والتأمل أصلها في الإسلام عبادات، بل من أعظم العبادات، جاء بلال ليوقظ النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الفجر، فوجده لم ينم بعد، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت عليَّ الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..﴾".

 

ماذا نقول للملايين التي أغلقت النوافذ التي تُطلّ على عالم الغيب، وتشعر بقدر الله الذي يُسيِّر هذا الكون وتدبر أمره، لماذا نسي البعض هذه العجائب وهذه الآيات التي يزخر بها البرّ والبحر، وكلها تدلّ على عظمة الخالق.

وفي كل شيء له آيةٌ                      تدل على أنه الواحد

 

أفيقوا أيها الناس، أفيقوا أيها المسلمون، وكفى جريًا وراء البطن وشهواتها ومتطلباتها، وتأملوا في عالم الروح الذي جاء رمضان العظيم لفتح طاقاته في الإنسان.

 

وهو ينادينا بصوت يجب أن نسمعه، يقول:

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته   أتطلب الربح مما فيه خسران

أقبل على النفس واستكمل فضائلها    فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

 

وفي ليلة من ليالي الشهر العظيم "بلْجة صافية ساكنة، ولا حارة ولا باردة، كأن فيها قمرًا ساطعًا لا يرمى فيها بنجم"، أطفأت الأنوار، وخرجت إلى الحديقة أقلب وجهي في الفلك الأعظم تارة، وأراجع ترجمة حياة وردة كانت أمامي تارة أخرى، فرأيت من وراء بدائع صنع الله بدائع في نظام خلقه، يكاد قليلُ ما نعرفه من أسرارها يبهر عقول العقلاء منا، فتخر الجباه خاشعة لبديع السموات والأرض جلّ جلاله.

 

فكرت في نسيج الوردة القائمة أمامي على غصنها تسبح بحمد الله، خالق الأزل والأبد، وما بينهما من ملايين الدهور، وبرحت أحل في ذهني دقائق نسيجها، وأتذكر ما كنا تعلمناه في صغرنا عن ملايين الخلايا، والذرات التي تتألف منها أنسجة الوردة، والحركات العجيبة التي تتحركها كل ذرة من تلك الذرات، والحياة المستقلة والمتضامنة التي تحياها الخلايا في غذائها ونكاحها وحملها وولادتها وموتها، بما لا يعد شيئًا مذكورًا في جانبه، كل ما وصل إليه حِذْق الإنسان في صناعاته ودقيق آلاته وعجيب مخترعاته؛ المسروقة من أسرار صنع الله، والمزورة عنها بطريق التقليد المفضوح، ورجعت إلى تاريخ الزهور أستعرض سيرة أجدادها، والصفات التي تتوارثها أمة الزهور نسلاً بعد نسل، والمواهب التي تكتسبها هذه الأنسال من بيئاتها ومصاهراتها، وتأملت في استعدادها للنمو والتوليد وفي تذكرها أصولها ورجوعها إلى سابق صفاتها، بعد طروء التطورات الجديدة عليها، وكيف تسير في ذلك كله على أنظمةٍ غاية في الدقة، وبأوضاع في منتهى الحكمة، فوقعت ساجدًا ذليلاً لعظمة البارئ الحكيم.

 

كانت ليلة مباركة خشعت فيها لمقدر أنظمة الوجود والفناء في صنوف كائناته الأرضية؛ من أمم الجراثيم، إلى عوالم النبات والشجر والثمر، إلى طوائف الحيوان ساكنات التراب والهواء والماء.. من زواحف ودواب وسابحات وطائرات، وقلت هذا كله في كرتنا الأرضية وهي نجم صغير بسيط في كون واحد من ملايين الأكوان الدائرة في أفلاكها بنظام دقيق ومقادير محددة وأبعاد معينة وحركات مؤقتة ومقننة، وكل هذه الأجرام الهائلة المخيفة الهاوية في مداراتها القاذفة بشررها المسافرة أشعتها سفرًا أسرع من البرق في رحلات تستمر عشرات السنين بين مصدر تلك الأشعة ومواقع أضوائها وظلالها، فكيف بالتدبير الإلهى لمجموع مخلوقاته!!.

 

والحياة كيف وجدت في كون كان سديمًا وغازًا، ثم اشتعل السديم والغاز ملايين السنين؛ فكان جحيمًا، ثم رده صقيع الأجواء التي يروح فيها فصار جمادًا، فكيف نشأت في الجماد الحياة، حياة الوردة وحياة الهرة وحياة النملة وحياة الببغاء وحياة السمكة، كيف تحولت تلك السدم والغازات والمواد المتأججة؛ حتى صار منها ورد وهر ونملة وببغاء وسمكة وغادة.. هذا تقدير عظيم، هذا تقدير البارئ العليم، هذا تقدير القادر الحكيم.

 

ماذا نقول ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)﴾ (الأنعام).

----------

* من علماء الأزهر الشريف