دروس من أخلاق النبوة

أيها الأحباب.. هذا مكانكم وهذه منزلتكم السامية العظيمة نوضحها لكم بهذا المقال، فاحرصوا على قراءتها بل ومدارستها بل والتأمل فيها ومحاولة الاقتداء برسولكم- صلى الله عليه وسلم- الذي تذكرونه صباح مساء، وتصلون وتسلمون عليه في كل صلاة، فهو صلى الله عليه وسلم قريب منكم، فأنتم ترونه وتنظرون إليه من خلال المعايشة.. وقولكم دائمًا: الرسول زعيمنا يتطلب منكم خطوة، بل خطوات إلى أقواله وأفعاله وحياته كلها، فهو صلى الله عليه وسلم القيادة التي تهوي إليها الأفئدة وتميل إليها القلوب، فما أحوجنا إلى الاقتداء به ومعايشته أناء الليل وأطراف النهار، معايشة مَن يريد أن يحيا أكرم حياة وأصدق حياة.

 

يقول أحد التابعين لأحد الصحابة: "يا عم.. هل أدركتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي. قال التابعي: فكيف كان حالكم معه؟ ورد الصحابي: والله يا ابن أخي كنا نجهد في اللحاق به، وكان من أكثرنا تحملاً، خاصةً في أوقات الشدائد والكروب.. فكنا نتقي به العدو. قال التابعي: والله يا عم لو أدركنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصاحبناه لحملناه على رءوسنا، ولما تركناه يمشي.. اعترافًا بفضله علينا وعلى البشرية كلها.

 

وكان سلفنا الصالح إذا سمع متحدثًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انتبه وأصغى وتعلق بالمتحدث؛ لأنه سيسمع أصدق قول وأشرف قول عرفته البشرية، فكونوا كهؤلاء المؤمنين، واغتنموا الدواء، وطبقوا ما فيه سعادتكم وفلاحكم في الدنيا والآخرة.

 

أخي الحبيب.. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في سمو الخلق، وكرم الطباع، وسماحة النفس، وكان حسبُ أعدى أعدائه وخصومه أن يجلسوا معه لحظات من الزمن؛ حتى يأسر قلوبهم بأخلاقه وسجاياه، ولقد سُئلت عائشة- رضي الله عنها- عن أخلاقه صلى الله عليه وسلم فقالت: "كان خلقه القرآن"؛ أيْ كان الصورةَ العملية لتعاليم القرآن ومثله السامية، إنَّ سمو النفس من سمو هذه الرسالة، وإنَّ عظمة هذه النفس من عظمة هذه الرسالة.

 

يقول صاحب الظلال رحمه الله: "والناظر في هذه الرسالة كالناظر في سيرة رسولها صلى الله عليه وسلم يجد العنصر الأخلاقي بارزًا أصيلاً تقوم عليه أصولها التشريعية وأصولها التهذيبية على السواء، الدعوة الكبرى في هذه العقيدة إلى الطهارة، والنظافة، والأمانة، والصدق، والعدل، والرحمة، والبر، وحفظ العهد، ومطابقة القول للفعل، ومطابقتها معًا للنية والضمير، والنهي عن الجور والظلم، والخداع والغش، وأكل أموال الناس بالباطل، والاعتداء على الأعراض والحرمات، وإشاعة الفاحشة بأي صورةٍ من الصور، والتشريعات في هذه العقيدة لحماية هذه الأسس، وصيانة العنصر الأخلاقي في الشعور والسلوك وفي أعماق الضمير، وفي واقع المجتمع، وفي العلاقات الفردية والجماعية والدولية على السواء".

 

أيها الأحباب.. يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)﴾ (فصلت).

