الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبعد..

فالحقيقة التي لا مراء فيها أن الحديث عن الإمام البنا ومشروعه الإسلامي الإصلاحي لا يكفيه سطور أو صفحات كتاب مؤلفة للإحاطة بهذا المشروع العظيم، وأكبر دليل على ذلك الأعداد المَهُولة من الكتب الإسلامية التي تناولها تلاميذه وأحباؤه والدارسون، الذين تناولوا نواحي من هذا المشروع الكبير في رسائل للماجستير أو الدكتوراه.

 

ذلك لأنك إذا تحدثت عن الإمام البنا الذي كتب عنه أتباعه وغير أتباعه، مسلمين وغير مسلمين، عربًا وغير عرب، متناولين تحليل شخصيته ونشأته العلمية الإسلامية التي تربَّى عليها في بيت مسلم يرعاه والد فقيه فذّ، فلا تدري من أين تبدأ هذه الشخصية؟ هل مع تفوقه في صباه وشبابه أم في محاوراته ومحاضراته أم مع أساتذته وشيوخه أم في رسائله ومخاطبة الملوك والحكام والرؤساء، باختصار هو موسوعة علمية تجمع مجالات العلوم الإسلامية، بما فيها السياسية والشرعية، ولم يكتفِ الإمام بحفظها وشرحها ودرسها، وإنما صاغها كمنهج حياة علمي وعملي، تمثَّل في جماعة الإخوان المسلمين التي ما زالت تحمل هذا الفكر دعوةً وتطبيقًا، وتحمَّلت ما تحمَّلت في سبيل ذلك الكثير من التضحيات بالنفس والنفيس، شاء الله أن يكون الإمام البنا أبرز شهدائها.

 

وذهب البنا إلى لقاء ربه وبقيت دعوته؛ لأنها دعوة الإسلام الباقية والخالدة، وتعلَّم أتباعه الدرس من قول ربنا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ (144)﴾ (آل عمران: 144)، وما بدَّلوا وما غيَّروا بل ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب: من الآية 23).

 

لقد شهد بعبقريته القاصي والداني من المفكرين وكبار العلماء، وسطَّروا هذه الشهادة في سطور موثقة باقية إلى يومنا هذا، ولكي نستشعر عظمة هذا المشروع الذي حاربه المناوئون للإسلام والكارهون لشريعته، والذين ارتعدت فرائصهم منذ الإعلان عنه لشعورهم بالخطر المحدق بهم ابتداءً من المستعمر الخارجي إلى المستغرب الداخلي، فأعلن هؤلاء جميعًا الحرب التي ما زالت مستعرةً حتى يومنا هذا على هذه الجماعة المباركة ولم يسترِحْ لهم بال حتى نال الشهادة وهم يظنون أنهم أنهَوا هذه الدعوة المباركة باستشهاده حين قال قائلهم: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ (26)﴾ (غافر: من الآية 26).

 

إنه منطق المستكبرين المتجبرين الذين يقولون دائمًا في كل عصر ومصر.. ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)﴾ (غافر: من الآية 29)، ونسوا ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 18)، وتنتصر الدعوة ورجالها في الدنيا قبل الآخرة ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: 51)، فليمُتْ المجاهدون، وتزهق أرواحهم، وتبقَ الفكرة والدعوة، ويستمر الرجال في حملها، مهما أصابهم من بلاء، وليسُدِ المنهج وتعلُ كلمة الله.. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ انقَلَبتُمۡ عَلَىٰ أَعقَابِكُمۡ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىَ عَقِبَيهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيئًا وَسَيَجزِى اللّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144).

 

وها أنا ذا أختصر لك المراحل التي مرَّت بها دعوة الإسلام؛ لترى أيَّ جهد بذله ذلك الملهم للمحافظة على الفهم الدقيق للإسلام:

أولاً: مرحلة الإشهاد بتطبيق الكتاب والسنة نصًّا وحرفًا كمنهج حياة.

 

ثانيًا: مرحلة الاستعمار بعد الاضمحلال، وللأسف بعد الخسارة ترك أثره السيئ في المجتمع، من حيث الفهم، بل العادات والتقاليد ومسخت الشخصية المسلمة.

 

ثالثًا: مرحلة التبعية والاحتواء وفيها حرص المستعمر على بناء قاعدته من خلال المدرسة، والصحيفة، والثقافة، والنفوذ الاجتماعي.

 

وانتهت المرحلة برأس جسر للعدو في فلسطين المسلمة ما زلنا نعاني منها حتى الآن.

 

كما انتهت بجمود الدولة العثمانية وسقوط الخلافة، ومنذ ذلك اليوم وهناك صراع شهده الإمام البنا بين الذين يريدون علوًّا في الأرض وفسادًا ومن يريدون للإسلام سيادةً وتطبيقًا، ومن هذا اليوم خطَّط الإمام البنا لمواجهة هذا الفساد بمشروعه الإسلامي.

 

وبدأ التفكير السليم بخطواته المرسومة وكانت الرسائل التي أولها رسالة (إلى أي شيء ندعو الناس؟!)

 

وثمرة هذه الرسائل والدروس المستفادة منها:

أولاً: التعرف على المؤسس..

من حيث دقة فهمه ونشأته وأسرته المتدينة وثقافته وقيادته، والثقة في التلقي منه والتلمذة على يديه وريادته للجماعة.

