بعد الاعتراف "الكريستالي" لأركان أوسلو بفشل نهجهم طوال 18 عامًا، وبعد تمسكهم بهذا النهج رغم الإقرار بفشله، يحاولون اليوم إعادة استنساخ تجربة فاشلة أخرى في محاولة منهم للضغط؛ الأمر الذي افتقدوه بعد إسقاطهم كل أوراق الضغط والقوة، وعلى رأسها المقاومة المشروعة، وهنا نعني ما يسمى "إعلان الدولة من طرف واحد".

 

الغريب أن هذا الحديث جاء إبان احتفالهم بما يسمونه "عيد الاستقلال" الذي يصادف إعلان دولة وهمي ورقي لا أساس له عام 1988م، ويأتي من قِبَل مؤسسات "دولة فلسطين" التي لها "رئيس" و"سفارات".

 

التجربة الفاشلة المقصودة هنا هي محاولة الراحل ياسر عرفات قبل عشر سنوات- أي في عام 1999م- إعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد، وهو الذي حاول وقتها حشد أكبر تأييد لها من خلال جولات مكوكية، شملت العشرات من الدول حول العالم، وكان يومها متسلحًا بدعم كبير من الدول الآسيوية والإفريقية بل والغربية، فيما عُرف حينها بـ"بيان برلين" الصادر في 26/03/1999م الذي أيَّد موقف السلطة في إعلان الدولة؛ لكنه طالبها بالانتظار ريثما تنجلي الأمور على الساحة "الإسرائيلية".

 

فشلت التجربة حينها رغم هذا الدعم بسبب تخلي الأشقاء والأصدقاء عن دعمها، وتدخل الجيران وغيرهم لِثَنْي عرفات عن قراره، وكذلك بسبب التهديدات الصريحة والواضحة من أكثر من طرف.

 

كان هذا في بداية طريق "أوسلو"، وقبل الإقرار "الكريستالي" بالفشل، وفي ذروة قمع المقاومة من قِبَل السلطة الفلسطينية، وكان في مرحلة زار فيها "عرفات" البيت الأبيض أكثر من أي شخص آخر، وفي عهد كلينتون "المحب للسلام" كما يصفونه، وفي ظل سيطرة وهيمنة مطلقة على مفاصل القرار الفلسطيني، وتفرد لا ينازعه أحد لا في غزَّة "المنقلبة"، ولا رئيس وزراء ينازع الصلاحيات.

 

ما الذي تغير اليوم ليعيد فريق عبّاس استنساخ تلك التجربة، والتلويح مجددًا بدولة من طرف واحد؟ الشيء الوحيد الذي تغير هو أن عبّاس ومن معه يقفون وحدهم بلا أوراق ضغط وبلا دعم يُذكر؛ في مواجهة ذات الشخوص والمواقف والتهديدات، كيف؟!

 

عام 1999م كان نتنياهو نفسه رئيسًا لوزراء حكومة الاحتلال، واتخذ ذات المواقف، وهدد بأمور كثيرة؛ منها:

- منع دخول نحو 120 ألف عامل فلسطيني يعملون في "إسرائيل".

 

- منع دخول نحو 40 ألف تاجر ووكيل تجاري ورجل أعمال يدخلون كل يوم إلى "إسرائيل".

 

- منع إدخال بضائع فلسطينية إلى "إسرائيل".

 

- منع "الإسرائيليين" من الدخول إلى المناطق الفلسطينية التي ستُعْلن فيها الدولة.

 

- إغلاق المعابر، وفرض رقابة على المجال الجوي، وخطوات أخرى.

 

وفي موقف مكرر بنسبة 100% مع فارق زمني عمره عشر سنوات ذكرت الصحف العبرية أن "نتنياهو" ترأس حينها جلسة في ديوانه بمشاركة عدد من كبار المسئولين، تم خلالها مناقشة الطرق الممكنة؛ للرد على إعلان إقامة الدولة الفلسطينية بما في ذلك احتمال ضم بعض المناطق في الضفة الغربية، مهددًا برد فعل شديد للغاية لدى إعلان محتمل أحادي الجانب للدولة.

 

"هيلاري كلينتون" كانت حينها زوجة الرئيس الأمريكي، وهي اليوم وزيرة للخارجية الأمريكية، يومها تزعمت شخصيًّا حملة شرسة ضد السلطة وعرفات في "الكونغرس الأمريكي" لإصدار قرار يعاقب "السلطة الفلسطينية" إن هي أعلنت الدولة من طرف واحد، واعتبرت أن أي خطوة لإعلان الدولة الفلسطينية "خطوة غير مقبولة على الإطلاق".

 

وكانت العقوبات التي اقترحتها كلينتون تشمل:

- حظر تقديم أية مساعدات مالية للفلسطينيين من جانب الولايات المتحدة.

