إن من أخطر ما يؤثِّر في بناء شخصية المسلم، ويقلِّل أو يزيد من فاعليته وحركته من أجل بناء دولته، وتوطيد أركان دعوته درجة وضوح فكرته، وضوحًا يحدده الفهم الدقيق، والإيمان العميق، والحب الوثيق، والعمل المتواصل، والوعي الكامل.

 

ولا يكفي هذا الوضوح فحسب، بل لا بد أن يتبع ذلك إخلاص لمنهجه، وإخلاص لأفراد جماعته، وإخلاص وثقة في قيادته، وبذل للجهد والوسع، يرجو به رضا ربه ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: من الآية 110)، ذلك لأن الإخلاص هو لبّ العبادات وروحها، فبدونه يصبح العمل كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، أو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه.

 

ذلك لأن المخلصين هم الذين:

إذا قالوا صدقوا، وإذا صدقوا عملوا.

وإذا عملوا أحسنوا، وإذا أحسنوا أخلصوا دينهم لله لا يريدون جزاءً ولا شكورًا.

 

فإسلامنا ليس أحكامًا وتعاليم وأوامر جامدة، إنه يتجسد في جماعة لها منهج وجنود وقيادة ذات قلب حي، حبب الله إليهم الإيمان، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فأفردوا الحق سبحانه بالقصد والطاعة، وتبرأوا من كل ما دون الله، فقصدوا وجهه سبحانه بقولهم وعملهم وجهادهم، وابتغوا مرضاة ربهم وحسن مثوبته.

 

الإخلاص لبّ الأعمال

والإخلاص بهذا المعنى هو لبّ العمل، وجوهر العبادة، وبدون الإخلاص تصبح العقيدة قالبًا لا قلب لها، والعبادة حركات لا روح فيها، فصلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، وزكاته لا تطهره ولا تزكيه، وصومه ليس له منه إلا الجوع والعطش، وحجه رفث وفسوق وجدال، وشريعته نظام لا حب فيه، وأوامر جافة لا مشاعر معها، وأخلاقه رياء وسمعة.

 

ولذلك فإن من دلائل إخلاص المؤمن صدقه في أقواله وأفعاله، لا همّ له إلا مرضاة ربه لا مرضاة الناس، بل قد يضطر أحيانًا إلى إغضاب الناس في سبيل مرضاة الله، لا يبالي بسخطهم إن رضي الرب سبحانه وتعالى، مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ التمس رضاء الناس بسخط الله وَكَلهُ الله إلى الناس" (1).

 

ومن ثمّ فهو يزن أعماله بميزان مرضاة الله عزَّ وجلَّ، فما رجحت به كفة هذا الميزان قَبَله وارتضاه وإلا أعرض عنه وجفاه، وبذلك تستقيم مقاييس المسلم، وتتضح أمام عينه معالم الطريق الصحيح، والسبيل القويم.

 

وأيسر الطريق إلى ذلك هو:

1- الإعراض عن طلب الشهرة.

2- وترك حظ النفس.

3- وترك الرغبة في المديح والثناء.

4- والمراقبة لله عزَّ وجلَّ.

5- والشعور الدائم بأن الله يراه ويعلم ما توسوس به نفسه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)﴾ (ق).

 

وإذا صحت عقيدة المسلم بالإخلاص، وصدق عمله بالاتباع، وعرف المؤمن أن له ربًّا خالقًا ورازقًا يدبر الأمر وحده، وأنه لا معبود بحق سواه، استحضر عظمته في نفسه في كل وقت وحين، وفي كل حركة وسكنة، وفي كل قول وفعل فيخشاه في السر كما يخشاه في العلانية، ومَنْ علم أن الله يراه حيث كان، وأنه يطلع على باطنه وظاهره، وسره وعلانيته ابتعد عن كل ما يغضب الله، فأحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، ومَنْ فعل ذلك فقد استكمل الإيمان.

