حول جوانب العظمة والقدوة من حياته

ما أوسع القول وأعظم الحديث عن جوانب العظمة في حياته صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب).

 

أيها الأحباب.. هذا رسولكم، وهذا نبيكم، وهذا قدوتكم صلى الله عليه وسلم فاقتربوا منه، والتصقوا ببابه، واستحضروا عظمته، وأطيعوه في كل قول وعمل، بل في كل حركة وسكنة، فهو الطريق إلى مرضاة الله ورضوانه، وجناته ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: من الآية 80)، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾ (آل عمران).

 

جاء صلى الله عليه وسلم إلى هذه الدنيا، وقد أظلم هذا الكون بسبب الجاهليات، والضلالات، وانحراف البشرية عن طريق الله عز وجل، فاستطاع بفضل الله أن يردها إلى الطريق، وأن يبصرها بالحق، وأن يهديها بإذن ربها إلى الصراط المستقيم، يقول الشاعر:

الليل طال ألا فجر يبدده              رباه أرسل لنا فُلكاً ورُبّاناً

هناك لاح سنا المختار مؤتلقًا            يهدي إلى الله أعجامًا وعربانًا

يقود دعوته في اليم باخرة                تقل من أمَّها شيبًا وشبانًا

السلم رايتها والله غايتها             لم تبغ إلا هدى منه ورضوانًا

يجب على المربين أن يتعمقوا في فهم شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يترجموا هذا الفهم إلى حقائق، يعلمونها للشباب دائمًا بل يربونه عليها، فمن سماته الأصلية صلى الله عليه وسلم:

 

1- يجب أن نعلم- على وجه اليقين- أن النبوة هي القدوة الثابتة في حياة البشرية التي أرادها الله وصنعها لتكون كذلك.

 

فقد قال سبحانه وتعالى في سيدنا موسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)﴾ (طه)، وقال له: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (طه: من الآية 39)، ثم قال لشقيقه الأكبر ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (الطور: من الآية 48).

 

ومعنى هذا أن عناية الله ورعايته تحيط بأنبيائه ورسله من يوم أن جاءوا إلى الدنيا حتى التحاقهم بالرفيق الأعلى.

 

2- ومن دلائل حفظه صلى الله عليه وسلم ورعايته أنه ولد من نكاح طاهر، فقد حفظه الله من كل سفاح على الرغم من أن السفاح، والانحراف صفات أصيلة في المجتمعات الجاهلية، وهذا الأمر جِدُّ خطير إذا تعلق بأقوام هم في مرتبة القيادة بالنسبة لأقوامهم فما بالنا بمنزلة النبوة؟، يقول صلوات الله وسلامه عليه: "ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح".

 

3- ولد صلى الله عليه وسلم في قمة بين الحسب والنسب في الجزيرة العربية، وذلك أمر له خطره في طبيعة القيادات بين الأمم في الدنيا.

 

وقد كان لذلك الأمر خطره فعلاً- بقدر الله وتدبيره- فقد كانت له مهابته في الدنيا، ومنزلته قبل النبوة، وقدر له لمكانته من قريش، ومن عمه أبي طالب أن يكون له من عمه، ومن سيوف بني هاشم حماية له ولدعوته قدرها الله تبارك وتعالى في هذه الفترة الحرجة من تاريخ الدعوة في مكة، تدفع جرأة هؤلاء الذين خرجوا في معاداتهم لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم عن كل قانون وكل أمر معقول.

 

4- لقد أراد الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يحمل الدعوة الخاتمة إلى العالمين؛ وهي أثقل دعوة من ناحية التكاليف ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5)﴾ (المزمل)، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)﴾ (هود).

 

وذلك أمر الله وتدبيره وصنعه، فقد شرح الله صدره بلا أدنى حرج لهذا الحق، فقال له بصراحة: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (3)﴾ (الأعراف).

