طالب بعض الكتاب جماعة الإخوان المسلمين بالانسحاب من الحياة السياسية ومن أكبر ميادينها ألا وهي الانتخابات التشريعية وانتخابات الشورى حتى المجالس التنفيذية- المجالس المحلية- بل بالغ البعض، ولم يطلب من الإخوان ترك الساحة السياسية لهذه الانتخابات في هذه المرة فحسب، إنما طالب الإخوان بترك الانتخابات لمدة عشرين عامًا لا يدخلون انتخابات مجلس شعب ولا غيرها، وكانت حجة هؤلاء ما بين الآتي:

التبرير الأول:

قطع الطريق على الحزب الحاكم والنظام الذي يرفع حجة أنه إذا طبَّق الديمقراطية فسوف تأتي بالإخوان، وبذلك يكسب إلى جواره الغربي الأمريكي والصهيوني؛ لأنهم لا يريدون الإخوان، وأيضًا يلتقي مع العلمانيين (اللادينيين) الذين يرفضون وصول تيار إسلامي حتى بالطرق الديمقراطية إلى مناطق التأثير أو حتى مقاعد البرلمان.

 

التبرير الثاني:

أن الانتخابات القادمة تجري في ظل تعديل ومظلة دستورية أنهت الإشراف القضائي على الانتخابات وانتهى عهد قاضٍ لكل صندوق، وفي ظل رفض متواصل للنظام الحاكم لأي رقابة دولية على الانتخابات؛ بمعنى أن الانتخابات سوف تجري في ظروف مغايرة عن عام 2005م، وبالتالي لا فرصة لنجاح الإخوان في انتخابات 2010م، فالأولى إعلان الإخوان انسحابهم من الانتخابات توفيرًا للمال والجهد ومنعًا للاعتقالات الكثيرة المتوقعة، والتي بدأت تظهر في الأفق بالقبض على د. محمود عزت نائب المرشد العام وإخوانه وتلفيق الاتهام واستخدام وسائل إعلام تابعة للأمن لرسم صورة مشوهة لجماعة الإخوان للتأثير على الناخب والشعب وهيهات أن يحدث ذلك.

 

أما عن التبرير الأول: فأقول النظام الحاكم في مصر لا يقبل منافسًا سواء كان إخوانيًّا أو غير إخواني، نظام تربَّى على الأحادية، والفردية، والشخصانية، والاستحواذ والتسلط، والبقاء إلى نهاية العمر.

 

ويكفي دليلاً أننا في مصر لم نسمع عبر تاريخها الطويل عن رئيس سابق أو حاكم سابق- ولله الحمد أننا في الإخوان عندنا مرشد سابق- وهذا دليل على أن الإخوان أكثر ديمقراطية من هذا النظام وليس عندهم ما عند النظام من أمراض استبدادية وفساد احتل جميع الأركان.

 

فلو أن حزب الوفد تمتع بشعبية قريبة أو مثل الإخوان لضُرب مثل الإخوان تمامًا أو قريبًا ولحيكت ضده المكايد ودبرت له المصائب ولأدخل أعضاؤه إلى السجون والمعتقلات.

 

وعندما كان التيار اليساري أيام عبد الناصر قويًّا شيئًا ما ضربه عبد الناصر وأدخله المعتقلات مع الإخوان.. فالنظام الحاكم في مصر مستبد بامتياز.

 

فالقوانين في مصر استبدادية، ولا أدل على هذا من قانون الطوارئ الذي بمقتضاه يتم إحالة المدنيين إلى محاكم عسكرية.

 

الدستور في مصر يصنع المستبدين حين يجعل من الحاكم نصف إله.

 

السلطة التنفيذية متغولة على السلطة التشريعية والقضائية، ورغم ذلك هذا القانون وهذا الدستور لا يُطبَّق، ولا أدل من أن في مصر مليون حكم قضائي لا يطبق ولا ينفذ، خاصةً بالتعويضات عن الاعتقالات والتعذيب، وأحكام بعودة الجمعيات الخيرية.

