جهود مضنية تلك التي يبذلها الكيان الصهيوني لإحكام الحصار على قطاع غزة، لمنع كافة سبل الإمداد والتموين عن الشعب الفلسطيني وعن فصائل وحركات المقاومة، حتى يتسنَّى له في أي وقتٍ شاء توجيه ضربته القاصمة إليهم، بعد أن يكون قد استنفد قدرتهم على الصمود والمقاومة، وقضى على كافة سبل الردع الموجودة لديهم، مستعينًا في ذلك بدعم القوى العظمى التي أنشأت تحالفًا غير رسمي لإحكام الحصار، ومنع كافة وسائل الدعم بما في ذلك الشعبية من الوصول إلى القطاع، حتى تشعر الجماهير باليأس وتوقن بأنه لا أمل أمامها سوى الانقلاب على الأوضاع القائمة، والمطالبة بعودتها لما كانت عليه قبل سيطرة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على القطاع، وتوليها لأمور إدارته، مما يدعونا إلى التساؤل عن مدى تأثير ذلك الحصار على الشعب الفلسطيني وعلى قدرته على الصمود، وكذلك تأثيره على المقاومة الفلسطينية، وما إذا كان سينجح في النهاية في كسرها وتطويعها، أم سينجح الشعب الذي تحمل ويتحمل الصعاب في سبيل نصرة قضيته، في تفويت تلك الفرصة، والخروج من المأزق الراهن أقوى مما كان، وأقدر على المواجهة والصمود؟

 

إستراتيجية الوقت

يعتمد الكيان الصهيوني في حربه مع المقاومة الفلسطينية وضد الشعب الفلسطيني- بعد أن فشل في لي ذراعهما وكسر إرادتهما- على عامل الوقت، تلك الإستراتيجية القديمة التي كانت تلجأ إليها الدول الاستعمارية في السابق لتحقيق النصر على الدول التي تستعصي على الهزيمة بسبب قوة دفاعاتها وصلابة تحصيناتها، والتي لجأت إليها الولايات المتحدة في العصر الحالي، عندما أرادت القضاء على الرئيس العراقي صدام حسين، وتمكَّنت من خلالها في هزيمته، بعد أن أحكمت حصارها عليه، ومنعت عنه كافة سبل الحياة الطبيعية، ثم انقضت عليه بعد ما يقرب من ثلاثة عشر عامًا، ونجحت في التخلص منه بسهولة ودون مقاومة تُذكر.

 

تقوم الحكومة الصهيونية بتكرار نفس السيناريو، مع الحكومة الفلسطينية المقالة في قطاع غزة، فبعد فشل الحرب الصهيونية الأخيرة على القطاع، لم يعد أمام الصهاينة، سوى اعتماد إستراتيجية الوقت، باعتبار أنها الكفيلة- حسب زعمهم- في تجريد المقاومة والشعب من كل ما يملك، فضلاً عن أنها تتيح لأمراء الحرب الصهاينة الوقت الكافي لتمزيق الصف الفلسطيني، وتحويل المعركة من معركةٍ مع الكيان الصهيوني، إلى معركةٍ بين الأشقَّاء من فتح وحماس تارةً، وبين قوى المقاومة والشعب الفلسطيني إذا ما أمكن تارةً أخرى.

 

وبذلك تكون الحكومة الصهيونية قد حققت أكثر من مكسب، فهي من ناحية، لن تبدو مثلما حدث عقب حربها الأخيرة على القطاع، كدولة لا تحترم القانون والاتفاقات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، كما لن يبدو قادتها كمجرمي حرب، بل بالعكس سيعمل الكيان على إظهار نفسه كمحب للسلام وساعٍ إليه، لولا الخلاف الفلسطيني الذي يمنعه من المضي قدمًا في هذا الطريق.

 

ومن ناحيةٍ أخرى سيلجأ الكيان ومثلما هو حادث اليوم إلى إقحام دول أخرى في المشهد تتحمل نيابةً عنه وزر أفعاله، وبحيث تبدو تلك الدول وكأنها مَن يمنع المدد والعون عن الشعب الفلسطيني، وعلى رأس تلك الدول مصر، التي بدت في الفترة الأخيرة وعلى خلاف الواقع والحقيقة على أنها من يفرض الحصار على القطاع، وهذا في واقع الأمر نجاح كبير يحسب للصهاينة، الذين يحاولون الابتعاد عن الأنظار، وتصدير غيرهم لتحمل مسئولية ما يحصل للشعب الفلسطيني.

