د. جابر قميحة

 

كنت دائمًا- وما زلت- أردد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا ضعيت الأمانة فانتظر الساعة". قال السائل: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: "إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"، والعهد الذي نعيشه في مصر من ثلاثين عامًا إنما هو عصر تضييع الأمانة، وعصر توسيد الأمر إلى غير أهله.

 

فالأمانة ضائعة؛ لأن مصر تنهبها  عصابة من الأفَّاقين والمزوِّرين والكذَّابين والنفعيين والمنافقين والطبَّالين والزمَّارين، والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى، و(وُسِّد الأمر إلى غير أهله) أي تولى الحكم غيرُ الجديرين وغير المؤهَّلين لقيادة شعب- بل لإدارة مؤسسة من مؤسسات الدولة- على الوجه المطلوب.

 

وأذكر في هذا السياق مثالاً واحدًا، يتلخص في إسناد رياسة المجالس القومية المتخصصة لكمال الشاذلي.

 

وكانت البداية دكتور عبد القادر حاتم، إلى أن خلفه الدكتور عاطف صدقي رئيس مجلس الوزراء الأسبق خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وبقي في منصبه حتى وفاته.

 

وكان ذلك من باب التكريم.. وبعد وفاته بقي الكرسي شاغرًا لعدة شهور حتى صدر قرار جمهوري باختيار كمال الشاذلي للإشراف على المجالس المتخصصة؛ مما أثار استياء الكثير من المتخصصين ورموز العلم والفكر والسياسة.. فهم يرون أن الشاذلي لا يصلح نهائيًّا لهذه المهمة، وكان الأجدر بتوليها أحد العلماء البارزين بدلاً من تحويل المجالس إلى مجرد "جراج واستراحة" للمسئولين.

 

ويرى الدكتور محمد رءوف حامد (المفكر القومي وأستاذ علم الأدوية بهيئة الرقابة والبحوث الدوائية)؛ أن تعيين كمال الشاذلي مشرفًا على المجالس القومية خير دليل على عدم أهميتها في نظر النظام؛ فالشاذلي رجل إجراءات وليس رجل فكر وعلم، ولا يستطيع الإلمام بكافة البحوث والتقارير التي تعدها المجالس وتوجهها إلى المسار الصحيح لتحسين وتنمية جودة الإنتاج من خلال المجالس الأربعة، فهي مجمع للمفكرين والعلماء، يبدون من خلاله آراءهم، ويبذلون من علمهم وخبراتهم لصالح الدولة.. فكيف يتولى مهام المجالس رجل تجاوز السبعين.. في الوقت الذي يتطلب من المنصب رجلاً في أوج عطائه الفكري والعقلي للقيام بجولات هنا وهناك للوقوف على حقيقة الأوضاع، وضمان إعداد التقارير المناسبة والتوصيات المؤدية إلى حلول عاجلة وغير مكلِّفة؟

 

******

وأنا أتحدى وزير ثقافتنا الهمام أن يصوغ جملتين باللغة العربية الفصحى؛ ربما لأنه يجهل أن اللغة العربية هي عِرض الأمة وهويتها، أو ربما لأنه يعتقد أن النطق بالعربية الفصحى دليل على الرجعية والتخلف، ولا عجبَ في ذلك، فكل وزرائنا وقادتنا بينهم وبين اللغة العربية المنضبطة خصام مستحكم؛ ومما أثار هذا الخاطر في نفسي- في مساء الخميس 12/11/2009م- أنني رأيت وسمعت- بل عشت- وزيرة الثقافة الجزائرية وهي في حوار مع مقدمتها في البرنامج الثقافي، كانت الوزيرة تتحدث باللغة العربية الفصحى الراقية في تدفقٍ عجيب.

 

******

وأعتقد أنه ليس هناك من صوَّر الحاكم الدكتاتور كما صوره رسول الله صلى الله عليه وسلم في واحدة من جوامع الكلم نصها: "إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ".

