كان الخلاف الجوهري بين فتح وحماس في البداية؛ هو أن فتح ظنت أنها هي التي جلبت السلطة الوطنية، وأن كرسي السلطة في أرض محتلة، وتحت رماح الاحتلال صار إرثًا لفتح، وبذلك استكثرت فتح على حماس أنها نزلت إلى العمل السياسي، وتركت مواقع المقاومة، وكان يجب عليها في نظر فتح أن تظل في المقاومة، بينما فتح تتفق مع "إسرائيل" على ضرب المقاومة على أساس أن المفاوضات في نظر فتح هي الطريق الوحيد والأسلوب الودي للاتفاق على تسوية، ونسيت فتح تمامًا الفارق بين أبو عمار الذي حاول الموازنة والإبقاء على المفاوضة والاستعانة ضمنيًّا بالمقاومة؛ لتعزيز موقفه كما كانت تفعل كافة حركات التحرر الوطني.. أي أن السلطة السياسية داخل المقاومة أو داخل الدولة المحتلة كما حدث في فيتنام؛ هي التي تستثمر المقاومة حتى ترغم المحتل على الرحيل، أما أبو مازن فهو ليس بديلاً لعرفات؛ ولكنه منهج شخص آخر تمامًا، اعتبر المقاومة وليس "إسرائيل" هي الخطر عليه، كما تفعل النظم العربية عندما تعتبر المعارضة الوطنية المهدد لعرشها وليس الخطر الخارجي الذي يواجه الشعب كله، ويقع خطره على الجميع؛ حتى لو جلبته أخطاء النظام وخطاياه، وعبثه في إدارة البلاد.

 

فأصبح أبو مازن نصير التفاوض بلا أوراق، بل إن ورقته التي رشحته لقبول "إسرائيل" به شريكًا هو موقفه المناهض للمقاومة، أي أنه دخل مكان عرفات بمنظور الصراع على السلطة، وكأن إزاحة عرفات سواء بقتله أو بغيره وتوليه السلطة التي زاحمه فيها في حياته بابتداع منصب رئيس الوزراء، والانقلاب الفعلي عليه، وطرح نفسه بشدة كبديل له، وكأنه استكثر أن يخلعه ويظل حيًّا مما يربك الساحة الفلسطينية، فكانت تصفية عرفات حلاًّ له ولـ"إسرائيل".

 

ثم افترق الجناحان، أبو مازن وقد وضع كل ثقله خلف تسوية سياسية مع "إسرائيل"، مهما كان شكلها؛ مما دفعه إلى التعاون مع "إسرائيل" صراحة أو ضمنًا في مناهضة حماس، وحماس التي رأت في سعي أبو مازن إلى تصفية المقاومة بما يقضي على خصم شعبي عنيد، ويتقرب من "إسرائيل" خطرًا محققًا على وجودها وعلى مستقبل القضية، وهكذا ظهر الخلاف ثم الصراع بين منهجين وطريقين، لا يمكن الجمع بينهما، ولا بد من سيادة أحدهما واقتلاع الآخر، وتستر الفريقان بعناوين، حماس عنوانها المقاومة، واسترداد الحقوق الفلسطينية، ونبذ "المفاوضات العبثية"، ووقف التنسيق الأمني مع "إسرائيل" تحت إشراف الجنرال دايتون لتصفية المقاومة، واعتبار المقاومة هي الأولوية المطلقة إلى أن تنضج ظروف التفاوض بورقة المقاومة وليس بحرقها، يقابل ذلك أبو مازن الذي تستر بورقة السلام والشرعية الدولية الجديدة التي لم تعد تعرف سوى التسليم بضياع الحقوق الفلسطينية وتصفية المقاومة، رغم أن نفس الشرعية في طبقاتها المبكرة كانت تحمي جزءًا من هذه الحقوق، وهي نفس الشرعية التي قسمت فلسطين، وهي التي أدانت صد العرب عسكريًّا للعصابات الصهيونية، ثم انبرت هذه الشرعية للدفاع عما خصصته للفلسطينيين خارج دائرة المشروع الصهيوني.

 

فكانت المقاومة هي كلمة السر لمساندة حماس، أما عبارات السلام والشرعية الدولية فهي الغسق الذي سانده أبو مازن حتى يقضي على غريمه في الحكم والسلطة؛ مما أظهر بشكل فاقع جانب الصراع على السلطة، ومنه انطلقت الإدانات لطرف من جانب الآخر، واصطفَّ الجميع وراء أي من الطرفين، فالشعوب ساندت حماس خاصة في وجه المحرقة "الإسرائيلية" في غزة، بينما ساندت الحكومات العربية والأوروبية طبعًا الشرعية الدستورية والدولية في أبو مازن ضد حماس، كما ساندت "إسرائيل" ضد الإرهاب أي المقاومة الفلسطينية.