 

الحصار والمقاومة

ولكن، هل تنفع تلك الإستراتيجية مع الشعب الفلسطيني ومقاومته، مثلما نفعت في السابق مع العراق ومع ليبيا ومع غيرهما من دول العالم؟، في الواقع الإجابة تبدو صعبةً، وإن كان بعض الخبراء والمحللين يشيرون لعكس ذلك، إذ تبدو الظروف التي يتعرَّض لها الشعب الفلسطيني المحاصر في القطاع، مختلفة بعض الشيء عن سابقاتها التي حدثت للشعب العراقي، وغيره من دول العالم؛ وذلك من أكثر من جهة:

 

أولاً: الشعب العراقي رغم حصاره، إلا أنه كان يحصل على ما يحتاج إليه من غذاء ودواء وكساء، من خلال برنامج النفط مقابل الغذاء الذي كانت ترعاه الأمم المتحدة، وتديره الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تتحكم في كل ما يدخل، فتسمح بما تشاء وقتما تشاء وتمنع ما تشاء حتى ولو كان الشعب في احتياجٍ إليه؛ وذلك على خلاف الشعب الفلسطيني الذي لا يخضع لإرادة ولا سيطرة أحد، بسبب التعاطف الكبير الذي يحصل عليه من قبل الرأي العام العالمي، ومنظمات المجتمع المدني في كافة دول العالم، ذلك التعاطف الذي يدفع هؤلاء جميعًا للتحرك من أقصى الأرض من أجل تقديم الدعم المادي والمعنوي للشعب الفلسطيني، والمطالبة بضرورة فك الحصار عنه.

 

ثانيًا: اعتماد الصهاينة والأمريكان على عامل الوقت في تمزيق وتفتيت وقتل الشعب الفلسطيني، مثلما حدث في السابق في العراق مشكوك فيه؛ لأن الشعب وضع ثقته في الحكومة المقالة بعدما وجد منها التضحية والصدق في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية المشروعة، في مقابل المواقف الأخرى المخزية سواء من السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، أو من الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية المنحازة للكيان الصهيوني، وهو ما يعني أن عامل الوقت وعلى عكس ما يعتقد الصهاينة قد يكون في صالح الشعب الفلسطيني وفي صالح المقاومة أكثر من كونه في صالح الكيان؛ لأنه كلما زاد الحصار زادت صورة الكيان الصهيوني سوءًا وتشوهًا على الصعيد العالمي، وهي تكلفة أظن أن الكيان لن يمكنه تحملها فترة طويلة.

 

ثالثًا: الحكومة الفلسطينية المقالة في قطاع غزة جاءت من خلال انتخابات شرعية، وحازت على رضا شعبي ودولي كبير؛ وذلك على عكس حكومة صدام حسين التي فرضت نفسها على الشعب العراقي، ومارست ضده كافة أشكال الظلم؛ ولذلك نلحظ فشل المحاولات الصهيونية المستميتة لتشويه صورة حماس ووصفها بالإرهاب والتطرف، والربط بينها وبين تنظيم القاعدة وطالبان وغيرها من التنظيمات الإسلامية المتطرفة.

 

رابعًا: العراق كان يتهم بأنه يملك أسلحة دمار شامل تهدد أمن واستقرار العالم، أما غزة فلا تملك سوى مجموعة من الصواريخ البدائية التي لا تمثل أي ضرر لأحد، بما في ذلك الكيان الصهيوني، وهو ما من شأنه أن يفشل المساعي الصهيونية الخاصة بتشويه المقاومة وتشويه صورة الشعب الفلسطيني أمام العالم واتهامهما بالإرهاب مثلما تحاول الدعاية الصهيونية أن تصورهم.

 

خامسًا: القطاع أصبح محط اهتمام الرأي العام العالمي بعد سلسلة الزيارات التي قام بها نشطاء حقوقيون من مختلف دول العالم، وكشفهم للمأساة الإنسانية التي يعيشها أهالي القطاع؛ لذلك فإن من شأن استمرار الحصار أن يقابل بموجةٍ من النقد والرفض الشديد من الرأي العام العالمي للسياسة الصهيونية اللاأخلاقية واللاقانونية تجاه القطاع، وهي تكلفة كبيرة قد لا يقدر الكيان على تحملها.

