كتب أحد المبشرين في تقرير له عن مدى جدوى التبشير في بلادنا الإسلامية وخاصة في مصر، فكان مما قال فيه: "سيظل الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها سفن التبشير ما دام للإسلام هذه الدعائم الأربعة:

1- القرآن.

 2- الأزهر.

3- اجتماع الجمعة الأسبوعية.

4- مؤتمر الحج السنوي".

 

وإن شاء الله تعالى ستظل هذه الأربعة باقية بإذن الله ما بقي هذا الإنسان على تلك الكرة، وليمت من يشاء بغيظه ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)﴾ (آل عمران).

 

لكن- للأسف الشديد- الكثير من المسلمين لا يستفيدون من هذه الدعائم العظيمة التي وضعها الحق تبارك وتعالى كما ينبغي، ولعلهم قد بدءوا يفيقون على أصوات الصحوة المسلمة الواعية المجاهدة، التي رجت أرجاء هذا الكون تكبر الله وحده وتعظمه وحده، وتدين له بالولاء والطاعة، وإن غدًا لناظره قريب.

 

إن الجامع الأزهر الشريف الذي نفرد له الحديث في هذا المقال من ألف سنة، أو تزيد وهو يحمل رسالة الإسلام إلى العالمين، وهو منبث بعلمائه وشيوخه وأساتذته في كل شبر على ظهر الأرض، أينما ذهبت إلى قرية، أو إلى مدينة، أو عاصمة من عواصم العالم تطل عليك المآذن التي أقامها الإسلام، وأمامها وفي داخل المسجد مجموعة من العلماء الأجلاء بزيهم المحبوب، يقولون لجميع أهل الدنيا: تعالوا إلينا، هذا ديننا وتلك رسالة الإسلام نحملها لا نريد من أحد جزاءً ولا شكورًا، إنما نريد أن يؤوب الناس إلى ربهم، وأن يرفعوا أكف الضراعة يطلبون من الله وحده أن يرفع من شأن هذه الأمة وأن يعيد لها مجدها.

 

والحمد لله هذه النداءات وهذه الأصوات تعالت في السنوات الأخيرة تطلب من الجميع أن يقولوا ربنا الله بصدق، ونبينا المختار صلى الله عليه وسلم بحق، وأن يقولوا القرآن دستورنا ومرجعنا، وهو الحل لمن أراد حلاًّ، وهو الطريق لمن أراد فوزًا ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)﴾ (المائدة).

 

هذا ما يقوله العلماء وما يردده الفقهاء، وما ينادي به من يبغون بحق إنقاذ هذه الأمة، بل إنقاذ العالم كله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء)، "إنما أنا رحمة مهداة" والإذاعات ومواقع التلفاز ليل نهار تذكِّر وتبصِّر وتقيم الحجة على الغافلين والبعيدين عن ربهم.

 

يقول واحد من المفكرين- راجع هذا الموضوع مجلة (الأزهر)- موجهًا كلامه إلى الذين أعرضوا واتبعوا الهوى "إن رأيك في ثقافة الإسلام وحضارة العرب ورسالة الأزهر قد يكون رأي الكثرة ممن فتنت قلوبهم واقعية الفكر في أوروبا، وسحرت عيونهم مادية العلم في أمريكا، فأعرضوا عن رسالة الله الخالدة التي تجدد فيها كل دين، وتكمل بها كل شرع، فلم يدركوا منها إلا ما يدرك الأرمد من ضوء النهار، وهذا تعصب منك ضد القديم لقدمه رغم أنواره وأضوائه لأنه ما دام الأزهر يؤدي واجبه، ويعتز برسالته التي ائتمنه الله عليها، ثم يقول له.. وإنك لتعلم أن الدين قوام الأمة الإسلامية كلها، وعصب حياتها، وبدونه تصبح متفرقة لا رباطة لها ولا هدف يجمعها؛ لأن الله قال لنا بصراحة ووضوح: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية 103)، وإني أحب أن أؤكد لك ولأمثالك من الذين نرجو من الله هدايتهم حتى يعودوا إليه، أؤكد أن رعاية الدين وحماية الأمة وبيان الحق وإيصاله للناس في سهولة ويسر، وفي أمانة وإخلاص هما رسالة الأزهر ومن على شاكلته من الدعاة والعلماء والفقهاء على مدار التاريخ، فهو يحمل رسالة الوسط للأمة الوسط ليؤهلها لأن تكون شاهدة على الناس.

 

وهذه هي المصابيح التي يحملها علماء الأزهر وكل من كان على هذا الفهم الصحيح لهذا الدين العظيم.

 

وعلماء الأزهر مكلفون من قِبل الحق سبحانه وتعالى بأن يؤدوا هذا الواجب مهما تكن الظروف، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)﴾ (التوبة).

 

أذكر أن علماء الأزهر حين اعتزوا بهذا الدين على مدار التاريخ الطويل أعزهم الله وحماهم، فمثلاً الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين الذي كان شيخًا للأزهر في سنة 1956م كان يتابع كل صغيرة وكبيرة تصدر من هنا أو من هناك، فيرد عليها موضحًا ومبينًا حكم الإسلام فيها وفي أمثالها؛ لكنه كعادة علماء الأزهر الطيبة يرد بأدب وبأسلوب مهذب، وبعبارات طيبة، وهذا شأن الدعاة الصادقين دائمًا، ونسأل الله أن نكون منهم.

