لألف سبب وسبب، يحتاج كل واحد منا أن يجدد إيمانه، ويعيد النظر في علاقته بالله، وأن يعيد الروح إلى مشاعره الإيمانية.

 

لألف سبب وسبب، يحتاج كل واحد منا أن يخشى على إيمانه من الفتور، وعلى قلبه من الصدأ، وعلى روحه من الانقياد وراء مغريات الأرض، ومشاكل العمل والحياة، وصراعات البشر، وهوى النفس، ومداخل الشيطان، وشهوات الجسد، ومفاتن الدنيا، كلها تدعو المؤمن لأن يخاف على إيمانه، حتى لا يضيع من بين جنبيه.

 

أخي الكريم.. ألا تخشى على إيمانك؟ هل تصدق أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخشى على إيمانه؟

 

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو دائمًا: "اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، وكان يدعو الله أن يحفظ وجهة مشاعره، فلا تحيد عن اتجاهها الرباني المتجه إلى أعلى، لتتسخ بطين الأرض، فكان يدعو: "اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك" (رواه مسلم).

 

وكان يدعو ليلاً ونهارًا في أذكاره في اليوم والليلة: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر".

 

هل تعرف أن عمر بن الخطاب الذي فرَّق إيمانه بين الحق والباطل، والذي كان يهرب منه الشيطان، والذي سار في وجهه خطان أسودان من البكاء من خشية الله، هل تعرف أنه كان يتهم نفسه بنقص الإيمان؟

 

فلقد روي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله لأصحابه: "هلموا نزدد إيمانًا".

 

وكان طبيعيًّا أن ينتبه الصحابة للأمر.. فكان سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يدعو فيقول: "اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا"، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: "مَن فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه".

 

الإيمان يزيد وينقص

طبيعي أن يزيد الإيمان وينقص، وهذا ليس عيبًا في الإنسان، بل هي طبيعة البشر وسنة الحياة، يقول صلى الله عليه وسلم: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء".

 

روى أبو جعفر الخطمي عن أبيه عن جده عمير بن حبيب قال: "الإيمان يزيد وينقص. قيل: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله عز وجل وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه".

 

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ (الأنفال: من الآية 2)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ (آل عمران)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (الفتح: من الآية 4)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124)﴾ (التوبة).

 

مظاهر ضعف الإيمان

وظيفة الشيطان أن يهاجم الإنسان في إيمانه ليضعف طاقته الإيمانية، ويذبذب علاقته بالله، فيصبح ثقيلاً متكاسلاً، ويحدث الآتي:

1- التكاسل عن أداء الصلاة في جماعة وهي أحد أوصاف المنافقين حيث يقول تعالى ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (النساء: من الآية 142).

2- الصعوبة الشديدة في القيام لصلاة الفجر. قال النبي صلى الله عليه وسلم "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".

3- عدم الخشوع في الصلاة، وكثرة السرحان في مشاغل الدنيا وهموم الحياة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من امرئٍ مسلمٍ تحضره صلاةٌ مكتوبة، فيُحسِن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت له كفَّارةً من الذنوب ما لم تُؤتَ كبيرة، وذلك الدهر كلُّه" رواه مسلم.

4- ترك السنن والنوافل.

5- هجر القرآن ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)﴾ (الفرقان).

6- تجرؤ المسلم على المعصية وتجرؤ المعصية عليه.

 

انتبه

نقص الإيمان لا يحدث فجأة، ولا يتم دفعة واحدة، لكن خبث الشيطان يجعله يتحايل عليك ليسقط عنك سلاحًا تلو الآخر، حتى تفاجأ بالضعف والوهن، وأن حركتك أصبحت ثقيلة وصعبة، فتصاب بفتور عام في كل أجهزتك الإيمانية، فتنظر وراءك فتتحسر على نفسك وتسألها في دهشة: كيف حدث هذا؟ ومتى حدث؟ وكيف حدث؟

 

يحاول الشيطان أن يجرد المسلم العابد أولاً من سلاح السنن، وهو الحصن الحصين الذي يحمي الفريضة، فيكتفي بالصلاة في جماعة دون استعداد يجعله يصلي صلاته بحضور من يكون بين يدي الرحمن في مناجاة فردية رائعة، ودون ختام لها يجبر كسرها وما ضاع منها في فكر شارد.

 

يسقط سلاح السنن ليبدأ الشيطان في توجيه أسهمه إلى الخشوع في الصلاة، ليفسد ذلك الحوار الإيماني الراقي بينك وبين ربك، فتقف في الصلاة جسدًا بلا روح، لا تكاد تبدأها حتى تريد أن تنتهي منها.

 

بعدها تبدأ في التكاسل عن ختام الصلاة، وتتوالى الأعذار التي تقنعك بالصلاة في المنزل: أنا متعب الآن، دقائق حتى انتهى من هذا الأمر... الخ.

 

يكثر استخدام سجادة الصلاة لأداء الفريضة في المنزل، بعد أن سقطت مهمتها في أداء السنن، ويكثر سجود السهو بعد أن نجح الشيطان في أن يشكك مرات ومرات في عدد ركعاتك.

 

لا داعي بعد كل هذا أن نسأل عن صلاة الفجر والأذكار والورد القرآني اليومي، لقد انتصر عليك الشيطان بضربة موجعة في قلبك، وليس عليك الآن إلا أن تنتبه وتقرر أن تجدد إيمانك من جديد.

 

وسائل تجديد الإيمان

جميل أن تعرف مرضك وتشخص داءك وتقرر أن تسلك طريق الشفاء، فهذا وحده يعني أنك قطعت نصف الطريق.