 

سادسًا: العراق افتقد جزءًا كبيرًا من أسلحته وقدرته على المقاومة قبل الغزو الأمريكي بفترة، أما المقاومة الفلسطينية فبالرغم من دخولها في مواجهة شرسة مع الجيش الصهيوني، إلا أنها لا تزال تمتلك كميةً كبيرةً من الأسلحة تجعلها قادرةً على المواجهة في أي وقت، إذ لم تفقد المقاومة خلال تلك الحرب، إلا مجموعة من الصواريخ البدائية، أما بقية الأسلحة الأخرى التي تُستخدم في حرب الشوارع فلا تزال تملك منها كميات تكفي لمواجهة العدو الصهيوني في حال قرر إعادة اقتحام واحتلال القطاع مرةً ثانية.

 

سياسة غلق الأنفاق

ويخطئ مَن يظن أن تشديد الحصار من خلال بناء جدر فولاذية على حدود قطاع غزة مع مصر، سيحرم المقاومة من عناصر الإمداد الرئيسية التي تتيح لها البقاء والعيش لفترة طويلة، فكما سبق أن أوضحنا، تعد الأنفاق إحدى وسائل الدعم التي يحصل من خلالها الشعب الفلسطيني على بعض احتياجاته، ولكنها ليست المصدر الرئيسي لذلك، فهناك مصادر أخرى على رأسها المعابر، يحصل من خلالها الشعب على ما يكفل له البقاء والصمود، وهذه المصادر لن تتمكن إسرائيل ولا مصر من غلقها، لمخالفة ذلك الاتفاقات والأعراف الدولية، ولإصرار المجتمع المدني العالمي على تقديم كافة سبل الدعم الممكنة للشعب الفلسطيني، هذا من ناحية.

 

ومن ناحيةٍ أخرى، تهدف مصر من بناء الأنفاق ليس حصار الشعب الفلسطيني مثلما يعتقد البعض، وإنما تفويت الفرصة على الكيان الصهيوني وأمريكا التي تتهم مصر بتهريب السلاح للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، ولأن النظام المصري لا يريد أن يدخل في صدام مع الولايات المتحدة فإنه يقوم بسد تلك الثغرة أمامهم، ولكنه في الوقت نفسه لن يمنع الشعب الفلسطيني من الحصول على متطلباته، وذلك لأكثر من سبب:

 

أولاً: لأن منع الشعب الفلسطيني من الحصول على متطلباته يضر بالأمن القومي المصري، لأن الشعب الفلسطيني في هذه الحالة لن يثور على حماس التي لا ناقةَ لها ولا جملَ فيما يحدث، وإنما سيثور على مصر؛ مما سيدفعه لاقتحام السور الفاصل على حدود قطاع غزة مرةً ثانية، حتى ولو أدَّى ذلك إلى موته، وهي نتيجة لا تتحملها مصر ولا تقبل أن تدخل في صدام مع الشعب الفلسطيني لحساب الكيان الصهيوني الذي يحاول أن يلعب بأقدام الآخرين.

 

ثانيًا: لا تريد مصر القضاء على المقاومة الفلسطينية في غزة، لأنها تعلم جيدًا أن الكيان الصهيوني، لا يتقدم في عملية السلام إلا تحت ضغط المقاومة، ومن ثَمَّ فإن وجود المقاومة في غزة، من شأنه أن يدفع الحكومة الصهيونية سواء بقيادة نتنياهو أو غيره للجلوس على طاولة المفاوضات، وتقديم التنازلات للشعب الفلسطيني وللأمة العربية في القضايا محل الخلاف المشترك.

 

ثالثًا: لن يكون بمقدور النظام المصري الاستمرار في تحمل أخطاء الكيان الصهيوني تجاه القضية الفلسطينية عمومًا وقطاع غزة على وجه الخصوص، إذ من شأن ذلك أن يضر بسمعة مصر ومكانتها على الصعيد العالمي، وهي كلها أمور تضر بالنظام وبالأمن والاستقرار في البلاد.

