يتوهم البعض أن الحل الأمثل لحالة الاستبداد السياسي في مصر هو أن تدعم التيارات كافة - بما فيها التيار الإسلامي- رمزًا من رموز ما يسمى بالتيار الليبرالي المعتدل!!.

 

وإذا سألنا لماذا؟ قالوا.. لأن التيار الليبرالي المعتدل سوف يدعم غريبًا، بمعنى أكثر وضوحًا أن الإدارة الأمريكية والغرب والكيان الصهيوني سوف يقفون معه من أجل وصوله إلى سدة الحكم؛ بحيث يكون الحكم أفضل شكليًّا من النظام القائم، ولا يجد النظام الحالي حجةً في القمع والممارسات الاستثنائية وتقييد الحريات، وبالتالي يحقق الغرب وأمريكا هدفهم في نظام موالٍ، ويحافظ على مصالحهم وأمن "إسرائيل"، ولكن في "ثوب جديد"، ويحقق كما يظن البعض مناخًا ديمقراطيًّا أحسن حالاً مما نحن فيه وبذلك تتلاقى المصالح!!

 

وأتساءل: هل النظام الحاكم سوف يسمح بنفسه أو حتى تحت الضغط الغربي بتحسين البنية الأساسية السياسية بشكل حقيقي؛ بمعنى: هل سوف يلغي مثلاً قانون الطوارئ؟ أو يعطي حرية تكوين الأحزاب؟ أو يرفع القيود عن حرية الرأي والتعبير؟ أظن مستحيل.. لأن الأنظمة الديكتاتورية لا تدخل تعديلات جوهرية حقيقية، تجعله يتنازل سلميًّا وطوعًا عن السلطة، لم تحدث مثل هذه الحالة في العالم العربي كله، وأظن لن تحدث إلا بغضبة شعبية ضخمة، يدافع الشعب عن حريته، ويفرض الشعب إرادته ومشروعه الوطني، ويفك القيود المفروضة على حركته.

 

ثم ما الليبرالية المراد تسويقها لنا وما أهدافها؟ وهل هناك ليبرالية معتدلة؟، الليبرالية هي مطلق الحرية للفرد بدون قيود، بدون مرجعية لا دينية ولا أخلاقية.

 

من وجهة نظرهم "أن الإنسان ولد حرًّا"، ومن حقه أن يعيش حرًّا، وتحت منطلق الحرية الشخصية المطلقة؛ فعقله وهواه هو القائد له، فكل شخص يضع لنفسه دستوره وقانونه حسبما يشاء هو لا حسبما أية قواعد أخلاقية أو مجتمعية أو مرجعية دينية أو إسلامية.

 

ولقد ذمَّ الله من جعل عقله هواه وصدق الله العظيم: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23)﴾ (الجاثية).

 

وبالتالي الليبرالية لا تأبه لسلوك الفرد ما دام لم يخرج عن دائرته الخاصة، لا مانع أن تكون متفسخًا أخلاقيًّا، فهذا شأنك أن تكون متدينًا أو ملحدًا فأنت حر.

 

ومن ثم، فالإنسان وفق الليبرالية مركز الحياة، يعيش حياته كما يشاء ووفق قناعاته بدون مرجعية، كما يشاء هو لا كما يشاء الله له.

 

ويضيق الليبراليون من كل "الثوابت" ومن كلمة "العقيدة" أو "الأحكام الشرعية" أو "المرجعية الأخلاقية"، "والمرجعية الإسلامية".

 

وبالتالي ينادي بعض الليبراليين بحذف المادة الثانية من الدستور التي تقول إن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع؛ لأن التشريع عندهم الحرية بدون مرجعية، الحرية بلا حدود، حرية الشذوذ والزنا ما دام باتفاق الطرفين.

