كان عليَّ أن أجد إجابةً مقنعةً لسؤالها عن هؤلاء الأغراب، الذين أتَوا بيتنا ليلاً بتلك الطريقة المفزعة.

 

حقيقةً أشفقت عليها من الإجابة، ولم تطاوعني نفسي أن أتركها تراهم.. لا أريد أن تحتفظ ذاكرتها بتلك الوجوه القاسية, ستنسَى ملامحهم حتمًا مع مرور الزمن، لكن ستبقى معانيها محفورةً في وجدانها..

 

ستتذكرها عندما يتشدَّقون بالحرية، وستسأل: أين كانت حينما عبثوا بأشيائي وأخذوها دون عودة؟!

 

ستتذكرها عندما يتحدثون عن الأمان، وتتساءل ما معناه وهم يئدونه بروح باردة في نفوسنا يومًا بعد يوم؟!

 

وأخيرًا.. ستتذكَّرها وهم يغنُّون للوطن، وبأسف ستسأل: أين الوطن؟! ربما هو أيضًا في المعتقل!!.

 

ولتلك الأسئلة وقْعٌ في النفس مؤلمٌ حقًّا, فلم أجد بدًّا من مواربة الحقيقة، هؤلاء فقط أغراب أتوا ليبحثوا عن شيء وسيمضون سريعًا.. اخلدي انتِ للنوم ولا تتركي غرفتك..

 

كان أملي في ذلك أن يحترموا براءة الطفولة, ولا يزعجوها بوقْع أقدامهم الثقيلة, ويتركوا غرفة إخوتي الصغار دون أن يقلبوها رأسًا على عقب, ويرحلوا دون أن أضطر إلى إخبار "آلاء" و"أفنان" عن هويَّة عابسي الوجه هؤلاء.

 

لكن الأمل في بلادي ممنوع، تعمَّدوا أن يوقظوهم, كما يتعمَّدون أن يجعلونا نذهب بأحلامنا إلى شواطئ مالطا؛ علَّنا نجد فيها يومًا آمنًا.

 

وما لم أستطِع إخباره لـ"آلاء" قالوه هم، دون حياء أو مواربة!!، قالوا إنهم هنا من أجل الصدِّ عن حماية مسجد..

 

لم يتورع هذا البدين- وهو ينفث دخان سيجارة- أن يقول ذلك بإيماءاتِ وجهه الغاضبة، ولا هؤلاء الأتباع وهم يبحثون بروح مضنية عن أي شيء يتحدث عن الأقصى؛ حتى إنهم لم يجدوا غضاضةً في أن يضمُّوا لأحرازهم لوحةً للشيخ القعيد ومن خلفه الأقصى، وجدوا فيها دليلاً قويًّا على إثيات التهمة؛ لنسجِّل يومًا أن لوحةً مكتوبًا عليها: "الأقصى في خطر" دليلُ اتهام في قضية أمن دولة!.

 

الدولة التي لم تفتأْ أن تستعرض لنا قوتها بإرسالياتها التي تبعثها وقتًا بعد الآخر- حتى وصلنا إلى حدِّ التساوي ما بين بيتنا ومعتقلاتها- لم تخجل أن ترى في لوحة للقدس قلقًا على استقرار نظامها.

 

هذا هو قلق الدولة!!..

أما قلقنا فكان من نوع آخر..

 

قلق من تلك اللحظة المرتقبة التي يغادر أبي فيها البيت إلى المكان الذي عرفناه بالخبرة، وألفناه بتكرار التجربة، هذه هي لحظة الاعتقال الحقيقية، وأقسى اللحظات التي يمكن أن يحياها المرء في بلادنا..

 

اللحظة التي تتعلق أرواحنا فيها بالسماء، وقلوبنا بأبي الغائب عنا، وعيوننا بمن هم حولنا..

 

اللحظة التي تبدأ بها رحلة أحداث ما بعد الاعتقال، وتنتهي أخرى كانت قد بدأت لتوِّها من أحداث ما بعد الإفراج.. ثنائية تتبادل فيما بينها.. اعتقال وإفراج..

 

وأشفقت على "آلاء" من قسوة تلك اللحظة، حسبت أنها أكبر من احتمالها، فكان حرصنا الدءوب أن تبقى بعيدةً عن محيطها, لكنها باغتتنا وفتحت النافذة، وتحت النافذة هناك جيش آخر غير الذي في بيتنا!!..

 

من هؤلاء؟!.. كان سؤالها البديهي..

هؤلاء أتوا ليحرسوا الأغراب في بيتنا، هكذا أجبتها.

 

وهروبًا من تعبيراتها التي تخبرني أنها غير مقتنعة, أردفت: كثيرة الأسئلة أنتِ.. نامي، وفي الغد سأجيبك عن كل ما تريدين.

 

لم تنتظر إلى الغد.. سبقتني إلى الخارج حيث لحظة الوداع، تعلَّقت بأبي طويلاً.. واحتضنها
أبي بشدة..

 

سألت: "حضرتك رايح فين يا بابا؟!".. سكت أبي لحظة، ثم قال: ربما.. إلى الأقصى!!.