 

يقول الدكتور عبد الرحمن البر: مَن هو الراعي الحطمة؟

"الحطمة- كالهُمَزة واللُّمَزة- هو الذي يضرب الناس ولا يرحمهم، وهو مأخوذ من الحَطْمِ، أو الحِطْمِ، فيقال: راعٍ حُطَمَة، إذا كان قليل الرحمة بالماشية، وهكذا الذي هو قليل الرحمة برعيته من الناس يقال له: راع حُطَمَة، وهو الذي يسوق رعيته سوقًا شديدًا عنيفًا لا رفق فيه، ويأخذهم بالشدة.

 

ويُقال: الحطمة هو الأكول الحريص، الذي يأكل ما يرى ويقضمه، فإن دأب الإمام الجائر أن يكون سيِّء النفس ظالمًا بطبعه، شديدَ الطمع فيما في أيدي رعيته، لا يحرص على نفعهم بقدر ما يحرص على نفع نفسه ولو بظلم رعيته".

 

وهذه الكلمة لم ترد في القرآن الكريم إلا مرتين في آيتين متتاليتين هما الآية 4 و5 من سورة الهمزة، وذلك وصفًا لنار جهنم ونصها:﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)﴾.

 

أليس العهد الذي نعيش فيه هو عهد الحاكم الحُطمة؟!

وفي مثل هذا العهد تختل السلوكيات، وتختل معايير التقييم، فيحتل الباطل موقع الحق، وتسمى الهزيمة النكراء انتصارًا باهرًا، وفي إعلامنا- للأسف- جهاز متكامل للمغالطات والكذب وللتبرير تبعًا لإرادة النظام الحاكم، وقد أطلقتُ عليه اسم "مدرسة المستنقع"؛ فالتراخي أمام العدو يسمى حكمة وبُعْد نَظَر، والاعتقال العشوائي ومحاكمة الأبرياء إنما يدل على حرص الحاكم على سلامة الوطن وحمايته له من أعداء الداخل.

 

وتهدر أموال مصر في الشكليات والمظهريات والمؤتمرات المضروبة، ويبرر ذلك بأنه من قبيل الكرم الحاتمي، والحرص على إعلاء مكانة مصر على المستوى الدولي.

 

******

وتأتي مباراتنا مع شقيقتنا الجزائر لتدل على أصالة الاختلال في سياسة حكامنا، فقبل المباراة شغلت مئات من صفحات الصحف ومئات من ساعات البث التلفازي في كل القنوات الداخلية والفضائية؛ وذلك شحنًا للجماهير ساعد فيه استعمال المصطلحات العسكرية بتوصيف المباراة بأنها معركة، وأنها ملحمة، وتحث المواطنين على "الزحف"- لا الذهاب- إلى الإستاد، وأنه لا صوت يعلو فوق صوت المباراة.

 

وفي أهرام الخميس 12/11/2009م يكتب أحد الصحفيين: "في ملحمة من ملاحم الشعب المصري تعبيرًا عن انتمائه للوطن التي يسطرها التاريخ، وتتذكرها الأجيال القادمة؛ تلك الملحمة الوطنية التي تجمع كل المصريين بمختلف أديانهم وألوانهم في شتى مدن وقرى ومحافظات مصر، والتي تنطلق غدًا بالدعوات في كل المساجد والكنائس المصرية من أجل صعود المنتخب الوطني إلى نهائيات كأس العالم بجنوب إفريقيا 2010م...". إلخ.

 

وفي أهرام الجمعة 13/11/2009م يكتب عاطف حزين: "سنفوز عليهم في الغد كما فزنا بالأمس، فنحن الأفضل حتى لو سبقونا ببضع نقاط، ونحن الأقوى.. ونحن أحق وأرقى.. ونحن الأعلم..