 

إذن ما الهدف من تسويقها:

الهدف هو إخراج الإسلاميين خارج المرجعية الإسلامية وتسويق "الإسلام الأمريكاني"، كما سماه الشهيد سيد قطب إسلام منزوع السياسة، منزوع الاقتصاد، بلا مرجعية أخلاقية.

 

فهدفهم إسلام يفصل بين الدعوى والسياسة، فالدعوي شيء، والسياسي شيء آخر؛ فالسياسة والدين لا يجتمعان ولا علاقة بينهما.

 

هدفهم سياسة لا تعرف المبادئ إنما تعرف المصالح؛ حتى لو كانت مع العدو والمحتل والقاتل والمغتصب، فإذا كان الوصول للسلطة شريطة تأمين مصالح الغرب والاعتراف بحق الوجود للعدو على أرض العرب والمسلمين فالحكمة الاعتراف والمصالحة!!

 

ويسمون ذلك خداعًا "الإسلام المدني والديمقراطية"، و"الإسلامي الليبرالي"، مع أن الإسلام هو الإسلام دين شامل، يشمل جميع مظاهر الحياة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والزراعة والزواج والطلاق والقضاء والحكم".

 

وللأسف انخدع البعض، وظن أن الحل أن يُنادى "بالإسلام الليبرالي" أو "الليبرالية المعتدلة" أو "الليبرالية المحافظة" والحقيقة لا وجود لهم.

 

الإسلام شيء والليبرالية شيء آخر مختلف تمامًا وكليًّا، إن من يعتقد بالليبرالية هي الحل، كأنه يظن أن الإسلام ناقص وغير كامل مع أن الله تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية 6).

 

ثم الليبرالية طبقت في أمريكا؛ فهل أعطت أمريكا الحرية المطلقة للمسلمين أو حتى في فرنسا أو في بولندا.

 

الكثير من دول الغرب انتقصت من حق المسلمين في الشعائر والمشاعر، بل أجبرتهم على خلع الحجاب هذه؛ فهل هي الحرية؟ بل وأقامت الحرب على بناء المآذن وإعلان الشعائر الإسلامية؛ فهل هذه هي الحرية والليبرالية؟

 

نرفض الليبرالية؛ لأنها خطر على الفرد وعلى المجتمع وقيمة وأخلاقه؛ لأنها تعني تفسخ المجتمع وهدم قيمه وتغريب هويته.

 

وأيضًا خطر حتى في السياسة الآن، الليبرالي لا يمثل لقانون ولا دستور، من حقه أن يخاطب ويقيم علاقة مع من يشاء وقتما يشاء، مهما كان هذا الشخص عدوًّا أو صهيونيًّا لأنه حر بلا قيود، ولأنه يعتقد أن هناك حكومة واحدة في العالم مكانها البيت الأبيض وبقية الناس في العالم رعايا بدرجات مختلفة، فلا مانع أن يقيم هو علاقات مع الإدارة الأمريكية أو "إسرائيل" حتى لو كانت هذه العلاقات ضد الأمن القومي والسيادة الوطنية.

 

لذا ننادي بأن الإسلام هو الحل..

- لأنه يعطي حرية المعتقد للمخالفين ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾ (الكافرون)، ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: من الآية 256).

 

- يعطي حرية الفرد؛ لكن بما لا يخالف قيم وأخلاق المجتمع ومرجعيتنا الإسلامية.

 

- لأنه ينادي بالعدل الاجتماعي والعدل المطلق، فلا يعرف الانحياز لأصحاب المال على حساب الفقراء، ولا تكون السلطة فيه مشروعًا للثروة.

 

- لأنه ينمي من قدرات الأفراد، ويعمق الانتماء ويصون المجتمع.

 

- لأنه يمنع الفساد والاستبداد والتربح من المناصب.

 

- لأنه يمنع الاحتكار والرشوة والغش.

 

- ولأنه دين ورسالة للبشرية جمعاء ورحمة للعالمين ارتضاه لنا رب العالمين.

------------

* مدير مركز "رؤية" للدراسات.