 

رابعًا: كان من الممكن للنظام في حال رغب في وقف كافة سبل الإمداد والتموين للقطاع أن يفعل ذلك، وهو بالفعل قد بدأ في ذلك في الفترة الأخيرة بعد اشتداد الضغط الخارجي عليه، وذلك من خلال تكثيف الدوريات الأمنية في المنطقة الحدودية لاكتشاف أنفاق التهريب، ولكنه آثر تنفيذ الرغبات الصهيو أمريكية منعًا لتوتر العلاقات بين الجانبين، كما كان بمقدوره فتح معبر رفح لدخول تلك المواد إلى القطاع بدلاً من تهريبها عبر الأنفاق، إلا أن الضغط الشديد الذي يتعرض له يمنعه من فعل ذلك، ولأن الصهاينة لا يثقون بأحد فإنهم يلجئون إلى تلك الأمور المخالفة للأعراف والمواثيق الدولية، ظنًّا منهم أنهم بذلك يخنقون القطاع ويدفعون أهله للثورة على الحكومة الفلسطينية التي تقودها حركة المقاومة الإسلامية "حماس".

 

وعي عالٍ

على عكس ما يعتقد الصهاينة، من أن اشتداد الحصار وطول فترته كفيل بكسر شوكة وصمود الشعب الفلسطيني، فإن الوعي العالي الذي يتمتع به الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة، سيكون له دور كبير في إفشال ذلك المخطط، حيث باتت الجماهير المحاصرة على يقين من أن العدو الصهيوني يتربص بهم الدوائر، ويسعى جاهدًا بعد أن نجح في إشعال نار الفتنة بين وفتح وحماس، في أن يتقدم خطوةً أخرى للأمام، ويحدث نفس الأمر بين فصائل المقاومة وعلى رأسها حماس وبين الجماهير، بحيث تتحول الأراضي الفلسطينية المحاصرة إلى الحرب الطائفية، وبذلك يكون الكيان قد حقق أهدافه، ونجح في تحقيق المعادلة الصعبة دون اللجوء إلى الحرب، أو الدخول في صراع يشوه الصورة ويقضي على المكتسبات الصهيونية المتحصل عليها من خلال المفاوضات الصورية التي تجريها مع الحكومات والأنظمة العربية والغربية.

 

والحقيقة أن ما يساعد في تحقيق ذلك التقدم على الأرض، هو اندماج الحكومة الفلسطينية المقالة في أوساط الجماهير، ومشاركتهم الظروف والأجواء المعيشية الصعبة التي يعيشونها، فضلاً عن نظافة اليد، والإعلاء من شأن القضية على ما سواها من قضايا، مع التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية، المتمثلة في ضرورة استمرار المقاومة للحصول على الحقوق الفلسطينية المشروعة، خاصةً أنه قد ثبت أن الكيان الصهيوني لا يعترف إلا بالقوة، ولا يقدم شيئًا للشعب الفلسطيني إلا مرغمًا، وهذا ما تؤكده التصريحات الصهيونية والتي كان آخرها تصريح وزير الخارجية ليبرمان الخاص بأنه (لن يتم تقديم أي تنازلات جديدة للرئيس الفلسطيني محمود عباس "أبو مازن" مهما كانت المبررات والدوافع وراء ذلك).

 

نخلص من ذلك إلى أن الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة منذ ما يزيد عن العامين، يعيش حالة حرب مع الكيان الصهيوني، الذي يجند غالبية دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة للفوز في هذه المعركة غير المتكافئة على الإطلاق، معتمدًا في ذلك على الحصار تارة، وعلى عامل الوقت تارة أخرى، إلا أنه ينسى أن من يقف أمامه اليوم ليست حكومة حماس ولا المقاومة الفلسطينية ولا الشعب الفلسطيني، وإن كان لهما دور كبير في ذلك، وإنما ضمير العالم الحي، الذي يرفض الظلم، ويأبى إلا أن يفك الحصار ويترك الشعب الفلسطيني ليمارس حياته الطبيعية كأي شعبٍ آخر في العالم؛ ولذلك فإن التعويل على عامل الوقت من جانب الكيان الصهيوني لتركيع الشعب الفلسطيني لن يؤتي ثماره، لأنه في حال تم له ذلك، فإنه لن يكون الشعب الفلسطيني الخاسر، وإنما كافة شعوب العالم المدافعة عن الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية.

------------

* باحث في الشأن الفلسطيني.