 

اليوم يوم الملحمة

سنقولها غدًا لكل من يحمل تذكرة وعَلَمْ

انفخوا أرواحكم وطاقاتكم في لاعبيكم

اجعلوا الفارس منهم يساوي ألفًا..

اعلموا أن الجزائر ستفوز إذا كان المنافس 11 لاعبًا فقط

اعلموا أننا سنفوز إذا أصبح لاعبونا 11 ألف لاعب...". إلخ.

 

******

وكل ما ذكر من قبل يهون أمام ما نُشر في (الأهرام) بتاريخ 12/11/2009م تحت عنوان: "الدعوات داخل المساجد والكنائس من أجل فوز المنتخب الوطني"... "تقديم موعد احتفالات الكنيسة بِعِيد جلوس البابا من أجل مباراة مصر والجزائر".

 

واستجاب كثير من خطباء المساجد لهذه الدعوة بعد صلاة الجمعة، منهم خطيب مسجد الدعوة، ومسجد نور الإسلام بالهرم.

 

مع أن خطباء المساجد ممنوعون بأمر زقزوقي من ذكر القدس والمسجد الأقصى، أو الحديث عن جرائم اليهود في الضفتين وفي غزة.

 

ومن قبيل الشحن المعنوي يذهب الرئيس حسني مبارك إلى الإستاد مساء الخميس 12/11/2009م، ويلتقي بالمدرب والمسئولين موجهًا ومشجعًا، وأكثر من ذلك يحضر التدريب الكامل للفريق، أي قرابة ساعتين، أما جمال حسني فحضوره مع الفريق لا ينقطع.

 

وأجدني بعفويةٍ وحسن نية أقول لسيادة الرئيس: يا ليتك عقدت اجتماعًا خاصًّا ذات يوم- في ساعة أو ساعتين- مع رؤساء أحزاب المعارضة، في هذه المرحلة الحرجة التي تمرُّ بها مصر، لمعرفة وجهة نظرهم في أحوال مصر، والمشكلات التي تخنقها، والذي أعلمه أن سيادتكم لم يعقد مثل هذا الاجتماع على مدى ثلاثين عامًا.

 

******

هذا ومن المفروض- كأبسط سلوكيات احترام الذات- أن يكون الوزير محترمًا شخصيته، رافعًا رأسه، دون أن يهوي إلى الدنايا التي لا تليق بالإنسان كإنسان.

 

ولكن السيدة عائشة عبد الهادي وزيرة القوى العاملة والهجرة قد غابت عنها هذه الحقيقة، فانحنت مستغرقة في تقبيل يدي السيدة سوزان مبارك بعد كلمة الرئيس مبارك في مؤتمر الوطني، وقد أثار هذا السلوك استنكارًا برلمانيًّا، حيث علَّق عليه النائب صبحي صالح (عضو مجلس الشعب) قائلاً: هذه عينة من مجلس الوزراء، وهذا ما رأيناه، وما خفي كان أعظم.

 

وكانت لقطات التقطها مصوِّرون في مؤتمر الحزب قد أظهرت الوزيرة تقبل يدي حرم رئيس الجمهورية، وتلح عليها في الحديث، قبل أن يقوم رجل أمن بإبعادها، أليس ذلك مظهرًا من مظاهر الاختلال والتناقض والاهتراء الذي يطبع هذا العهد؟

 

وقال صالح: إن الوزيرة تُعبِّر عن الحقيقة، فهي تقبل يد ولية نعمتها التي دفعت بها إلى مقعد الوزارة.. وهذا التقبيل يعني محاولة للاستمرار على مقعد الوزارة بعد أنباء التغييرات الوزارية القادمة.

 

واستطرد متهكِّمًا: وعلى العموم فإن الوزيرة سواء قبَّلت اليد أو لا ستحصل على معاش "وزيرة" بدلاً من معاش "عاملة" ساقطة إعدادية!.