 

يقول الحسن البصري رحمه الله: "لا يزال العبد بخير ما علم الذي يفسد عليه عمله"، وكما قال زاهد مكة وهيب بن ورد: "إن من صلاح نفسي علمي بفسادها".

 

إن عزيمتك هي التي ستجعلك تقطع نصف الطريق.

 

على قدر أهل العزم تأتي العزائم … وتأتي على قدر الكرام المكارم

 

أما النصف الآخر من الطريق فيتمثل في الآتي:

1- مجالسة الصالحين

يجزم علم النفس أن السلوك داخل مجموعة يختلف عن السلوك الفردي، وهو نفس ما صدقه الحديث الشريف "الشيطان مع الواحد، من الاثنين أبعد"، فالإنسان وسط مجموعة يكون أكثر استعدادًا للسير معها، بل وتحفز نفسه للتنافس والتفوق على من معه، وعندما تكون الصحبة صالحة وهدفها طاعة الله، يصبح من السهل على المرء أن يشحن إيمانه باستمرار ودون جهد منه.

 

وعندما يصبح الفرد وحيدًا بلا صحبة صالحة، تهاجمه الدنيا من كل مكان، وتختلي به الشهوات وتتنازعه الأهواء، وتضعف أحباله الموصولة بالسماء.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب. وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: "إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" رواه أبو داود في سننه.

 

2- المشاركة في العمل

عندما يكون الأمر صعبًا عليك، ابحث عمن يساعدك فيه.. هذا هو الحل عندما تضعف قواك الإيمانية عن رفع الغطاء عند أذان الفجر، أو الصلاة في جماعة، اتفق مع صديق نشيط في عباداته أن يعينك باتصال تليفوني أو مرور على المنزل حتى تستقر الأمور، وتصل طاقتك الإيمانية إلى معدلها الطبيعي. يقول تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 2).

 

3- دعوة الآخرين

تمر مراحل غرس القيم بمراحل أربع:

الأولى التأثير الإعلامي، ثم مرحلة العصف الذهني الذي يجعل القيمة تتفاعل مع العقل، ثم مرحلة تنفيذ الوسائل العملية التي تربط القيمة بالواقع، ثم تأتي آخر المراحل، وهي مرحلة (تبنى القيمة)، وهي المرحلة التي تدعو فيها غيرك إلى التحلي بقيمة أو بخلق فاضل، وإذا وصلت إلى هذه المرحلة، فسيصبح من السهل جدًّا أن تقوم بتنفيذ ما تدعو إليه غيرك، ودعوة الآخرين من أكبر العوامل التي تحفز النفس للعمل، ادع غيرك للعبادة، انصحه بأداء الفرائض في المسجد وقراءة القرآن وصلاة الفجر، والحظ تأثير ذلك عليك في نفس اللحظة.

 

4- التأثير الإعلامي على نفسك بالشرائط والكتب

كما تقوم الكثير من المواد الإعلامية بالتأثير السلبي عليك، كن ذكيًّا وقم أنت بالتأثير الإيجابي إعلاميًّا على نفسك، اسمع شرائط كاسيت تتحدث عن الرقائق، عن الجنة ويوم القيامة وحب الله والخوف منه والرجاء فيه، اقرأ كتبًا عن الخشوع في الصلاة والحياة مع القرآن وثواب السنن ومناجاة الله في الصلاة.

 

أدخل نفسك في عالم إيماني بعضًا من يومك، حتى تتوازن إيمانيًّا، وتصبح أقدر على مواجهة الحياة، دون أن تفسد الحياة إيمانك عليك.

 

5- الإقلال من المباحات

عندما نهانا الإسلام عن الإسراف، كان ينهانا عن المباحات وليس المحرمات؛ لأن الإسراف في المباح، يعلق القلب بالدنيا ويهوي بها إلى الأرض على حساب علاقتها بالسماء، ولذلك، فإن التوسط في استخدام المباحات يذكرك دائمًا بالله، وأن الدنيا زائلة مهما كثرت النعم وأقبلت.

 

6- ورد المحاسبة

تقوم فكرة الحساب على تحفيز النفس دائمًا نحو العمل والإنجاز، قم بتخطيط ورقة صغيرة كل أسبوع أو كل شهر، ضع فيها الصلوات الخمس في جماعة والسنن والأذكار وقراءة القرآن وصوم يوم في الأسبوع أو يومين في الشهر، وتعاهد مع أحد أصدقائك على أن يذكر أحدكما الآخر بملء ورقة الورد، واحرص ألا تقل فيه عن 75 في المائة كل أسبوع.

 

يقول عمر بن الخطاب: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم".

 

7- الاجتهاد في العبادة ومجاهدة النفس

انشط في العبادة، في السنن والأذكار وقيام الليل وقراءة القرآن، وعاند نفسك، وقل لها لا دائمًا، لا تستسلم لها، فهي ستقودك دائمًا إلى الكسل والنوم والراحة، وستختلق لك الأعذار في كل مرة كي تتقاعس عن صلاة الفجر أو قراءة وردك القرآني، أتعبها حتى تستسلم لك، وإذا دعتك إلى ترك شيء عاقبها بقراءة جزء من القرآن، وإذا أغرتك بالنوم عن صلاة الفجر، رد عليها بركعتين في جوف الليل، واجهها حتى تستسلم لك، وتعلم أنك من نوع لا يسهل هزيمته.

 

قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت).

 

وتذكر أخي الحبيب أن للإيمان جناحين، إيمان القلب، وتصديق العمل.

 

عن الحسن رضي الله عنه أنه قال: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل".

 

أخي الكريم..

انهض الآن، وارفع يديك إلى السماء وادع الله أن يعينك على طاعته، وأن يلقي الإيمان في قلبك، واستجمع عزيمتك وسر قدمًا نحو ربك الذي يحبك وتحبه.. وجدد إيمانك.