 

في هذا المناخ استحال جمع الطرفين على مذهب ثالث، فكانت أطروحات مصر للحوار أميل إلى مذهب أبي مازن فرفضته حماس، ثم استقام الطرح نسبيًّا مع عدم التفريط في إمامة أبو مازن، وإن سمح ببعض الهوامش في الاجتهاد، فتراوحت حماس بين الرفض الذي يغضب مصر ويظهرها بمظهر المتعنت، وبين القبول بربع قلب؛ فيظل التوجس والتحفز، وهي تدرك جيدًا أنه فخ لها بعد أن أصبح وجودها نفسه هو المستهدف، ولكنها تحرجت من الحديث عنه أو طلب ضمانات؛ لأنها تدرك أن أحدًا لا يستطيع أن يحك جلدها مثل ظفرها، كما يقول المثل العربي الشهير.

 

إلى هذا الحد استحكم الخلاف والصراع وتبادلت فتح وحماس الاتهامات، والقضية تتسرب و"إسرائيل" تتمدد والشعب الفلسطيني يعاني، وعملية السلام ستار ممتاز للتغطية والتخدير، والعالم كله يصرف النظر عن القضية إلى أن يتفق أبناؤها، والعالم لن يكون ملكيًّا أكثر من الملك، والدبلوماسية "الإسرائيلية" والأمريكية تقنع العالم بأن أكبر عقبة في طريق السلام الحقيقي هي هذه "المقاومة العبثية" التي تتحالف مع أعداء الأمة من أجل أهداف أنانية، رغم أن القضية تُصفى قبل ظهور حماس، ومع وجودها ومع تجميدها ووضعها في حالة دفاعية، واللحظة الوحيدة التي لاح فيها الأمل لاحت يوم أن انتعشت العمليات الاستشهادية ضد عدو غاصب، لا يفهم لغة القانون حتى لو صنع خصيصًا لمصلحته؛ لأنه ولد خارج رحم أي قانون وتوحش في ظل قانون القوة.

 

وفجأة ظهر المنقذ نتنياهو الذي صارحنا بأن المشروع الصهيوني يستهدف كل فلسطين، فإن أراد الفلسطينيون الجلوس معه على هذا الأساس فهو جاهز، أما الحديث عن الإجرام "الإسرائيلي" في غزة والاحتلال القاسي وطرد الفلسطينيين ودولة فلسطينية حقيقية؛ فهذه كلها مصطلحات إعلان الحرب والعداء لـ"إسرائيل"، وتبعد الفلسطينيين عن "طريق السلام"، فلم يعد هناك ورقة التوت التي يتخفى بها أبو مازن، ويستر نفسه لنفسه بها، فبدأ التخبط بعد أن جفَّف نتنياهو "البِرْكة"، وأظهر أنها لم تكن تحوي أسماكًا، كما ظن أبو مازن ظن الخير في أريحية "إسرائيل" وأدبه معها، وطاعته لها، وفي شباب أوباما ورشاقته.

 

والآن "إسرائيل" تريد كل فلسطين، ولم تترك "إسرائيل" لأبو مازن ما يتوارى به عن شعبه الضحية، كما أن حماس محصورة في غزة تحت الحصار وإغلاق المعابر، ووسط خرائب المحرقة والعدوان الصهيوني المستمر والحيل "الإسرائيلية" لضربها أو احتوائها، فلم تعد هناك مقاومة للاحتلال، ووقف المشروع الصهيوني، وإن بقيت مقاومة للعدوان على غزة واجتياحها؛ في ظل هذا الوضع لم تعد هناك سلطة يتصارعون عليها، ولم يعد هناك ما يتفاوضون عليه، كما لم يعد لديهم ما يدفع المقاومة على أن تمتد ضد العدو إلى كل فلسطين، بل ظهر دحلان لكي يتزعم انتفاضة ثالثة.

 

فلماذا لا يجتمع الجميع الآن وقد انفض السامر، فمن قدر على شيء بقي في الساحة، ومن أفلس فليرحل، ولماذا العداء والجدل وقد ظهر للجميع أنه مستهدف ولم يعد لوجوده مبرر، وأقول لهم كما قال أحمد شوقي لحزب الوفد والمنشقين عليه في حزب الأحرار الدستوريين، وكلهم تحت الاحتلال البريطاني، وصراعهم على كراسي الحكم الذي يأتمر بأمر المندوب السامي، وهو بالطبع لا يقارن بوضع فلسطين السليبة:

إلام الخلف بينكم إلاما؟           وهذه الضجة الكبرى علاما؟

 

إن هذا ظرف مثالي لسقوط الخلاف والاختلاف، واحتضان قضية الشعب الفلسطيني الواحدة وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.