 

ومن عجب أن تدافع الوزيرة الهمامة عن مسلكها المخزي بقولها: "من العيب تناول الموضوع على هذا النحو المسيء للسيدة سوزان مبارك.. ومن الأفضل أن تهتم الصحف بقضايا أكثر أهميةً تتعلق بهموم الرأي العام، بدلاً من تركيز الاهتمام على نشر صور لا معنى لها".

 

وأقول: يا ليتك- أيتها الوزيرة المُقَبِّلة- توجهين حكمتك هذه إلى الكبار جدًّا الذين تطرفوا ويتطرفون في شحن نفوس شعبنا شحنًا ناريًّا من أجل مباراة.

 

وأمر آخر يخجل منه أي مواطن في مصر- مهما انخفض مستواه الاجتماعي- وهو أن كبارًا من الموظفين وقادة الشرطة اشتروا لأنفسهم مئات من تذاكر المباراة، وقاموا ببيعها، أو تكليف مَن يبيعها لهم في السوق السوداء، فحققوا أرباحًا خيالية، ذكرت صحيفة "العربي الناصري" تفصيلاته، ومن هؤلاء ضابط كبير برتبة لواء.

 

أمر مخجل حقًّا يصدق عليه المثل العامي الذي يقول: "حاميها حراميها". (انظر التفصيلات المخجلة في ص 19 من الصحيفة الأحد 15/11/2009م).

 

******

وأعود إلى "الشحن" فأقول: إني ما أرى هذا الشحن الناري المتواصل إلا من قبيل الحرص على "الإلهاء".. إلهاء الشعب وصرف أنظاره عن مشكلاته الحقيقية التي تنهشه نهشًا: في التعليم، والإسكان، والمرافق، والمؤسسات، وما أصاب الأمة من أمراض أخلاقية سلوكية كالإهمال، وسلوك الكبار في النهب والسلب والاستيلاء على أملاك الدولة، وأموال البنوك والهرب بها إلى الخارج، وضياع حقوق فئات كثيرة جدًّا من أبناء الشعب التي تحاول أن تنال حقوقها، أو بعضها بالإضراب عن العمل والمظاهرات والاعتصامات.

 

وذكرني هذا الشحن المتطرف بصورة المرأة الفقيرة التي خلا بيتها من أي طعام، فصرخ صغارها من شدة الجوع، فأوقدت النار على إناء فيه ماء وحصى، وأوهمت الصغار أنها تطهو طعامًا حتى ناموا.

 

ثم إني أقول: إن هذا الشحن الذي بلغ أقصى مداه تمخض عنه هدفان فقط في مرمى الجزائر، أي أن فريقنا أصبح متعادلاً مع الفريـق الجـزائري، ومع ذلك اعتبرنا هذه النتيجة "نصرًا رائعًا".

 

وأتساءل بعد ذلك- على سبيل الافتراض- ما النتيجة التي كان يمكن توقعها لو لم يكن هذا الشحن الملتهب للفريق المصري؟!.

 

ولقد كدت أتقايأ وأنا أرى في التلفاز بعض المراهقات وقد صبغن وجوههن بألوان العلم المصري، وقام الحزب الوطني بتوزيع 70 ألف علم مصري فاخر على المشجِّعين، ومن عجب أن هذه الأعلام صُنِعت في الصين، فهل عجزت مصر بمصانعها المشهورة أن تصنع مثل هذه الأعلام؟!

 

******

وأسأل السادة الكبار- مذكِّرًا بالقدس والمسجد الأقصى الذي استباحه اليهود- لو أن واحدًا من رافعي الأعلام المصرية رفع بجانبه علم فلسطين، ترى ماذا ستفعلون؟ إن الإجابة معروفة ومؤسفة، فالمباراة والهتاف لمصر في جنون صارخ أهم من القدس والمسجد الأقصى وفلسطين كلها، وأهم من كل المشكلات العاتية التي تمزق المواطنين.