 

ثانيًا: الفهم الدقيق للإسلام..

أ- تحرير العقيدة من الجمود (اهتم بأثر العقيدة ولم يكتف بعملها فحسب).

 

ب- التخلُّص من النظرة الجزئية للإسلام إلى شموله وعمومه.

 

جـ- انطلاق العقل اجتهادًا بالقواعد الأصولية وإعطاء نظرة إسلامية لمشكلات عصره.

 

المناهج الثلاثة التي وضعها: منهج العقيدة- منهج العبادة- منهج الحركة.

 

وبذلك يكون قد وضع مشروعه موضع التنفيذ من خلال التطبيق العملي؛ بأن رسالة الإسلام تربية قبل أن يكون رسالة تشريع.

 

هذه الرسالة تحتاج إلى:

أ- تربية رواحل (يحملون هذه الدعوة- صدقوا ما عاهدوا الله عليه- يتحلون بتقوى الله- وحسن الخلق- اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب...- يشعرون بعظمة الرسالة- ويعتزون بالانتساب إليها- ويثقون في نصر الله لها).

 

والأمثلة للرجال كثيرة منذ النشأة حتى الآن ولا نستطيع أن نحصي أسماءهم.

 

ب- لم يكتفِ بالتربية الإيمانية ولكن مع الإيمان الوعي (وعي ديني- وفكري- وسياسي- وحركي).

 

جـ- تكوين رأي عام للمشروع الإسلامي داخليًّا وخارجيًّا، لم يكتفِ بنشره بين عامة الناس، بل بين العلماء والمفكرين والحكام والرؤساء والملوك بمخاطبتهم وإرسال الرسائل إليهم.

 

د- عمل على استمرارية الدعوة ورؤيتها بربط أتباعه بالفكرة وليس بشخصه، فاستمر إلى يومنا هذا ويوم أن هتف أحد الإخوان في إحدى المؤتمرات باسمه غضب ونهاه أن يعود لمثل ذلك.

 

بل يوم أن قال له أحد تلاميذه ماذا نفعل من بعدك يا إمام؟ قال: أوَقلتها؟ والله لو حدث هذا ما ربيت فيكم رجلاً.. كونوا عبَّادًا قبل أن تكونوا قوادًا تصل بكم العبادة إلى أحسن قيادة".

 

هـ- أوضح منهج التغيير الذى يبدأ بتربية الفرد، ورفض مبدأ الثورة أو استخدام القوة، وبيَّن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم، فركَّز على أن ﴿اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.. كونوا عبَّادًا قبل أن تكونوا قوادًا تصل بكم العبادة إلى أحسن قيادة.

 

منطلقنا تعبدي لله رب العالمين ﴿قُلۡ إِنَّ صلاتي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162).

 

ليس الهدف هو الوصول إلى السلطة، ولكن تعبيد الناس لله رب العالمين.. ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)﴾ (الشورى: 13)..  إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله.

 

و- بيَّن في النهاية أن للطريق معالمَ؛ أولها الإيذاء والاستهزاء ثم الصدُّ عن سبيل الله وإعلانُ العداء لهذه الدعوة، البلاء قرين الإيمان والمعركة بينهم وبين الله.. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ (الأنفال: ).

 

ز- أن العاقبة للمتقين، والنصر قادم قادم لا محالة ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5)﴾ (القصص: 5).

 

وأخيرًا لقد تعلمنا من هذه الرسائل كيف نقيم جماعةً من الجماعات؟

 

لا بد أن نتأكد من معرفة:

- التصوف الذي تدعو إليه.

- والفكر والمنهج الذي تحمله من حيث:

أولاً: التصورات والاعتقادات والقيم والمبادئ التي تقوم عليها هذه الجماعة؛ من حيث عاداتها وأساسها الفكري والعقدي الذي قامت عليه، ونظرة هذه القيم والمبادئ للإنسان والكون والحياة.

 

ثانيًا: الأشخاص الذين يدعون إلى هذا المنهج من حيث: سلوكهم ككل- أخلاقهم كمجموعة- تكوينهم العقلي- مدى تطبيقهم لما يدعون إليه- تحمُّلهم المشاقَّ والتضحية من أجله- ثم موقع هؤلاء الأفراد من المجتمع.

 

ثالثًا: نتائج هذا الفكر وأثره في حياة معتنقيه، ثم أثره في أسرهم ومجتمعهم.

 

رابعًا: هل هذه النتائج وهذا التغيير الذي حدث تغيير وقتي، ينتهي بزوال هؤلاء الناس أو أن هذا الفكر مستمرٌّ بعدهم يرثه جيل بعد جيل؟!

 

خامسًا: هل هذا المنهج يُكره الناس على اعتناقه ولا يسمح لمعارضيه بصوت ولا يسمح بالرأي الآخر ولا ينتصح بنصيحة أو مشورة أم أن معتنقيه يلتزمون به ولا يلزمون به أحدًا، ويقنعون بالحجة والقول الحسن ولا يُكرهون أحدًا عليه، ويتركون الناس يختارون؟ ومن هنا يقتنع المسلم بصحة هذا المنهج فيضحِّي من أجله.

 

والحمد لله رب العالمين.

--------------

* نائب المرشد العام للإخوان المسلمين.