الصورة غير متاحة

 د. محمد عبد الفتاح دهيم

 

ترتفع أصوات هنا، وهناك على كافة المستويات: محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا تطالب الدول العربية، والإسلامية بتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني الغاصب، وإبرام معاهدات سلام كبادرة حسن نوايا نحو حل القضية الفلسطينية في حدود ما يسمح به هذا الكيان الإجرامي الدموي من فتات في ظل تأييد الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي.

 

والحل في أقصى درجاته يتمثل في دولتين: دولة يهودية عنصرية دموية تملك ترسانة من كافة أنواع الأسلحة، وتحاول أن تستوفي بقية المقومات، ودولة فلسطينية لا حول لها، ولا قوة عبارة عن وحدة محلية تحت التحكم الكامل للكيان الصهيوني، منزوعة السلاح وفاقدة للمقومات، دويلة وهمية بعد اغتصاب، واحتلال دولة فلسطين.

 

في الآتي نوضح ماذا يعني تطبيع العلاقات؟، وما هو موقف جماعة الإخوان المسلمين؟، وما هو المطلوب بهذا الصدد؟.

 

ماذا يعني تطبيع العلاقات؟

إن أي دعوة لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني أو إبرام معاهدات سلام أو اتفاقيات اقتصادية أو غير ذلك من مقومات العلاقات الطبيعية بين الدول تعني الآتي:

1- إقرار المحتل على ما اغتصب من أرض فلسطين، وما استولى عليه من مقومات الدولة الفلسطينية (ليس لأحد أيًّا كان الحق في التفريط في سنتيمتر واحد من أرض فلسطين المباركة).

 

2- التفريط في بيت المقدس، واستمرار تدنيسه بالوجود الصهيوني (تحرير بيت المقدس فريضة إسلامية).

 

3- التفريط في المسجد الأقصى، وتدنيسه من قبل اليهود، والصهاينة ومحاولات هدمه، ومنع المصلين من دخوله، و.... (المسجد الأقصى جزء من العقيدة الإسلامية، وتحريره واجب مقدس).

 

4- خيانة للقضية الفلسطينية ودعم محاولات التصفية للقضية (وهذا يولد شعورًا بالذلة، والمهانة، والاستكانة، والضعف، وعدم القدرة على استرداد الحق المسلوب، والدفاع عن الأرض، والعرض).

 

وهنا نذكر أن تعداد الشعب الفلسطيني، والذي اُغتصبت أرضه، ومقوماته، يبلغ قرابة 11 مليون نسمة، منهم قرابة النصف يعيشون في الشتات، والنصف الآخر (حوالي 5,5 مليون نسمة) موزعون على الضفة الغربية وقطاع غزة والأراضي المحتلة. وهذا النصف الأخير، وخصوصًا سكان قطاع غزة، يعيشون أدنى درجات البؤس، والشقاء نتيجة للحصار الإجرامي للقطاع. ويمثل سكان القطاع والضفة خط المواجهة الأول مع العدو الصهيوني. وفي نفس الوقت يقوم العدو الصهيوني بإجراءات متسارعة لتهويد مدينة القدس، وبناء الآلاف من الوحدات الاستيطانية الجديدة، وكذلك تسارع الحفريات تحت المسجد الأقصى، وبناء جدار الفصل العنصري، وطرد الفلسطينيين من بيوتهم، والتطهير العرقي حول القدس، و.... والكثير.

 

5- طعن المقاومة في ظهرها، ودعم ظهور طابور خامس بين الشعب الفلسطيني (والمفروض دعم المقاومة، وتيسير سبل الجهاد لتحرير فلسطين، والحفاظ على ثوابت القضية، وتجفيف منابع الطابور الخامس).

 

6- موالاة أعداء الأمة العربية، والإسلامية (والأصل موالاة القوى السياسية، والشعبية، والوطنية، وجماعات الرأي في البلاد، وكذلك الدول العربية، والإسلامية) قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)﴾ (آل عمران).