 

وكيف نسي الكبار أن مصر تعيش بلا أمن، وأصبح كل فرد في الشعب يخاف على نفسه، وعلى زوجته، وعلى أبنائه، وعلى أمواله؛ من عصابات لا يحصى لها عدد.. عصابات لا تحترم القائمين على النظام، ولا المسئولين عن الأمن.

 

ومن غرائب الصدف أن نقرأ في صحف هذه الأيام المواكبة "لملحمة الكرة" أخبار جرائم بشعة لم تعرفها مصر في العهود المسماة "العهود البائدة".

 

وعلى سبيل التمثيل نقرأ في (أهرام الأربعاء) 11/11/2009م الخبر التالي:

"8 ذئاب بشرية يخطفون فتاة من ميكروباص ويغتصبونها"

"في جريمة بشعة اغتصب 8 ذئاب بشرية فتاة، حيث قاموا بمطاردتها وهي داخل ميكروباص، واعتدوا على الركاب، وخطفوا الفتاة، وتناوبوا عليها الاعتداء..."، ومن عَجَبٍ أن تقع هذه الجريمة في بني سويف إحدى محافظات الصعيد.

 

ونقرأ من أيام أن الحكومة الإيطالية قد قضت على "المافيا" بصفة نهائية، أما مصر فـ"المافيا" فيها تزداد وتتفاقم، وتكتسب كل يوم جرأة واستهتارًا، مستخدمةً كل أنواع الأسلحة.

 

وفي هذا العهد الميمون "جدًّا" نشأت ما نسميه بالجرائم الأسرية، فنقرأ عن رجل قتل أبناءه، أو قتل زوجته ثم انتحر، وعن أخ قتل أخاه بسبب تافه، ومع ذلك لا تبدي الدولة الاهتمام المطلوب لمكافحة الجرائم بكل أنواعها، مع أن مصر تملك جهازا أمنيًّا لا تملكه دولة في العالم حتى الولايات المتحدة، إن مصر تملك جهازًا أمنيًّا من مليون ونصف مليون من رجال الأمن المركزي، مجهزين تجهيزًا كاملاً، ومع ذلك لم نر لهم أثرًا في مكافحة الجريمة؛ لأنهم جميعًا موجَّهون للحفاظ على عرش الحاكم الأعلى، وعروش القادة والحَوَاريِّين، وضرب المظاهرات والمعتصمين وطلاب الجامعة ممن ينادي بمناصرة فلسطين وتخليص المسجد الأقصى.

 

وما ذكرته إنما هو قليل يحدث في العهد المباركي... عهد تضييع الأمانة، وتوسيد الأمر لغير أهله.. عهد الحاكم الحُطَمَة "شَر الرِّعَاء".

 

******

وأخيرًا ندعو حكامنا بأن يحترموا إرادة الشعب بتحقيق مطالبه العادلة في الحرية والديمقراطية والحصول على الأمان ولقمة العيش؛ بادئين بإلغاء قوانين الطوارئ، وإعادة الهيبة للدستور والقانون والقضاء، ومحاسبة اللصوص الذين نهبوا أرض مصر وأموال البنوك.

 

وأحب أن أشير في هذا المقام إلى أنني انتهيت من كتابة هذا المقال صباح الثلاثاء 17/11/2009م أي قبل لقاء الفريق المصري والفريق الجزائري في مباراة التصفية في السودان، وأطلع على صحف يوم الثلاثاء فأقرأ عنوانًا في الصفحة الأولى نصه "الرئيس يطمَئِنّ على المنتخب والفريق يكمل استعداده للمباراة"، ويأمر بإقامة جسر جوي بين القاهرة والخرطوم، ويتكفل الحزب الوطني بتوجيه 2000 من أعضائه إلى الخرطوم على حساب الحزب، ويصدر الأمر السيادي بحمل 2000 مصري إلى الخرطوم لتشجيع الفريق، فيأمر بوتفليقه بإرسال 10000 جزائري إلى الخرطوم.

