بسم الله الرحمن الرحيم.. والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم..

المتأمل في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يعيش مراحلها يظهر له أول ما يظهر كالشمس في رابعة النهار ما اشتهر به صلى الله عليه وسلم بين قومه، ألا وهو خلقه الرفيع، والسلوك الحميد، والقيم العالية، والصدق والأمانة، حتى سموه الصادق الأمين؛ وذلك قبل البعثة بأربعين عامًا وبعدها إلى أن صعدت روحه الطاهرة إلى الرفيق الأعلى.

 

لقد كان لهذا الخلق الذي برز في سلوكه صلى الله عليه وسلم بين قومه الأثر العميق في نفوسهم فصدقوه في كل ما يقول، فحين وقف على الصفا وقال لهم: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تُغير عليكم خلف هذا الوادي أكنتم مصدقي"، قالوا: ما عهدنا عليك كذبًا قط.

 

إنه الأدب الرباني الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: "أدبني ربي فأحسن تأديبي"، أدب شرح الله له صدره وتحلى به؛ لتكتمل فيه الشخصية الإنسانية المتكاملة خلقًا ودينًا، وليصبح الأسوة الحسنة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب). فكان صلى الله عليه وسلم المقصد والوجهة والأسوة الحسنة لقومه، بل والخلق أجمعين يسعى في حاجاتهم ويحل لهم مشاكلهم، وما قصة الحجر الأسود منا ببعيد، إنهم لم يجدوا مكانًا آمنًا يحفظون فيه أماناتهم وأموالهم غير بيته صلى الله عليه وسلم، فكان قبلتهم في كل أمورهم، فحق له صلى الله عليه وسلم أن يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

 

لقد أصبحت هذه الأخلاق التي وصفه بها المولى قرآنًا يُتلى في صلواتنا نتعبد بها ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾ (القلم)، وتأمل الجانب الأخلاقي فيه والذي قدمه المولى به لأهل الكتاب ووصفه لهم ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (157)َ﴾ (الأعراف).

 

لقد تربى الصحابة على هذه الصفات وتحلوا بها كما أكد القرآن ذلك مبينًا هذه الأخلاق الحميدة فيهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)﴾ (الفتح).

 

إنهم نماذج إنسانية تجسدت فيهم الأخلاق المرئية فترى بينهم صدق الصديق، وعدل عمر، وعفاف عثمان، وشجاعة علي، وإقدام خالد، وحياء أُبيّ، يقول العلماء: لقد تفاوت الصحابة في حصولهم على العلوم المختلفة فترى فيهم ترجمان القرآن، وعالم الفرائض، وراوي الحديث، وغير ذلك من العلوم التي اشتهروا بها، ولكنك لا ترى تفاوتًا بينهم في الأخلاق فلقد امتازوا جميعًا بالخلق الفاضل والكامل، حتى أصبحوا كالنجوم في السماء يهتدي بهم السائر في الليالي المظلمة.

 

لقد أصبحت هذه الأخلاق منهج حياة للمسلمين في حربهم وسلمهم، في شرائهم وبيعهم، في زواجهم وطلاقهم، في قولهم وفعلهم، وكيف لا؟ والبيعة الأولى للمسلمين، بيعة العقبة الأولى والتي سميت ببيعة النساء كانت بيعة على الأخلاق، وأول الأخلاق أن تقدر الله حق قدره فتسلم له نفسك؛ وذلك بصحة العقيدة التي تترك أثرها الأخلاقي في أتباعها (تخلقوا بخلق الله) سبحانه وتعالى، وما عظائم الأخلاق إلا أثر من آثار عقيدة التوحيد ثم تأتي بعد ذلك العبادات، لتعمل أثرها الأخلاقي في المسلم العابد من صلاة تنهى عن المنكر، وزكاة تطهر القلب، وصوم يصبغ المسلم بالتقوى، وحج يحقق التجرد، ويزداد خلقًا بالنوافل والسنن وحسن القرب إلى الله.

 

فإذا تعامل المسلم بعد أن اصطبغ بصبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة، وأصبح خلوقًا بين الناس ظهرت هذه الأخلاق في علاقاته المختلفة بينه وبين والديه وبينه وبين أسرته وأقاربه، بينه وبين معارضيه وجيرانه وفي مكان عمله بل في بيعه وشرائه وفي زواجه وبين أولاده، فإذا نادى منادي الجهاد، ظهرت أخلاقه قبل سلاحه، وأصبح لبنة أخلاقية في مجتمعه يتعامل بهذه الأخلاق في جميع مناحي الحياة ويقدم النموذج الذي يقتدى، فيراه المخالف قبل الموافق فيفتح الله به القلوب الغلف والأعين العمى والآذان الصم ويتحقق فيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم "لئن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرًا لك من الدنيا وما فيها أو خير من حمر النعم"، وهكذا يكون بهذه الأخلاق داعيًا لمشروعه الإسلامي، وصدق الإمام البنا حين قال "كونوا عبادًا قبل أن تكونوا قوادًا تصل بكم العبادة إلى أحسن قيادة".

 

وتأمل أخلاقية هذه البيعة الأولى في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)﴾ (الممتحنة)، لقد غرست هذه البيعة الأخلاق وأكدت على القيم، ثم كانت البيعة الثانية التي تمت على أيدي رجال صدقوا الله ما عاهدوه، فأحبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم وتميز أصحابها بالصدق مع الله، والشجاعة والإقدام والإيثار والتضحية والإنفاق والحب في الله والأخوة الصادقة ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: من الآية 9)، وبألسنة طاهرة كانوا يرددون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر: من الآية 10)، وبهذه الأخلاق تحقق الترابط ووحدة الصف، بل وتحقق الركنان اللذان يقوم عليهما صرح دولة الإيمان حين يتحقق العقدان (عقد الإيمان ثم عقد الأخوة).

 

إن الأخلاق وهي ثمرة العقيدة الصحيحة هي التي تضبط حركة المسلم داخل جماعته، فلا قيمة لجماعة لا يتحلى أفرادها وقيادتها بالأخلاق الكريمة؛ وذلك لأن الجماعة لا تتحقق أهدافها إلا بقوة الرباط الإيماني القائم على الأخلاق وقوة الرباط التنظيمي القائم على الأخوة فيتحقق فيها السمع والطاعة في المنشط والمكره ولا تبالي بشدة البلاء الملازم للإيمان، فإن حظي بعض أفرادها بالشهادة يقول كل منهم ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: من الآية 84)، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: من الآية 23).

 

إن الأخلاق في الجماعة لا تترك أثرها الفعال إلا بالإخلاص: إخلاص للمنهج والأفراد والقيادة، وبذلك يتحقق الصلاح قبل الإصلاح هذه هي البداية السليمة ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)﴾ (التوبة).

 

فأين أنت يا أخي الحبيب من هذه البداية الصحيحة التي هي الخطوة الأولى نحو الإصلاح؟، وهكذا تعلمنا من سيرة رسول الله كيف تكون البداية.

-----------------

* نائب المرشد العام للإخوان المسلمين