 

7- التنكر للرأي الشعبي وموقف مؤسسات المجتمع المدني الرافض للتطبيع مع العدو السرطاني للأمة العربية، والإسلامية، والاستجابة للأعداء قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100)﴾ (آل عمران) (مما يعمق الاستبداد، ويضعف الانتماء، ويؤكد الاستهانة بالحقوق).

 

8- إهدار ثروات الأمة، والنهب المنظم لهذه الثروات من خلال التطبيع، والعلاقات الاقتصادية مع الأعداء (والأمة في أشد الحاجة إلى ثرواتها، وإلى دخلها من الناتج المحلي العام).

 

9- إحداث شروخ جسيمة في وحدة الأمة العربية، والإسلامية تجاه قضية فلسطين (والمطلوب وحدة الصف اللازمة لتحرير الأرض المغتصبة).

 

10- إصابة الأمة بانفصام الشخصية حيث يقوم النظام بموالاة الأعداء، وعمل اتفاق سلام، ومعاهدات اقتصادية، ويقابل هذا رفض المجتمع بمؤسساته، والشعب الموالاة، والتطبيع مع العدو (والمفروض أن يكون الحكام ممثلين لرأي الشعب ومؤسسات المجتمع، وقائمين على تنفيذه وليس العكس).

 

موقف جماعة الإخوان المسلمين

يلخص موقف الإخوان ما جاء في الكتيب الصادر عن دار التوزيع والنشر الإسلامية/ المركز الإسلامي للدراسات والبحوث 1989 بعنوان: "تصور الإخوان المسلمين للقضية الفلسطينية"، وما صدر عن الجماعة بعد ذلك من بيانات، ووثائق، وأفعال حول القضية.

 

ونلخص عناصر هذا الموقف التي هي بمثابة ثوابت القضية كالآتي:

1- قضية فلسطين هي قضية العالم العربي والإسلامي.

 

2- تحرير كافة الأراضي الفلسطينية من النهر إلى البحر.

 

3- عودة كافة الفلسطينيين في الشتات.

 

4- القدس عاصمة موحدة لدولة فلسطين الإسلامية العربية.

 

5- يعيش غير المسلمين، ومنهم اليهود بحق المواطنة في دولة فلسطين العربية الإسلامية (لهم ما لنا وعليهم ما علينا).

 

والجهاد هو الطريق والسبيل لتحرير فلسطين، تحرير بيت المقدس، تحرير المسجد الأقصى أولى القبلتين، وثالث المساجد التي يشد إليها الرحال. استمرار المقاومة، ودعمها فرض على العرب، والمسلمين لتحرير فلسطين المغتصبة.

 

ما المطلوب؟

1- الرفض المطلق لهذه الدعوة الخبيثة.

 

2- دعوة الحكام، والأنظمة المختلفة إلى العودة إلى رشدها، والسير في الاتجاه الصحيح لدعم القضية الفلسطينية وتحرير الأرض، وعودة الحقوق المسلوبة لأصحابها، وذلك من خلال ضغط شعبي واعٍ، وحركة مؤسسات المجتمع المدني. ومطالبة النظام في مصر: بفك الحصار عن غزة فورًا (فتح معبر رفح بصفة دائمة، ووقف وإلغاء الجدار الفولاذي بين مصر وغزة).

 

3- إلغاء كافة الاتفاقيات الاقتصادية مع العدو الصهيوني.

 

- اتخاذ الإجراءات نحو الانسحاب من اتفاقية السلام، والمعروفة باسم اتفاقية كامب ديفيد.

 

- جمع الكلمة العربية والإسلامية حول القضية.

 

- فضح الممارسات الإجرامية والدموية للكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني من خلال سياسة إعلامية واضحة وإعلام قوي واعٍ.

 

- السعي بقوة نحو تفعيل القوانين الدولية لحصار الكيان الصهيوني لإلغاء عضويته في الأمم المتحدة لتاريخه الأسود طيلة أكثر من 60 عامًا، ورفضه الدائم للقوانين، والقرارات الدولية.