 

وحرارة الانفعال تشتعل، وأخشى ما أخشاه أن تقع اصطدامات دموية، يروح ضحيتها مسلمون أبرياء، وأكرر بيني وبين نفسي قول الشاعر:

أَرَى تَحْتَ الرَّمَادِ وَمِيضَ نَارٍ  =  وَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ضِرَامُ

وكبارنا هم المسئولون عمَّا يصيب شعبَيْنا من خسارات بشرية، ومادية، ومعنوية، ودبلوماسية.

 

وندعو الله أن ينصر من يبذل الجهد بصدق وعزيمة، وأن يجعل المصريين والجزائريين متحابِّين، فالجميع مسلمون وعرب، وأَنْعِم بالإسلام والعروبة مُقَرِّبًا وجامعًا.

 

******

وما سبق كتبته كله صباح الثلاثاء 17/11/2009م، وأُكمِل مسيرة الرؤية صباح الخميس 19/11/2009م والنتيجة مؤسفة ومعروفة في العالم كله، ونلقي نظرة عجلى على الصحف والأحداث لنقرأ أن الحشود حُشِدت يوم الأربعاء، وأقيم جسر جوي من الطائرات إلى الخرطوم، ويسافر 2400 من أعضاء الحزب الوطني للتشجيع، وصرَّح صفوت الشريف أن تكاليفهم على حساب الحزب الوطني.

 

وأعلن أن الرئيس اتصل بالفريق المصري في الخرطوم للتشجيع والطمأنينة.

 

وفيما يأتي أقدم قطوفًا مما نُشر في صحف الخميس بعد هزيمة فريقنا:

1- العنوان الرئيسي في الأهرام: "خروج مشرف لمنتخبنا الوطني في تصفيات المونديال".

 

وأقول: يا سادة، كفى مغالطة؛ إن الهزيمة هزيمة، فليس هناك هزيمة مشرفة، وهزيمة غير مشرفة.

 

ونلاحظ اختفاء ألقاب: "الفراعنة" و"أبناء الفراعنة" و"أبناء النيل"، فلم يكن هناك إلا تركيب "منتخبنا الوطني".

 

2- وفي الصفحة نفسها، ولكن في سطور منزوية في أعلى اليسار خبر: "حضور جمال وعلاء مبارك المبارة لمؤازرة الفريق".

 

فأين أثر هذه المؤازرة؟ إني أعتقد أن حضور جمال بالذات إنما هو جزءٌ من الدعاية للوريث، وربما أعتقد أنه سيقابل في مطار القاهرة كما يقابل الفاتحون.

 

3- ونقل إلى الخرطوم كذلك عدد كبير من الممثلين والممثلات، ونشرت الأهرام أن منهم الفنان أحمد بدير الذي تعهَّد بعرض مسرحيته "شيء في صدري" مجانًا للجمهور السوداني في حالة تأهل المنتخب لمونديال جنوب إفريقيا.

 

******

وتتوالى الأحداث بصورة مفزعة، حتى ليستشعر المواطن المصري أنه يتنفس هواء حرب عاتية الأوار، وتتوالى الأنباء الآتية:

- مبارك يعقد "مجلس أمن قومي" لمناقشة "الاعتداءات الجزائرية" على المصريين.

 

وهذا الاصطلاح لا يُستعمل إلا في حالة الحرب، وقد جمع هذا المجلس شخصيات الوزراء وبعض القادة العسكريين.

 

- واستدعت وزارة الخارجية سفير الجزائر بالقاهرة عبد القادر حجار، بتكليف مباشر من الرئيس مبارك، لإبلاغه استياء مصر البالغ إزاء ما قام به المواطنون الجزائريون من اعتداءاتٍ على المصريين عقب مباراة كرة القدم بين منتخبي البلدين في الخرطوم.

 

- وأعلنت مصر بصفة رسمية انسحابها من اتحاد شمال إفريقيا، وهو الذي يضم الاتحادات المحلية بدول الشمال في القارة السمراء.

