الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين.. سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه مَن دعا بدعوته إلى يوم الدين!!

 

فها هي نسمات العيد الإيمانية تُقبل علينا، فتُسرِّي عن نفوسنا، وتمسح عن صدورنا، وتعيننا على الإقبال على طاعة ربنا، ففي الأعياد تتجلَّى مظاهر الفرح والسعادة، وتمتزج المشاعر الإنسانية بكل ما هو أصيلٌ وطيبٌ في النفس البشرية، من معانٍ لا تحمل إلا الصفاء والودَّ والإخاءَ.. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات:10).

 

ومن هذه المظاهر الطيبة:

خروج المسلمين جميعًا في يوم العيد، رجالاً ونساءً، كبارًا وصغارًا، في مهرجان عظيم إلى مصلى العيد؛ حيث التكبير والتهليل، ونبدأ هذا اليوم بالصلاة، ثم الاستماع إلى خطبة العيد في خشوعٍ وخضوعٍ لله ربِّ العالمين.

 

فإذا انتهت صلاة العيد أقبل المسلمون في حرارة وحبٍّ وصدق يهنِّئ بعضُهم بعضًا، ويعانق بعضهم بعضًا.. يقول الصحابي الجليل جبير بن نفير- رضي الله عنه- كان أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إذا التقَوا يوم العيد قال بعضهم لبعض: تقبَّل الله منا ومنكم، وفي الحديث "إذا التقى المسلمان فتصافحا تحاتت عنهما الذنوب كما يتساقط ورق الشجر".

 

غير أن الفرحة في العيد تودِّعنا ودموع الألم والحسرة على إخواننا وأحبابنا خلف القضبان.. الذين ما بغوا على أحدٍ ولا اعتدوا على مخلوق.. ولا ظلموا أحدًا، بل كل الدنيا تعلمهم.. والله جلَّ جلاله يعلمهم.. عُبّاد مسجده وروّاد الخير وحملة المنهج الإلهي للعالمين.. يعاملون هذه المعاملة التي تُحيِّر كل حليمٍ وتؤلم كل مَن يتأمل هذا الواقع المُرَّ ويسأل الجميع لماذا؟

 

فيقول الطفل لأمه: أين أبي.. تقول البنت: أين أبي؟ ويقول الجار: أين جار الذي عهدناه في هذه المناسبات يمُدُّ يده إلينا.. لماذا يُغيَّب هؤلاء الأبرار خلف الجدران وزوجاتهم حرمت منهم وأولادهم حرموا بسماتهم.. يا سبحان الله.. أهكذا يُعامل الأبرار الصادقون وتُلفق التهم لأحباب الله.. لا بأسَ فقديمًا لقيل لأسلافهم هذا القول فقال الله عز وجل لرسوله- صلى الله عليه وسلم- ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)﴾ (الذاريات)، لماذا يُترك اللص والمرتشي والمنافق والملحد طليقًا حرًّا ويُفعل هذا بالأحرار؟!.

 

أيها الأحباب.. لقد سلكتم طريق أصحاب الدعوات وعوملتم معاملتهم، وإنها لنعمة كبرى أن تُطاردوا وأن تُسجنوا، فسلعة الله غالية وسلعة الله هي الجنة فـ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: من الآية 200)، أما أولادكم وبناتكم وزوجاتكم فهم في كنف الله ولهم جزاء الصابرين ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: من الآية10).. وإنها لشدة وستزول.. تخرجون من المحنة أصفياء أنقياء لقد رضي الله عنكم وربط على قلوبكم، وسجلتم هناك في عداد المتقين الأبرار.

 

وعلى إخواننا في العالم العربي والإسلامي، خاصةً في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان وفي كشمير تأبى أن تفارقَنا، فما زالت طائراتُ وصواريخُ الصهاينة وأمريكا في ديار الإسلام تسفك دماء المسلمين، والمطارَدون من ديارِهم وخيامِهم لا عيدَ عندَهم، والآلاف من جرحى العدوان- من أبناء الانتفاضة المباركة وإخوة الجهاد- يعانون الأهوال من الإهمال، وهم يتساءلون: هل هناك عيد حقًّا؟!

 

إنّ ما يحدث في فلسطين وبلاد العرب والمسلمين- وقد تجاوز عدد شهداء الإسلام وضحايا العدوان كلَّ التقديرات- يحتِّم علينا جميعًا أن نحدد موقفَنا كحكام وشعوب، وأن نشعر بالمسئولية بين يدَي الله.. ماذا فعلتم للمظلومين والمشرَّدين والمعذَّبين في الأرض من إخوانكم العُزَّل.. ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (الحج: من الآية40).

 

لا بد من غسل قلوبنا وضمائرنا بدموع الندم على التقصير في حق هؤلاء.. إن العيد عند المسلم له مذاقٌ خاصٌّ.. إن يومًا لا نقصِّر فيه في حقِّ إخواننا لهو يوم عيد، وإن يومًا نقدم فيه شيئًا لأحبابنا، ونشارك في مسح دمعِهم وإغاثة محتاجهم والدفاع عنهم لهو يوم عيد.. إن يومًا ننصر فيه دعوتَنا ونرفع فيه رايةَ الإسلام، وندافع عن ديننا، وندعو غيرَنا إلى العودة إلى منهج الله وإلى شريعته لهو يوم عيد.

 

ما لون العيد في الأقصى؟ وما لون العيد في المخيَّمات؟ وما لون العيد في العراق.. في الكوفة.. في أفغانستان؟ ما لون العيد في بلاد المسلمين جميعًا وقد أحيط بهم، وتخلى عنهم حكامُهم وتركوهم بلا رعاية ولا حماية؟

 

أيها المسلمون في العيد:

لقد نادى الإخوان المسلمون جميعَ العرب والمسلمين منذ ثمانين عامًا وفي كل مناسبة أن يعودوا إلى الله.. إلى منهجه.. إلى شريعته، وأن يكونوا أمةً واحدةً، تجتمع على عقيدة التوحيد؛ ليَعمل لها جميع الأعداء ألف حساب، ولا تصبح كلأً مباحًا يُستهان بها، وكان دعاة الإسلام- وما زالوا- يخشَون من هذا المصير المؤلم الذي حلَّ بأمة الإسلام.. فما أحوجَنا اليوم وفي كل يوم حكامًا ومحكومين أن نوقن أن عزتَنا وسيادتَنا في الالتزام بالحق ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيْعًا وَلاَ تَفَرَّقُوْا﴾ (آل عمران: من الآية 103).

 

يقول عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: "إن الله أعزَّنا بالإسلام، فإذا طلبنا العزة في غيره أذلَّنا الله"، ورغم هذا الواقع فإن الذي نؤمن به أن المستقبل لهذا الدين.. لهذه الأمة الوُسطى، وسيتحقق إن شاء الله نصرُ الله القريب بعودة فلسطين وتحرير العراق وأفغانستان، فذلك يوم العيد ويوم الفرحة ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).

 

وأيضًا.. بخروج إخواننا من السجون والمعتقلات إلى عالم الحرية ورد حقوقهم إليهم، خاصةً ما سُلب منهم ظلمًا وعدوانًا من الحلال الطيب الذي كسبوه بجهدهم وكفاحهم وسعيهم.. وكل عام وأنتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

------------

* من علماء الأزهر الشريف