 

آلاف المعتقلين في مصر ويكفي أن أسرد عدد المعتقلين الإخوان في:

في 2006 ........ 2776

وفي 2007 ........ 2920

وفي  2008 ........ 3250

وفي 2009 ........ 5032

 

قانون الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني أسوأ قانون في العالم؛ حيث يمكن للجهة التنفيذية حل الجمعية دون إبداء السبب أو دون سند.

 

فهل هذا هو النظام الذي تطالبون الإخوان بالتنازل عن الترشيح والانتخابات من أجله حتى يفوز بكل سهولة ويسر، حتى لا تفضح وسائله في التزوير، وحتى ينجح بلا تزوير ويجمل شكله ويستأثر بجميع المقاعد.

 

ثم أين نحن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ولى على المسلمين رجلاً، وفيهم مَن أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمسلمين"، فالإسلام أمرنا بحسن الاختيار والاختيار يتطلب تنوع وفتح باب الترشيح والانتخابات للجميع بغير استثناء.

 

إن من يطالب بهذا الاقتراح إما حسن النية يظن بهذا النظام خيرًا؛ حيث يعتقد أن مشكلته مع الإخوان- لا- أن مشكلته الأساسية هي البقاء والاستمرار والاستقرار على كرسي الحكم، فمن نازعه فيه فهو عدوه مهما كان مذهبه أو حزبه فضلاً لو كان إسلاميًّا فالعداوة أشد؛ لأنه سوف يجد النظام لنفسه أعوانًا.

 

أما عن التبرير الثاني: أولاً: الإخوان لا يدخلون الانتخابات لهدف حصد المقاعد فحسب إنما بهدف:

(1)  إيصال رؤيتنا للشعب المصري وعلى أن يتحمل مسئوليته في الاختيار.

(2)  وإبراء ذمتنا أمام الله أننا بلغنا ما أمرنا به.

 

فنحن في كلا الحالين مأجورون من الله إن حصلنا على المقاعد، وإن لم نحصل عليها فأجرنا عندنا في الآخرة.

 

ثانيًا: الإخوان لا يراهنون على (السلامة البدنية) الخوف من الاعتقال، فالاعتقالات لم تنقطع يومًا في حياة الإخوان في عام 1990م قرر الإخوان وجميع الأحزاب مقاطعة الانتخابات اعتقل منهم المئات، وخلف حزب التجمع وعده مع جميع الأحزاب وشارك في الانتخابات ولم يشارك الإخوان احترامًا لقرار الأحزاب والقوى السياسية ورغم ذلك زادت الاعتقالات خلال ثلاث سنوات فائتة عن عشرة آلاف.. فهل كانت فيها انتخابات؟ وأين نحن من حديث سيد الشهداء حمزة "ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله".

 

الإسلام أمرنا أن نقول للظالم كف عن ظلمك- احكم بالعدل- لا تستبد- لا تطغى..

 

ثالثًا: أوليست الديمقراطية تعني حق الجميع في الترشيح وحق الشعب في الاختيار؟ الصدع بالحق- رفض الظلم- المطالبة بالعدل والحرية، هذه مطالب الإخوان ويدفعون ثمنها كل يوم- كل صباح.

 

كان الأولى بهؤلاء أن يقفوا مع المظلوم لا مع الظالم، وألا يطالبوا المظلوم بأن يفسح الطريق للظالم المستبد المغتصب لحق الشعب الأصيل في اختيار مَن يمثله.

 

كان الأولى بهؤلاء أن يقولوا خيرًا أو أن يصمتوا، وإن كان الصمت إثم "الساكت عن الحق شيطان أخرس"، لكنه أقل إثم من نصرة الظالم على المظلوم.. كان الأولى بهم أن يطالبون الظالم بـ:

- وقف العمل بقانون الطوارئ.

- بإحالة المدنيين إلى محاكم عسكرية.

- بإشراف قضائي على الانتخابات.

- باستقلال القضاء.

- بحق الجميع في تكوين الأحزاب بمجرد أخطار المحكمة.

 

كان الأولى بهم هذا من مطالبة الإخوان بترك الساحة لنظام لا يختلف اثنان على فساده واستبداده إلا إذا كانوا يرون أن النظام عادلاً ديمقراطيًّا شريفًا نزيهًا إن كانوا يعتقدون هذا فهم واعتقادهم ويحشر المرء مع من أحب.