لا أعرف كيف أصبحت غزة فجأةً مصدر الخطر الأول على الأمن القومي، وتحولت فجأةً من العمق الإستراتيجي للأمن القومي المصري إلى أكبر مهدد له! بينما الكيان الصهيوني دولة صديقة يجب المساهمة في حماية أمنه القومي من أعدائه وحصارهم وخنقهم حتى لو كانوا أشقاءنا سابقًا!!

 

شيءٌ يبعث على الجنون! فالمبصر لا يحتاج إلى كثيرٍ من الوعي ليعرف أن الكيان الصهيوني هو العدو الإستراتيجي لكل العرب شاءوا أم أبوا، تحابوا أم تعادوا، ولا يحتاج إلى كثيرٍ من الوعي ليعرف أنه لولا صمود غزة وحركة حماس فيها لكانت إسرائيل الآن جاثمة على حدودنا مع القطاع وهي كما علمتَ (شرُّ جارٍ يُجاور).

 

والمبصر لا يحتاج إلى كثيرٍ من الوعي ليعرف أنه لولا وجود حركة حماس (كشَنْكَل يُكَلْبِش بتلابيب الكيان)، ويمنعه من التطلع إلى الفريسة التالية لكنا نحن وباقي العجول السمان الفريسة التالية.

 

ولكن المبصر قد يحتاج إلى قليلٍ من الوعي ليدرك أن خطرَ حماس الحقيقي هو على (الأمن القومي الكُرْسِي)، الذي هو الأمن القومي للنظام- وليس الأمن القومي لأي بلد عربي- وذلك فقط لأن كل النظم المنتخبة ديمقراطيًّا في العالم هي خطرٌ على كل النظم الديكتاتورية في العالم، وذلك لأن الديمقراطية مرض خطير (والعياذ بالله) معدٍ كإنفلونزا الخنازير بل أشد، فما أن تظهر أعراض الإصابة به على قطر من الأقطار حتى تصيب الأقطار المجاورة له وتتمدد حتى يمتلئ العالم بهذا الوباء، وخير مثال على ذلك ثورات الديمقراطية في أوروبا الشرقية التي ما أن فُتح لها باب حتى انتشرت كالنار في الهشيم في كل دول الاتحاد السوفييتي السابق، حتى تهاوت كلها على بكرة أبيهم.

 

إن حماس خطرٌ فعلاً على الأمن القومي الكرسي فقط؛ لأنها نجحت في فرض النظام والأمن في قطاع غزة، واستطاعت التصدي لمؤامرات الاحتلال الصهيوني والقلة العفنة المتعاونة معه، وأسقطت مشاريع الاستسلام القائمة على طريقة (الانبطاح أولاً وربنا يسهل في الباقي!!) مما أبرز و(بَرْوَزَ) فشل النظامين القائمين على دفتي الحدود في رفح، السابق هناك والحالي هنا، وكذلك فشل كل النظم القمعية العربية القائمة على الأربع تسعات فما فوق!! كما ساهمت في تعرية هؤلاء لفشلهم على مدى عقود في إحداث نهضة أو تقدم أو حتى أدنى نجاح في أحد مجالات الحياة، رغم تمرغهم حتى الثمالة في خيرات الوطن العربي الوفيرة.

 

إن ما يقال عنه مصلحة الأمن القومي أو مصلحة الوطن يدخل في باب الخيانة العظمى للوطن والأمة.. ألا يتعلم النظام من (توءمه) النظام السوري الذي يرعى حركة حماس ويدعمها رغم أنه قصف (توءمها) بالطائرات في حماة، ولكنه عرف لعبة المصالح وعرف كيف يرتب قائمة أعدائه ليضرب بعضهم ببعض.

 

إن حماس خطرٌ فعلاً على الأمن القومي للعدو الصهيوني فقط؛ لأنها فرعٌ من حركة الإخوان المسلمين.

------------

* [email protected]