 

قد يظن البعض أن هذه أحلام، ولكنه في الحقيقة يمكن للقوى الشعبية، والوعي الشعبي، والضغط الشعبي يستطيع جعل أي حاكم أو أي نظام يسير في الطريق الصحيح.

 

4- رحيل القابعين في رام الله، رئيس السلطة الفلسطينية، ومن حوله، وكذلك كافة العناصر الموالية للكيان الصهيوني حيث يمثلون خطرًا جسيمًا على القضية الفلسطينية، والسعي إلى تفكيك ثوابتها (الطابور الخامس).

 

5- إعلاء شأن الإنسان في الأمة العربية الإسلامية.

 

6- نفض تراب الذلة والمهانة (وليد الضعف والتبعية) من خلال امتلاك، أسباب القوة، والعزة وعلى رأسها الاعتزاز بنعمة الإسلام كنظام شامل للحياة جميعًا عسى أن نكون من أسباب توصيل رحمة الله للعالمين وهداية لهذا العالم الغافل الظالم الحاقد، والذي يضمر كل عداء للفكرة الإسلامية عن جهل وهوى. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ (110)﴾ (آل عمران).

 

ولنعلم جيدًا أن الغرب ممثلاً في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يسير على الدرب الصهيوني بلا مقاومة، وبلا نزاهة، وبلا عقل. حيث يتولون تسويق كل الأفكار الصهيونية الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني، وضد الأمة العربية، والإسلامية، ويقفون على تنفيذ كل توسعاتهم، وتدبير اعتداءاتهم الأثيمة. ولقد تعدت أحلامهم حدود فلسطين، وأصبحوا يكيدون للأمة العربية، والإسلامية في أماكن أخرى في العالم مثل أفريقيا (التي أصبحت مرتعًا للعصابة الصهيونية)، وبعض المناطق الآسيوية، والتي تمهد للنفوذ والمصالح الغربية في هذه المناطق.

 

وليحذر الطابور الخامس، وأصحاب العقول الضعيفة، والنفوس المريضة، الذين باعوا القضية، وتهاونوا في الحقوق المسلوبة ورضوا بالذل، والمهانة، أن التاريخ يسجل مواقفهم المخزية، وتداعيات نفوسهم الخربة في الدنيا فضلاً عن حساب اليوم الآخر.

 

ويعجب المرء لماذا ننساق وراء الكيد العالمي، والإجرام الصهيوني في إحكام الحصار على أهل غزة لتدمير حياتهم، وإجبارهم على الاستسلام للطابور الخامس، وقوى الشر، والكيد، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

وفي النهاية نؤكد أن حصار غزة، هذا الحصار الإجرامي الظالم، والذي يشارك فيه النظام المصري ويرفضه الشعب المصري، هذا الحصار مخالف للقوانين، والأعراف الدولية، ومخالف للقوانين والأعراف الإنسانية، مخالف لأعراف، وحقوق الجوار، مخالف لرابطة الدين، والعقيدة، واللغة، مخالف للشهامة، والمروءة، والرجولة. هذا الحصار الشيطاني، والذي اتفقت عليه قوى الشر، والطغيان ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، حصارًا برًّا وجوًّا وبحرًا. والمطلوب فك هذا الحصار الإجرامي الظالم فورًا، وفتح كافة المنافذ لإنهاء المعاناة والتنكيل والتجويع والقتل الجماعي ضد الشعب الفلسطيني، ومن هنا ندعو كافة الأنظمة، والحكومات والشعوب، ومؤسسات المجتمع المدني، وكافة شرائح المثقفين (أساتذة الجامعات، القضاة، الكتاب، والصحفيين... )، والأفراد لدعم، ومساعدة، وفك حصار أخوة لنا في غزة التزموا بمنهج النبوة الشامل بفهمه الصحيح، واكتسبوا ثقة الناس من حولهم، وفازوا في الانتخابات، وشكلوا الحكومة، وحاولوا المضي في طريق الإصلاح فقامت قوى الشر في العالم بفرض هذا الحصار الظالم، وللأسف بتعاون دول عربية، وبزعامة الكيان الصهيوني الغاصب.

 

وحسبنا الله ونعم الوكيل

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.