 

وبعدها أعلن اتحاد شمال إفريقيا في بيان رسمي أن مصر لن تشارك في أي نشاط يقوم به هذا الاتحاد في المستقبل بعد أن قررت مصر الانسحاب منه، ويضم هذا الاتحاد دول الجزائر والمغرب وتونس وليبيا بجانب مصر.

 

******

وأعلن الرئيس حسني مبارك في خطابه الحماسي أمام مجلسي الشعب والشورى بأن كرامة المصريين من كرامة مصر، ومصر لا تتهاون مع مَن يسيء لأبنائها.

 

ونحن مع الرئيس مبارك قلبًا وقالبًا في هذه المقولة؛ فكل منا يردد بلسان الحال ولسان المقال قول الشاعر محمد عبد المطلب رحمه الله:

مِصْرُ أُمِّي فَدَاءُ أُمِّي حَيَاتِي = سَلِمْتِ أُمَّنَا مِنَ الْعَادِيَاتِ

وقول علي الغاياتي رحمه الله:

بِاسْمِ الْكِنَانَةِ وَاسْمِ شَعْبٍ نَاهِضٍ = لاَ بِاسْمِ أَحْزَابٍ وَلاَ زُعَمَاءِ

كُلٌّ يَزُولُ وَيَنْقَضِي أَمَّـا الْحِمَــى =  فَوَدِيعَةُ الآبَاءِ لِلأَبْنَـاءِ

ولكن مِن حقِّنا أن نقول: إن المواطن المصري يجب أن تراعى كرامته في داخل وطنه مصر، قبل أن نطالب الآخرين باحترام المصري والحفاظ على كرامته.

 

وفي كلمات موجزات- يا سيادة الرئيس- نرى المصري في وطنه مصر مهدرَ الذات، ضائعَ الكرامة، والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى. ومنها على سبيل التمثيل:

تزوير الانتخابات، وعدم تنفيذ أحكام القضاء، وتسليط قانون الطوارئ على المصريين كالكلب العضوض، وتدخل الأمن في كل مناحي الدولة من مؤسسات وتعيينات وانتخابات اتحادات الطلاب، أي أن الأمن أصبح صاحب الرأي الأول ولا أهمية للدستور ولا القانون، وكذلك القبض العشوائي واتهام الناس دون دليل، وتحويل المدنيين إلى القضاء العسكري، وإدانة المواطنين بتهم مخترعة لا وجود لها في الواقع، وتعذيب المواطنين في أقسام الشرطة إلى الموت أحيانًا، وكبت الرأي وعدم سماع الرأي الآخر ومطالب الفئات الأخرى، حتى أصبحت الإضرابات والاعتصامات هي الوسيلة التي يلجأ إليها المواطنون، وفي ذلك خسارة فادحة على مصر والاقتصاد القومي.

 

والخلاصة يا سيدي الرئيس أن المصري المهدر الكرامة في وطنه يكون من غير المعقول أن نطالب الآخرين بمراعاة كرامته.

 

******

وتمضي التصرفات الهوجاء لتتحكم في النفوس المريضة بإسراف وشطط، ومن مظاهر ذلك:

- ما قرأناه في (أهرام الأحد) 22 نوفمبر من أن أهالي قرية "الجزائر"- وهي قرية أنشئت في الوادي الجديد من نصف قرن-: اجتمع المجلس المحلي بها لتغيير اسم القرية من اسمها هذا إلى اسم جديد هو "قرية المصريين"، وطلب محافظ الوادي الجديد أحمد مختار من المجلس الشعبي للمحافظة عرض هذا الموضوع في جلسة مقبلة.

 

- وفي برنامج (القاهرة اليوم) رأينا نائب رئيس تحرير الأهرام أحمد موسى "العاقل.. المحترم جدًّا" يطالب المصريين بالقبض على كل جزائري في مصر وقتله!!.