 

هذه الآيات تُصور لنا لونًا من التأديب الإلهي؛ فإن معالجة المشاكل والأزمات والخصومات بالطرق الودية الحسنة تؤثر بلا شك في الخضوع تأثيرًا بالغًا، ونحن- الإخوان المسلمين- أحقُّ الناس قاطبةً بهذه الأخلاق، فلا يؤثر علينا غيرها، ولا يروى عنا سواها؛ حتى تكون ملازمةً لنا في جميع الأحوال، ولكن المشكلة هنا في القدرة على ضبط النفس والصبر وكظم الغيظ والارتقاء فوق شهوات الانتفاع.

 

وصفات المؤمنين الثابتة في القرآن الذين أُعدت لهم جنات عرضها السماوات والأرض هي هذه.

 

قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)﴾ (آل عمران)  فمن يقول وينادي: إن القرآن الكريم دستورنا، فهذا هو دستوركم فالتزموا به، وقفوا عند حدوده لا تتعدوها مهما كانت الظروف، ومهما وضح أمامكم كيد الآخرين، وهذا هو إمامكم العظيم الشهيد حسن البنا رحمه الله يقول بأعلى صوته: "إني لو أعلم أن لي دعوة مستجابة عند الله لدعوتها لفاروق، فإن بصلاحه سيصلح خلق كثير"؛ ولذلك فإن هذه الأخلاق يسارع إليها الدعاة ويتلمسونها ويدربون أنفسهم عليها.. قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)﴾ (فصلت).  فكونوا أنتم أيها الأحباب.. في بيوتكم ومع أولادكم ومع زوجاتكم الطاهرات العفيفات ومع جيرانكم ومع القريب والبعيد كذلك، تجدون الثمرة قريبة جدًّا، وهي: إقبال الناس عليكم وإيمانهم بصدقكم.

 

كما يجب على أصحاب الدعوات الذين رهنوا أنفسهم بل وحياتهم كلها لهذا الأمر العظيم أن يعتقدوا أن معالجة المشاكل ومقابلة السيئة بالحسنة هي الدواء للقلوب والنفوس للبعيد والقريب على السواء، وصدق الله العظيم ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)﴾ (فصلت).

 

أيها الأحباب.. إن ما نقوله وما نذِّكر به ليس مجرد شعارات أو نظريات جوفاء بل هي في تاريخنا كله كانت واقعًا عمليًّا حيًّا يمشي على الأرض.. التمس هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ما غضب لنفسه قط إلا أن تُنتهك حرمة من حرمات الله، وهذا إمامكم الإمام البنا يدخل عليه رجل من زملائه في دار العلوم، وكان رجلاً متشددًا فقال بصوتٍ مرتفع: يا حسن أفندي- يقصد الإمام- فرد عليه: نعم سيدي، قال الرجل في حدة وغضب: أنا أكرهك. فرد عليه في هدوء: وأنا أحبك. فازداد الرجل غضبًا وقال: والله العظيم أنا أكرهك. فرد الإمام البنا في هدوء: وأنا والله العظيم أحبك. فقال الرجل: وهذا الأسلوب منك هو الذي يبغضني فيك. فقال الإمام في هدوء: وهذا الأسلوب منك هو الذي يحببك إليَّ. فلم يجد الرجل فرصة أكثر من أن يستحي ويخرج من مجلس الإمام.

 

ولذلك قال الإمام البنا هذه العبارة التي لم نسمعها قط إلا منه: "نحن نقاتل الناس بالحب".

 

أيها الأحباب.. هذا طريقكم فاعرفوه وتمسكوا به.. وهذه دعوتكم فحافظوا عليها.. وهؤلاء الناس جميعًا من حولكم فتقربوا منهم لله وزوروهم في الله- واقضوا مصالحهم لله- وكونوا من الذين قال الله فيهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمْ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً (14)﴾ (الإنسان).

 

اللهم اجعلنا وإياكم وسائر المسلمين من أهل الجنة، ومن أهل الفردوس الأعلى، وارزقنا الخُلق الحسن والكلمة الطيبة والحب الحقيقي لكل الناس، والرفق بهم، ومقابلة السيئة بالحسنة.. اللهم آمين.

--------

* من علماء الأزهر الشريف