للإسلام كلمة هو قائلها: لا بد للإسلام أن يقول كلمته في معترك هذا الصراع المرير بين المشروع المادي والمشروع الرباني، وكان لا بد أن تكون الكلمة قويةً؛ لأنها قذائف الحق.. صريحة؛ لأنها استمساك به.. واضحة؛ لأنها النور الذي يبدِّد ظلمات الجهل والكفر.. شاملة؛ لأنها تتناول الكون والحياة والإنسان والمجتمع، والدولة والنظام، فليت الأمة يتاح لها أن تعلن كلمة الله في المعترك، وتنادي بها، وتدعو العالم إليها، كما فعلت ذلك فيى تاريخها العظيم.

 

إن التحدي الذي يواجهنا كمسلمين أمام طغيان المادة وسيطرتها يكمن أساسًا في ثباتنا على مبادئنا، والتزامنا بقيمنا، وتمسكنا بأصالتنا, وإيماننا بمنهج تفكيرنا، واعتزازنا بشخصيتنا، وإصرارنا على ثوابتنا، وتجديدنا في متغيراتنا، ولن يكون الأمر سهلاً ولا ميسورًا والعالم من حولنا يعيش في دوَّامات فكرية مادية، وبريق حضاري زائف، وانحطاط خلقي مريع.

 

هذا هو التحدي الحقيقي.. إنه التمسك بالعروة الوثقى، التي أمرنا الله بها ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف: 43).

 

فهل يستطيع مسلمو اليوم- بما يملكون من عقيدة وإيمان- أن يعبُروا هذا التحدي، وأن يأخذوا من أساليب العصر ما يعينهم على هذا العبور، وبما لا يتعارض ومنهج تفكيرهم في الحياة ليقوم الإصلاح المنشود على قواعد سليمة وأسس متينة وثوابت لا تتغير ولا تتبدل، مهما تغيَّر الزمان والمكان والحوادث والأفكار؟!

 

أقول: نعم.. يستطيعون إذا ملكوا روح المسلم الأول الذي كان يتمتع بقوة العقيدة، وعمق الإيمان، ورابطة الأخوَّة، ومن ثم تتوحَّد وجهتهم جميعًا، وتنصهر في بوتقة واحدة؛ لتثمر بالعمل والإيمان حضارةً إسلاميةً ازدهرت على مدى عدة قرون، وامتدت من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.

 

وبجانب هذه الروح الثابتة الوثَّابة المؤمنة لا بد أن تكون لدينا البصيرة والقدرة على حماية أنفسنا من الوقوع في أي جزئية خاطئة من منهج التفكير المادي، فتصاب إما بالترقيع أو التقليد والمحاكاة، كما يريد لنا أعداء المشروع الإسلامي، فلنعد إلى منهج الإصلاح السليم، ويومها يصبح المشروع المادي كرماد اشتدَّت به الريح في يوم عاصف ويبقى ما ينفع الناس ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: من الآية 17).

 

صحيح قد تضاربت الآراء والأقوال عن الإصلاح؛ معناه وبدايته وخطواته ونهايته، ووصلت إلى ما يشبه التناقض فيما بينها، وإن تقابلت في بعض القضايا، ومن الطبيعي أن يحدث هذا لاختلاف المشارب والمصادر والمرجعيات، ولن تُحسم هذه القضية إلا إذا اتفقنا على معنى مصطلح "الإصلاح"؛ معناه ومبناه ومصدره وأولى خطواته، أما إذا اختلفنا في تعريف الاصطلاح فقد نتعاون في بعض القضايا الرئيسة التي لا يختلف فيها عاقل، كالحرية بأنواعها المتعددة، وتداول السلطة، والمساواة، ومقاومة الظلم، ومثول المواطن أمام قاضيه المدني، ورفض العنف، وغير ذلك من القضايا التي لا خلاف عليها، ولكن يبقى الخلاف في المرجعية ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: من الآية 148).