 

- وقد عرفنا أن الحزب الوطني قد أرسل 2400 من شبابه إلى الخرطوم لتشجيع فريقنا القومي، وسافر هؤلاء إلى الخرطوم، ولم نسمع لواحد منهم صوتَ تشجيعٍ، حتى يخيل لمَن يشاهد المباراة أنه ليس في الإستاد إلا المشجِّعون الجزائريون، وبعض قيادات الحزب الوطني سافروا في طائراتهم الخاصة، وعادوا بها قبل عودة الجمهور واللاعبين، مثل أحمد عز، ومحمد أبو العينين.

 

ويظهر أن السبب هو عدم العدل في توزيع التذاكر، فوزعت على "الأفندية"، والممثلين والممثلات، وعدد كبير من النساء، ولم توزع على شباب متحمس يقوم بواجب التشجيع.

 

والدليل على ما قلت العراك الدموي الذي شب بين اثنين من قادة الحزب الوطني في المنصورة، وذلك بسبب تذاكر مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر التي أُقيمت الأربعاء 18/11/2009م بالسودان؛ حيث اتهم خلالها المهندس السيد الإتربي الأمين العام المساعد القائمين على تذاكر السفر للسودان بالظلم فى توزيعها.

 

واتهم الإتربي الحزب بتوزيع تذاكر المباراة على أعضاء نادي جزيرة الورد فقط، وقال: كنا محتاجين مشجعين بجد مش أولاد الطبقة الراقية اللي مبيعرفوش يشجعوا.

 

وانتهى النقاش الحاد باستعمال الأكف، وجرح آخر بزجاجة في وجهه أسالت دمه واحتاجت إلى أربع غرز.

 

- وكان ما كان في القاهرة من المظاهرة العارمة التي حاصرت السفارة الجزائرية، وحاولت اقتحامها، ولكن الأمن المركزي حال دون ذلك، وأدى الأمر إلى جرح عدد كبير من الضباط والجنود، وحرق عدد من السيارات.

 

- وفي حمى انشغالنا بالمباراة وتوابعها نغفل عن مآسٍ تهددنا في حياتنا ومستقبلنا وديننا، ومن ذلك: أنه خلال انشغال مصر بمباراة منتخبها الكروي مع الجزائر وتحديدًا في 15 نوفمبر، افتتحت إثيوبيا سد "تيكيزي" والذي تم إنشاؤه علي نهر تيكيزي أحد فروع نهر النيل بحضور رئيس الوزراء الإثيوبي ميلس زيناوي والمسئولين الإثيوبيين، هذا التطور الخطير لا يؤثر فقط على حصة مصر من مياه النيل، وإنما هو سابقة ستدفع دول حوض النيل الأخرى إلى أن تحذو حذو إثيوبيا وتقوم بإنشاء السدود دون الرجوع إلى مصر.

 

- و"إسرائيل" تبني عددًا ضخمًا من المستعمرات حول المسجد الأقصى، الذي أصبح مهدَّدًا في أي لحظة بأن يقتحم من أي عصابة من العصابات الإسرائيلية، وتقوم "إسرائيل" كذلك بعمل شيطاني، وهو إجراء تجارب طبية على أسرى الفلسطينيين، وللأسف ما زلنا نتحدث عن السلام وثقافة السلام، وتشدنا الكرة بعيدًا عن هذا الواقع المر الأليم.

 

******

ولن ينصلح أمرنا إلا إذا حكَّمنا عقولَنا في تُؤَدة ووعي فيما يقع من أحداث، بعيدًا عن الإسراف والشطط، والحماسة المنفوشة، ومراعاة كرامة الإنسان المصري في وطنه، وأن يكون النظام ديمقراطيًّا يَشعُر المواطن في ظله بأن الأمانة مصونة، وأن الأمر مُوسَّد إلى أهله، وأن الراعي عادل رحيم لا حُطَمَة.

---------------

* [email protected]