 

ونقف وقفة متأنية عند كلمة (الحرج) التي وردت في صدر سورة الأعراف (إن قول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ أي من تبليغ الرسالة لجميع الخلق، ولا يمكن أن يدرك هذه الحالة اليوم إلا الذي يعيش في أوضاع مثل أوضاعنا، ويوقن بأنه إنما يستهدف أمرًا ثقيلاً، ويحمل أمانة غالية، ويبغي إقامة عقيدة خالصة لله عزَّ وجلَّ، وتصور صحيح للإسلام ولمبادئه السامية، وإنقاذ الحائرين الذين بعدوا عن هذا الطريق، وألفِوا عادات وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان، وراحوا يخبطون خبط عشواء، بلا حادٍ ولا دليل، يستهدف رد أمة غاب عنها دعاتها، ونام عنها روادها، وسكنت إلى الدنيا إلا من عصم الله، واستسلمت للهوى فصارت حائرة، خاصة بعد أن أطبق عليها اليهود والصهاينة، وأعداء الإسلام من كل جانب، يريدون طمس تاريخها، وتغيير مسارها.

 

إن الذي يحاول أن يقف في وجه هذه التيارات جميعًا، ويريد أن يبصر الأمة بالصراط المستقيم؛ يشعر حقيقة بالحرج والضيق إلا من عصم الله.

 

لهذه الأسباب وغيرها، قد يشعر الدعاة بالحرج من تبليغ هذا الحق كاملاً إلى عباد الله، ولذلك يجد البعض في نفوسهم الحرج من تبليغ الناس هذا الحق، ومن صبرهم على أذاهم أحيانًا؛ لذلك أمر الله رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهو القدوة والأسوة- أمره ألا يكون في صدره من تبليغ هذا الكتاب شيء من هذا الحرج، وأن يمضي به، يعلِّم ويعظ وينذر ويذكر، ولا يخشى ما تواجهه كلمة الحق من استنكار واستغراب، ومن مقاومة كذلك وعناء.

 

5- في الحياة المنحدرة إلى الهاوية قبل الإسلام، والتي حوت كل وسائل السقوط، حفظ الله رسوله حتى من مجرد المشاركة الشكلية لهذه الحياة في سلوكها وقيمها.

 

ففي هذه الفترة، وجَّه الله قلب رسوله صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء، يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى مكة فيتزود لمثلها، ثم يعود مرة أخرى إلى غار حراء، يتأمل هذه الحياة من حوله، ويرقب العالم من هذا الغار، وهو في هذا يتأمل في خلق الله، ويتفكر في كون الله، وسبحان من وضع في كل قلب ما يشغله، فقلبه صلى الله عليه وسلم كالصحفة البيضاء الناصعة.

 

6- الزواج والنكاح وبناء البيت له أثره في حياة الإنسان، وفي وسط هذه المجتمعات الضائعة قدر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم نكاحًا طاهرًا من امرأة طاهرة عفيفة؛ هي السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها.

 

فكانت نعم الزوجة والمعين، فوقفت مع النبي صلى الله عليه وسلم تؤيده وتسانده، خاصة عندما جاءه الوحي، ورجع صلى الله عليه وسلم إلى بيته يرجف فؤاده ويقول: "زملوني، زملوني"، حتى ذهب عنه الروع، وقص على خديجة ما كان من أمر اللقاء بينه، وبين جبريل عليه السلام، فقالت في تصميم ويقين: كلا، لن يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

 

وأخذته إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان يقرأ في التوراة، فقالت له: اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: إنه الناموس الذي نزل على موسى، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، وقال ورقة أيضًا: ليتني أكون فيها جذعًا إذ يخرجك قومك.

 

 فقال: "أو مخرجي هم؟!" قال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي.

 

وفي رواية أخرى، جاءت في كتب السيرة؛ قال ورقة: لتكذبن ولتؤذين ولتخرجن ولتقاتلن.

وتلاحظ أن هذه الكلمات الأربع هي فعلاً الموقف الحقيقي تجاه الدعاة على مدار التاريخ؛ التكذيب فإن لم يفيد فالإيذاء، فإن لم يؤثر في الداعية فالإخراج والطرد، ثم بعد ذلك محاولة العدوان، ومقاتلته.

 

وهذا ما حدث تمامًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويحدث دائمًا للدعاة الأبرار إلى يوم القيامة.

 

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

---------

* من علماء الأزهر الشريف.