 

وحين يخلص القلب من التعلق بغير الله يتحرر من كل القيود، وجميع الأوهام ويتحرر من الرغبة والرهبة لغير الله، فمَنْ ذا يرهب أو يرغب متى وجد الله؟ وحينئذٍ يرد كل شيء، وكل حدث وكل حركة إلى الذي إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، فإذا به ينحِّي الأسباب الظاهرة كلها، ويرد الأمر إلى مشيئته سبحانه فتنسكب في قلبه الطمأنينة فلا يتجه إلا إلى خالقه رغبًا ورهبًا.

 

وهذا ما يريده الإسلام من المسلم، وهو يسلك هذا الطريق في سرّائه وضرّائه، في نعمائه وبأسائه، ولا يتحقق ذلك إلا إذا تلقى من الله عقيدته وتصوره، وشعائره وشرائعه، وموازينه في آدابه، وتقاليده في سكناته وحركاته، همه الأكبر تمحيص مصدر التلقي، فله مصدره الذي يتلقى منه.

 

لا يلقي للناس بالاًّ ولا اعتبارًا إن هم حاولوا إثناءه عن الطريق المستقيم والمنهج القويم.. ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)﴾ (الشورى).

 

وأفراد هذه الجماعة لا بد أن يخلصوا لمنهجها تطبيقًا ودعوةً يلتزمون بذلك، ولا يُلزمون ويقنعون ولا يُكرهون يسوقون الحجة ولا يعنّفون، يتحلى أفرادها بالصبر، ويتجملون بالحلم، ويتحملون الإيذاء، لا يبالون بالإغراء أو الإغواء، ولا الشهوات ولا الشبهات، فلا يستجيبون لما يفتتن به الناس عادة من متاع الدنيا ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾ (سـبأ).

 

كما أن هذه الجماعة تواجه أهل الباطل بثبات وعزيمة لا تلين، موقنة بانتصارها حين تتمسلك بثوابتها ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)﴾ (المجادلة)، ذلك لأن دعوتها شجرة طيبة ثابتة مثمرة لا تزعزعها الأعاصير، ولا تعصف بها رياح الباطل، ولا تقوى عليها معاول الطغيان- وإن خُيّل للبعض أنها معرضة للخطر الماحق في بعض الأحيان؛ ولكنها متعالية على الشر والظلم والطغيان- يقول العاملون فيها للطغاة والظالمين ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (طـه: من الآية 72)، وإن خُيّل إلى البعض أحيانًا أن الشر يزاحمها، إلا أنها مثمرة لا ينقطع ثمرها؛ لأن الخير الأصيل لا يموت ولا يذوي، مهما زحمه الشر وأخذ عليه الطريق، كما وأن الشر لا يعيش إلا ريثما يستهلك بعض الخير المتلبس به ثم سرعان ما ينزوي.. ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: من الآية 18).

 

المخلص صبور ثابت

إن دراسة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخلص منها الدروس والعبر التي يستفيد منها الدعاة إلى الله، وهم يسيرون في طريق الله، فيتعلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المحن والشدائد لا تحمل الداعي المخلص لدعوته على أن يستسلم لأعداء الله، بل عليه أن يستمسك بالعروة الوثقى، وأن يتوكل على الله وحده، ولا يدع الشدائد تزحزحه عن إيمانه بالله وعن رسالة الحق التي يدعو إليها ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)﴾ (الأحزاب).

 

فبصبرهم وإيمانهم، وثباتهم وإخلاصهم كانت العقبى لهم:﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27)﴾ (الأحزاب).

