أحسن ما أبرزه الجدار الفولاذي- إن كان بالأمر حُسن- هو التطابق الكامل بين نظام مصر الحاكم والإدارة الصهيونية في التعامل مع ملف القضية الفلسطينية، فإن اختلفت الوسائل وتغيرت الأسباب، تبقى المصلحة للإدارتين واحدةً والموت للفلسطينيين واحدًا.

 

وربما تكون النتيجة السابقة معروفة للمتابع البصير، إلا أن قيمة الجدار الفولاذي ما أثبته بالنظر المجرد من اتفاق النتائج واختلاف الصياغات، وذلك بعقد مقارنة بسيطة بين الجدار العازل الذي يبنيه الكيان الصهيوني قرب الخط الأخضر، والجدار الفولاذي الذي يتبناه فريق الرئيس مبارك على الحدود بين رفح المصرية والفلسطينية.

 

لم يكن مفاجئًا ولا مستترًا بناء حكومة الصهيوني آرييل شارون لما أسماه الجدار العازل، والذي بدأ تنفيذه سنة 2002م بقصد وقف هجمات المقاومة الفلسطينية ضد سكان دولة الكيان أو المغتصبات الصهيونية القريبة، فيما بدأ واستمر العمل بالجدار الفولاذي سرًّا بغرض خنق المقاومة الغزاوية ووقف دعمها، وبعد أن اكتمل بناء أكثر من نصفه فضحته الصحافة الصهيونية، وكشفت أمره على الملأ.

 

فوق الأرض كان الجدار العازل، عاليًا وصريحًا رغم افتقاده التسليح الحقيقي وسهولة اختراقه مثل شأن الكيان في التعامل مع العرب عامة والقضية الفلسطينية خاصة، وتحت الأرض كان الجدار الفولاذي مختبئًا ولئيمًا، قوي التسليح وشديد الضرر، كحال الحكومة المصرية الحالية في ضرب القضية الفلسطينية.

 

والجدار العازل سيبلغ طوله عند إتمام بنائه نحو 704 كيلومترات بالمحاذاة للخط الأخضر الذي رسمه الصهاينة على حدود الضفة الغربية، ويفصل بين حدود الأراضي المحتلة سنة 1948م والمحتلة سنة 67، وأضرار الجدار؛ أهمها الاقتصادي بالتشديد على سكان الضفة والتضييق على عمالها طالبي الرزق داخل حدود الخط الأخضر، وكذلك التشديد الأمني على المقاومة بمضاعفة التحصينات وتكثيف حماية الصهاينة.

 

أما الجدار الفولاذي فيجري بناؤه على مسافة 10 كيلومترات هي طول محور صلاح الدين الفاصل بين مصر وغزة، ويتم غرس حوائطه الحديدية في الأرض على عمق (20- 30م)، ويتكون من صفائح حديدية صلبة طول الواحدة منها 18م وسمكها 50 سم مزودةً بمجسات تنبِّه إلى محاولات خرقه، ومهمته إكمال الحصار البري والبحري والجوي ضد قطاع غزة، ووقف ما تهربه الأنفاق إليه، وتجويع أهله بتشديد حصاره، وخنق المقاومة بل قتلها، وشل تهديدها الدائم لأمن الكيان الصهيوني.

 

وصاحبت الجدار العازل شرعية قانونية وشعبية في دولة الكيان، فقد تم بناؤه بقرار حكومة تحمل شرعية صهيونية، وبعد إقراره واعتماده في الكنيست (البرلمان)، فيما تبنى "الفولاذي" حكومة ليس لها في مصر سوى شرعية البلطجة وهراوات الأمن المركزي، وبدون عرض على مجلس الشعب أو حتى الاهتمام برأيه، مع القدرة على تمريره بعد افتضاحه بواسطة مصفقي الأغلبية وعرائس الحزب الوطني بالبرلمان.

 

أغرب ما في المقارنة هو أن الجدار العازل أوقف بناءه قرار محكمة العدل الصهيونية العليا للأخذ بالتماسات فلسطينيين وأعضاء من جمعيات صهيونية طالبت بتغيير مسار الجدار وتخفيف حدة أضراره بحياة الفلسطينيين وأراضيهم الزراعية، وهو القرار الذي التزمت به الحكومة فقامت بتعديل مسار الجدار، بينما يعرف القاصي والداني مصير الدعوى المرفوعة حاليًّا أمام القضاء الإداري المصري وتختصم رئيس الجمهورية وحكومته؛ لوقف بناء الجدار الفولاذي، وإزالة ما تم بناؤه منه، فتاريخ نظام مبارك معروف في عدم احترام القانون أو تقديره.

 

وطنيًّا كان آرييل شارون وهو يبني الجدار العازل حماية لبني جلدته، وشريفًا كان في إعلان كراهيته للعرب ورغبته في قتلهم جميعًا، تحقيقًا لمصلحة كيانه المزعوم، أما ما يتم الآن تحت الأرض، فيدور بتواطؤ مصري صهيوأمريكي، كما صرح ريتشارد فولك المقرر الخاص في "الأمم المتحدة" والمعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل يتم بالمخالفة لبنود معاهدة جنيف الرابعة الخاصة بدعم سكان الأراضي الخاضعة للاحتلال، وإن اختلفت أوصاف القرار المباركي، فلا اختلاف في أن الفولاذي لا يخدم سوى مصلحة الكيان الصهيوني ولا يراعي سوى أمنه.

 

المشهد لم تغب عنها صورة جمعيات صهيونية تتدخل لتعديل مسار الجدار العازل وتحركات شعبية لدعمه وتأييده للحفاظ على أمنهم، فيما يغيب تمامًا الشعب المصري الذي يكتفي بإغماض عينيه ودفن لسانه بعد ضميره، ليجري وراء لقمة غموسها الخنوع ومذاقها الذل والهوان، حتى يقضيَ الله أمرًا كان مفعولاً.

----------

* صحفي مصري.