 

- حظر تقديم أية أموال تساهم في الاعتراف بدولة فلسطينية تُعْلَن من جانب واحد.

 

- تفويض الرئيس الأمريكي في توجيه المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة للاعتراض (الفيتو) على اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطينية تعلن من جانب واحد.

 

وقد اتُّخِذ بالفعل قرار في "مجلس الشيوخ الأمريكي" بأغلبية 98 صوتًا ومعارضة صوت واحد هو "السيناتور روبرت بيرد"؛ يعتبر أنه ينبغي للرئيس الأمريكي أن يؤكد بشكل لا لبس فيه معارضة الولايات المتحدة لإعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد، وأن الولايات المتحدة لن تعترف بهذه الدولة المعلنة.

 

وقد ألَّف محمود عباس كتابًا كاملاً عن تلك الفترة أسماه "سقوط حكومة نتنياهو" من إصدار "المركز الفلسطيني للدراسات الإقليمية" عام 1999م، يقول فيه مازن: "إن نتنياهو كان يترقَّب ماذا ستفعل السلطة الفلسطينية إزاء إعلان الدولة، وقد أعدّ لكل موقف تتخذه السلطة ردًّا سريعًا يجره لصالح حملته الانتخابية يرفعه شعارًا يسيء فيه إليها، فإذا قام المجلس المركزي بإعلان الدولة، سيقول: بأن هؤلاء لا يستحقون التعامل معهم؛ لأنهم يقومون بأعمال أحادية الجانب قبل التوصل إلى اتفاق، أما في حال ما إذا تراجعت السلطة عن الإعلان عن الدولة، فسيقول: بأن ذلك يعود إلى صلابة الموقف "الإسرائيلي" وحزمه تجاه الفلسطينيين الذين لا يفهمون إلا لغة التشدد والقوة".

 

أي أن محمود عباس يعرف مخاطر اتخاذ خطوة لا يستطيع إتمامها؛ فلماذا يعيد التجربة مرة أخرى وهو "يلاعب" ذات القوى والأشخاص، وفي موقف أضعف بكثير من موقف سلفه الذي حاول ثلاث مرات: في 04/05/1999م، وفي 13/09/1999م وفي 13/09/2000م ولم ينجح في أي منها؟

 

الحقيقة أن الفشل هو العنوان لكل ما تقوم به هذه المجموعة التي تعتبر أن الحياة مفاوضات، وتعتبر أن ما يلي فشل المفاوضات هو المزيد من المفاوضات؛ لأنه لا خيار آخر أمامهم- كما سبق وصرَّح محمود عباس نفسه- كما أنهم لا يملكون زمام المبادرة، ولا خطة لديهم للتعامل مع الأحداث سوى تقديم المزيد من التنازلات، خاصة بعد أن سلخوا أنفسهم عن الشعب الفلسطيني وقضيته وفقدوا كل مصداقية.

 

لم يعد لديهم ما يخسرونه بعد أن سقطت "ورقة التوت" وتعرَّوا تمامًا، وباتوا "ملطشة" لمن هبّ ودبّ، "ملطشة" يستلذ المجرم "ليبرمان" بها، ويوجه لهم الإهانات والادعاءات المتكررة بأنهم تآمروا وشاركوا في قتل شعبهم، دون أن يجرؤ أحد منهم على نفي ما يقول، "ملطشة" ضغط متكرر على الطرف المستعد للتنازل، "ملطشة" تستخدمها حتى الدول الكبرى في التنصل من وعودها، "ملطشة"؛ لأنهم بالفعل كذلك، وبدلاً من الشعار البائس "الحياة مفاوضات"، عليهم رفع شعار "الفشل ملطشة".

 

لو تبقى ذرة واحدة بسيطة من كرامة لدى أحد منهم لأراح واستراح، ولما رأيناه بعد اليوم في أي مكان، خزيًا وعارًا مما فعلوا وأجرموا، لكن هيهات هيهات، فقد استمرءوا الفشل والمهانة و"الملطشة".

 

لن يجرؤ عباس أو غيره أن يعلنوا دولة من أي نوع، لا من طرف واحد ولا من أطراف عدة، ولن تمنح لهم دولة لا بمجلس أمن ولا بغيره، ولن يحصلوا إلا ما زرعوا؛ الخيبة والفشل.

 

الحقوق لا تُمْنَح منّة وهبة، بل تُنْتَزع، الحقوق لا تُعْطَى، لكنها تُؤْخَذ غلابًا، والضعيف لا يحترمه أحد، إن كان محترمًا في الأساس.

 

فشل يتلوه فشل، وإهانة تتلوها إهانات، وخنوع يتلوه إذلال، ثم يحدثونك عن دولة ورئيس وسلطة.

 

تبًّا لهم من تعساء!

ولا نامت أعين الجبناء.

--------

* [email protected]