 

كل ذلك بفضل صدقهم مع الله وصمّ آذانهم عن صرخات المرجفين الذين فقدوا الإخلاص لدينهم ورسالتهم في الوجود، وهم يصيحون بالتشكيك في وعد الله الذي وعد به عباده المخلصين، ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا (12)﴾ (الأحزاب)، فضلاً عن الإعراض عن سماع البعض الآخر منهم، كانوا ينصحون المؤمنين بالتراجع والتخلي عن الطريق ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا (13)﴾ (الأحزاب)، وما أشبه الليلة بالبارحة فهي سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

 

إن الإخلاص إذا شابته شائبة لا يتحقق به نصر، ولا يتوحد به صف بل تكون الهزيمة محققة وانتصار الأعداء لا مفر منه؛ لأنهم أكثر عدةً وعتادًا، ولا ينتصر الضعيف على القوي، ولا القليل على الكثير، ولا الأعزل على المسلح إلا بالإخلاص والأخذ بالأسباب ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: من الآية 249)، وهكذا واصلت الدعوة الإسلامية طريقها وأصبح لها تاريخ، ولها أمة لن تموت بفضل الله ثم بفضل رجالها المخلصين لمنهجهم، المخلصين لجماعتهم، المخلصين لقيادتهم؛ بعد أن حققوا عقد الإيمان بينهم وبين خالقهم، وعقد الأخوة فيما بينهم بصبر لا ينفد، وعزم لا يلين، وثبات لا يهتز، واصطبغوا بصبغة الله ومن أحسن من الله صبغة في كل صغير وكبير، واستعلوا على شهواتهم، ولم تستعبدهم لذاتهم، ولم تستذلهم أهواؤهم.

 

أخطار تهدد الإخلاص

إن حرارة الإخلاص تنطفئ رويدًا كلما هاجت في النفس نوازع الأثرة وحب الثناء، والتطلع إلى الجاه، وبعد الصيت، والرغبة في العلو والافتخار وحب الظهور، والرغبة في أن يُرى الإنسان في مقدمة الصفوف وأماكن التوجيه، ذلك لأن الله يحب العمل النقى من الشوائب المكدرة ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (الزمر: من الآية 3)، من أجل ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "اليسير من الرياء شرك، ومَنْ عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة، إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة" (2).

 

لهذا وجب على الداعي إلى الله أن يجعل عمله منزهًا عن الشوائب، يؤثر ما عند الله، ويحتسب بدينه ودنياه رضا الله سبحانه وتعالى، ويتولد بهذا الإخلاص أمهات الفضائل ويسود الخلق الكريم، والنهج القويم، والسلوك الحميد، وتنمحي أمهات الرذائل؛ لأن المخلص لدينه صادق مع نفسه، صادق مع ربه، محسن في عمله؛ من أجل ذلك كان من سمات الرعيل الأول: صدق الحديث، ودقة الأداء، وضبط الكلام، فتحقق مجتمع العدل والإحسان.

 

صحة الفهم وحسن القصد

"إن صحة الفهم، وحُسن القصد، من أعظم نعم الله التي أنعمها على عبده، بل ما أعطى عبد عطاء بعد الإسلام أفضل وأجل منهما، بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم؛ وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنُعم عليهم الذين حسُنت أفهامهم وتصورهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة، وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمدّه حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب، في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى" (3).

 

وصدق الرسول الكريم إذ يقول: "مَنْ فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، فارقها والله عنه راضٍ" (4).

 

فما أحوج المسلمين- اليوم- إلى جماعة تحمل هذه المعاني سلوكًا، وتحقق هذه الأهداف حياةً، جماعة تتحلى بتقوى الله، وحسن الخلق، وتقوم على صحة الاعتقاد وصدق الاتباع وتخلص لدعوتها حياة، ومنهجها تطبيقًا، ولأفرادها حبًّا، ولقيادتها طاعة، ليجري الله الخير على يديها فتستعيد مجدًا تليدًا، وطريقًا قويمًا، وصراطًا مستقيمًا، ومجتمعًا آمنًا فتجدد بذلك كله مجدًا قديمًا كاد الناس أن ينسوه؛ ولتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: من الآية 42).

----------

* عضو مكتب الإرشاد

----------

1) رواه الترمذي.

2) رواه الحاكم.

3) إعلان الموقعين جـ1 صـ87 لابن القيم بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.

4) رواه ابن ماجه.