 

وهنا بدأت النظرة إلى الإمام الأكبر تتغير، فقيل له إنك قد تقدمت بك السن، وصحتك لم تعد تساعدك على القيام بهذا الدور، ففهم المراد ورد على الفور: إن صحتي اليوم أفضل بكثير من صحتي يوم أن اخترتموني شيخًا للأزهر، فرُدّ عليه بصراحة: هناك مواقف قد ترتب على موقفك هذا مثل منع الراتب، فقال الرجل في صراحة أكبر: إنني قد بلغت الثمانين وإن كوبًا من اللبن يكفيني لمدة أربعة وعشرين ساعة، وهكذا انتهى الحديث، ورجع الرجل إلى بيته عزيزًا مكرمًا كما دخل إلى هذا المكان عزيزًا مكرمًا مهابًا حتى لقي ربه رحمه الله.

 

وهذا الشيخ المراغي- الإمام الأكبر- كان قويًّا جريئًا لا يهاب ولا يخشى إلا الله، قال له رئيس وزراء مصر: نريد أن نأخذ جانبًا من الجامع الأزهر حتى نستطيع أن نمد خط الترام إلى الدراسة، فرد الشيخ في قوة: إن طوبة من الأزهر أغلى من ملكك كله، فرد عليه رئيس الوزراء: وأنا أستطيع أن أفصلك من المشيخة، فرد عليه الشيخ بحسم وعزم: وأنا أستطيع أن أصعد منبر الحسين لأجعلك من عامة المسلمين، وسكت رئيس الوزراء وسكت الشيخ المراغي، رحم الله الجميع.

 

المواقف على هذا المستوى من علماء الأزهر الشريف كثيرة وكثيرة لا يحصيها عد، ولا يحيط بها ولا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، ونحن لا نعلم إلا القليل، لكن حسبهم أن الله يعلم ما قدموا لأمتهم وما قدموا للعالم من خير وفقه في الدين، وصدق في التوجه، بل ومواقف في ميدان الجهاد، وها هو الشيخ القسام رحمه الله شيخ علماء فلسطين الحبيبة الغالية والدرة المنشودة لكل مسلم وتلميذه الشيخ العالم أحمد ياسين المجاهد حتى وهو في أشد حالات المرض ومحمولاً على كرسي لا يتوقف ولا يسكت ولا يرهبه سجن، ولا وعيد، ولا تهديد حتى بذل دمه الزكي وهو خارج من صلاة الفجر.

 

وها هم العلماء الأبرار في مصر حين جاء نابليون بحملته الشيطانية على ديار الإسلام وقفوا صفًّا واحدًا على قلب رجل واحد، لا يخشون بنادق نابليون ولا مدافعه، وقدموا أرواحهم وحياتهم فداء لأمتهم ولوطنهم ولإسلامهم ودينهم؛ حتى اضطر الغازي الفاجر من شدة ضغط العلماء عليه في قيادة الشعب المصري الغيور دائمًا على أمته أن يجعل الأزهر إسطبلاً للخيول انتقامًا من علماء الأزهر رحمهم الله جميعًا.

 

بين التجديد والتطوير

أما التجديد فقد أشارت إليه السنة بمعناه الصحيح حين قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها"، والتجديد المقبول شرعًا هو إزالة الغبار وتنظيف الثوب وتجديد البيت، وفي الإسلام التجديد مهمة العلماء الأولى في الذود عن هذا الدين "يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل المبطلين، وانتحال الجاهلين"، وهذه هي المعاني التي ينبغي أن ننظر إليها وأن يعلمها العلماء للأمة فلا تختلط الأمور ويصبح الهدم والإزالة تجديدًا.

 

والأزهر الذي يعد أقدم جامعة إسلامية بل وعالمية لا يزال مزدهرًا موصول العطاء إلى يومنا هذا، على الرغم مما تعرَّض له من محاولات الهدم والتخريب حينما أُلغيت الكتاتيب وجمعيات تحفيظ القرآن، وحولت إلى مدارس سنة 1951م، ثم تبعها قانون تطوير الأزهر؛ ما أدَّى إلى نتائج سيئة ظهرت على مستوى البرامج ومستوى الخريجين الذين بعدوا ابتداءً عن القرآن فلم يحفظوه كاملاً قبل أن يلتحقوا بالأزهر.

 

ومن الأشياء التي تحتاج إلى علاج ما سمي بخطة تطوير الأزهر بتدريس العلوم المدنية بتوسع على حساب العلوم الشرعية والإسلامية، فأصبح طالب الأزهر حائرًا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، والذي حدث أن القرآن الكريم لم يحفظ أثناء الدراسة بعد أن كان الطالب يحفظه كاملاً، ويمتحن فيه كشرط للدخول إلى السنة الأولى.

 

ولذلك فإننا نناشد شيخ الأزهر الجديد بعد تهنئته بهذا المنصب أن يصحح ما يستطيعه من أخطاء، حتى يعود الأزهر الذي عهدناه مركز الحضانة الأول للقرآن الكريم والعلوم الشرعية.

 

ونعتقد أنه ما زال في الأزهر من العلماء الأَكْفَاء الذين في استطاعتهم بسهولة ويسر أن يصححوا هذه الأوضاع التي طرأت، وإعادة الأزهر الشريف إلى ماضيه المجيد، ومن ورائهم كل الغيورين على هذه الجامعة الإسلامية الفريدة في العالم العربي والإسلامي.. والله الموفق لما يجب ويرضى.

---------------

* من علماء الأزهر الشريف.