 

أقول: لا بد من تحديد معنى المصطلح؛ لأننا إذا اتفقنا عليه فلا مشاحة في ذلك؛ لأن مفهوم الإصلاح عند الشيوعيين واليساريين مثلاً غيره تمامًا عند الرأسماليين، بل قد يختلف كل فريق من داخله بين أفراده، فليس مفهوم الإصلاح عند الروس الملاحدة هو نفسه عند الصينيين، بالرغم من أن مشربهم يكاد يكون متطابقًا، وكذلك حال الغربيين الرأسماليين، فما بالك ببقية الاتجاهات المتعددة في دنيانا الواسعة، فكان لا بد أن نجدد معنى مصطلح "الإصلاح"؛ لأن في هذه الاتجاهات فسادًا في التصور والاعتقاد وفسادًا في السلوك وكثير من الأعمال، علمًا أن أشدَّ أنواع الفساد هو الجمع بينهما.

 

معنى الصلاح

إن معنى الصلاح عندنا هو ما أمر الله ورسوله به وما نهيا عنه، فنفعل المأمور ونترك المحظور، ونصبر على المقدور؛ لأن رسولنا صلى الله عليه وسلم هو النبي الأمي؛ الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحل لنا الطيبات ويحرم علينا الخبائث، ويضع عنا إصرَنا والأغلالَ التي كانت علينا.. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: من الآية157) بطاعته أُمرنا، وبمنهجه اتبَعنا.. هذا هو مفهوم الصلاح عندنا، فإذا دعونا إلى الإصلاح كانت مرجعيتنا إذن هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعمل السلف الصالح من بعده، وما كان لنا الخِيَرة في ذلك.

 

فهل نحن المسلمين إذا كانت لنا رؤانا ومنهجنا ومرجعيتنا، وهو النور الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، أفنتركه ونتبع مناهج البشر ورؤاهم القائمة على الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءنا من ربنا الهدى وصدق الله القائل: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأََلْبَابِ﴾ (الرعد: 19) فإما أن نبصر ونسير في طريق النور الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة: من الآية 15)، وإما العمى الذي يصحبه التخبُّط والزلل؛ فإن فعلنا ذلك يكون الشاعر قد عنانا حين قال:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما  والماء فوق ظهورها محمول

 

إن الذي يحيد عن هذا الطريق هو الذي لم يذُق طعمه الحلو ومن اشتداد مرارة حلقه ألف المرَّ فلا يجد للحلاوة مذاقًا، بل إن البعض حين يُدعون إلى الإصلاح يهجرون كتاب الله بالكلية ويحادُّونه ويخدعون الناس ويحاربونهم.. يقول ربنا فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ* وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأََرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ* وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (البقرة: 204-206).

 

وأكبر دليل على صدق ما نقول هو ما قصَّه القرآن علينا من أقوال أعداء الرسل والأنبياء لهم، وما رموهم به، وما وصفوهم به من الانحراف والسحر والشعوذة والفساد في الأرض، فهم لم يتركوا نقيصةً إلا ووصفوهم بها؛ لدرجة أن فرعون يقول عن موسى عليه السلام كما حكى القرآن ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: 26) أرأيت مفهوم الإصلاح عند فرعون ونظرته لموسى عليه السلام على أنه من المفسدين في الأرض، وهذا هو منطق فراعين اليوم يصفون المصلحين بالمفسدين.

 

فأين الإصلاح الذي يدَّعونه وهم الذين ما دخلوا بلدًا إسلاميًّا إلا ونهبوا خيراته، ودمَّروا منشآته، وحطَّموا سلاحه، وهدَّموا بيوته، واستولوا على كل ما فيه لصالحهم، ولم يقفوا عند هذا الحد، بل قتلوا الأبرياء، ويتَّموا الأطفال وثكلوا النساء وأعانوا كل حاكم فاسد، وكل نظام مستبد، وعمُوا عن كل دعوة للإصلاح جادَّة، فصمُّوا آذانهم عن صرخات المسجونات، وبكاء الأبناء، وما زالوا يدَّعون أنهم حماةُ الأحرار، وناصِرو الدعوات التحررية، هذا هو ادِّعاؤهم خارج أوطانهم.

 

والذي لا يقتنع إلا بالمشاهد المادية على أفعالهم في إصلاحهم فليزُر أفغانستان ليرى بأم عينَي رأسه ما فعلوه وما تركوه، وأهلها ما زالوا يتضوَّرون جوعًا.. ترى ذلك في مأكلهم ومشربهم وملبسهم؟ وما خفي كان أعظم.

 

أم نتحدث عن إصلاحهم في العراق الذي ما زال ينزف دمًا، وحدِّث ولا حرج عن الفتن الطائفية، وحرب الإرهاب الخدعة التي أصبحت لا تنطلي على أحد من المسلمين؛ لأن الحقيقة هي خراب على المسلمين وإبادتهم، وعدم السماح لهم بأن يمتلكوا أية قوة حربية تفوق الكيان الصهيوني أو تعدلها، فإن كان الأمر مجرد مشروع في امتلاك القوة كان لا بد من الإبادة حتى يستمر الكيان الصهيوني متفوقًا على المسلمين مجتمعين، ولا أدلَّ على ذلك من امتلاكه كل الأسلحة بما فيها السلاح النووي المحرم امتلاكه أو الاقتراب منه على أي بلد إسلامي.

 

أما فلسطين وما يحدث فيها، فقد أثار بعض عقلاء الغرب ما رأوا من هول القتل والتدمير والحصار الظالم الذى كاد يفتك بمليون ونصف المليون من الأبرياء الفلسطينيين، فضلاً عن سياسة التجويع والتخويف، ومحاولة فرض المشروع الصهيوأمريكي، ومع هذا كله لا يجد الكيان الصهيوني إلا تدليلاً وتشجيعًا ومنحًا متنوعةً لا حدود لها.

 

فأي إصلاح هذا الذى يدعوننا إليه، وكأني بمؤمن فرعون يقول لهم ما نريد أن نقول ﴿ويَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاةِ وتَدْعُونَنِي إلَى النَّارِ* تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأَنَا أَدْعُوكُمْ إلَى العَزِيزِ الغَفَّارِ* لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا ولا فِي الآخِرَةِ وأَنَّ مَرَدَّنَا إلَى اللَّهِ وأَنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ* فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (غافر: 41-44)؟!

 

فإلى متى هذا الاستخفاف بالعقول؟ وإلى متى هذه الغفلة؟ ألم يأنِ للمسلمين أن يستيقظوا من سباتهم وينطلقوا بمشروعهم ويسارعوا في الخيرات بمنهجهم الإصلاحي الأخلاقي قبل أن يدهمهم التحلل الأخلاقي، والانهيار الاجتماعي، والتفكك الأسري، بل والإلحاد الذي ألبسوه ثوب حرية الفكر، وحرية الاعتقاد، والحرية الشخصية في زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، بل حرية شرب الخمر، ولعب الميسر، والربا بأنواعه، وحرية الفجور والفسوق والعصيان، وحرية الشذوذ الجنسي.. الحرية التي لا قيود لها ولا حدود في مشروعهم الهادم لكل العقائد والقيم.

 

ألم يأنِ للمسلمين- وهم ليسوا بقاصرين بل هم مقصرون- أن يكونوا أجناد الأرض ليعيدوا للأمة خيريتها ووسطيتها؛ حتى لا يكونوا ذيولاً وتبعًا، ويومها ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً* يَا ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جَاءَنِي وكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنسَانِ خَذُولاً﴾ (الفرقان: من الآيات 27-29).

------------

* نائب المرشد العام للإخوان المسلمين.