د. غازي صلاح الدين:

- النظام الانتخابي الحالي مُعقد ولكنه أعدل للجميع

- الانتخابات ساعدتنا على إعادة تشكيل البنية السياسية في السودان

- موقف الأحزاب المعارضة قائم على الانتهازية والسلبية والهشاشة

- حكومتنا المقبلة من كافة الأحزاب لأننا لن نتحمل الاستفتاء وحدنا

- كارتر نزيه وحكم بما رأى وهو يُشجع تجربة بلد إفريقي

- الوضع في الجنوب لا يسير في اتجاه الانفصال

- المؤسسات الرسمية في أمريكا والغرب مع الوحدة منعًا للحروب

- لم نبذل في الجنوب ما كان يجب علينا وعندنا خطة لإصلاح الوضع

- دعم بعض الشماليين للانفصال موقف عارض نتيجة الحروب

- العرب أهملوا إفريقيا فتخلل فيها الصهاينة وامتلكوها

- الحركة الإسلامية ليست بعيدة عن الإخوان ومنهجنا واحد

 

حاوره في الخرطوم- أحمد سبيع:

د. غازي صلاح الدين مستشار الرئيس السوداني عمر البشير ومهندس اتفاقية السلام مع جنوب السودان، والمسئول الأول عن ملف دارفور، تولى وزارة الإعلام لفترة ليست قصيرة، وهو أحد المسئولين البارزين في حزب المؤتمر الوطني، تجمع كافة الأطياف السياسية والحزبية عليه، ويعتبره الجميع همزة الوصل بين النظام وباقي القوى السياسية، وهو معروف بشكل جيد عند دوائر صناعة القرار في العالم الغربي، وخاصة الولايات المتحدة، كما أنه واحد ضمن مجموعة تدير دفة الحكم في السودان، (إخوان أون لاين) التقاه في منزله بالخرطوم، وأدار معه حوارًا مطوَّلاً عن الانتخابات السودانية وما حققته التجربة على أرض الواقع، ورؤيته للمستقبل، وهل الانتخابات سوف تدعم انفصال الجنوب أم أنها ستكون في صالح مشروع الوحدة؟ وما تقييمه للمعارضة السودانية وموقفها من الانتخابات؟ وكيف يحلل موقف الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر من الانتخابات السودانية، وأسئلة أخرى يجيب عنها في هذا الحوار...

 

* بداية كيف تقيم التجربة الانتخابية؟

** هذه التجربة غير مسبوقة في السودان؛ لأن النظام الانتخابي نظام مركب ونظام أعقد من النظام السابق ولكنه نظام أعدل؛ لأنه يؤسس لحكم رئاسي، وفي التجربة السودانية كانت التقاليد المتوارثة من الاستعمار هي تطبيق النظام البريطاني القائم على النظام البرلماني، وهو ما كان يؤدي إلى عدم استقرار السلطة في السودان؛ لأن السودان بلد واسع ومترامي الأطراف، وفيه تعددات واسعة، وبالتالي النظام البرلماني لم يكن يؤدي إلى استقرار التجربة الديمقراطية، في حين أن هذا النظام الرئاسي يؤدي خمس سنوات للرئيس، وهو نظام أعدل؛ لأنه يحقق الحكم الاتحادي اللامركزي، وقضية اللامركزية في السودان ظلَّت قضية مطروحة منذ الاستقلال، ولعلها القضية التي أدَّت إلى مطالبة الجنوبيين بالانفصال؛ لأنهم عندما لم يحصلوا على الحكم الاتحادي الذي كانوا يطمحون إليه بدءوا يبالغون في مطالبهم إلى أن وصلوا إلى قضية الانفصال.

 الصورة غير متاحة

الانتخابات السودانية شهدت إقبالاً كبيرًا من الناخبين

 

فالحكم الاتحادي والحكم اللامركزي يضبط الجانب الإداري، ويكون قريبًا من المواطنين ويقدم إليهم الخدمات، وأيضًا الحكم الاتحادي هنا سيكون حكمًا مدعمًا بسلطات واسعة بالنسبة للولاية وفكرة الولاية، وهذا النظام الذي نؤسسه الآن أعدل؛ لأنه يخصص 25% للمرأة، وفي هذا اعتراف بدور النساء وهو مكافأة عادلة لهن؛ لأنهن أسهمن في العمل العام والحياة السياسية والمجتمعية بشكل ملحوظ، وفكرنا السياسي ينادي بل ويطالب به؛ لأنه لا بد من استثمار طاقات المرأة بدلاً من أن تذهب هذه الطاقات إلى أمور سلبية تؤدي لانحراف المجتمع، ولذلك أردنا إدخال المرأة في عمل إيجابي.

 

أخيرًا هو نظام عادل؛ لأنه يبني نمطين؛ نمط الانتخابات المباشر ونمط التمثيل النسبي، وكما تعلم فإننا نمثل الحزب الحاكم صاحب الأغلبية في البرلمان السابق، وكان في مقدورنا ألا نعتمد نظام التمثيل النسبي، ولكن رأينا أن التمثيل النسبي سوف يسمح للأحزاب الصغيرة أن تتواجد في البرلمان، وهذا نراه عدالة واجبة؛ لأن النظام السابق كان بالانتخاب المباشر، وهو ما لم يكن يسمح لهذه الأحزاب بالمشاركة، فإما أن تفوز وتدخل البرلمان أو لا، أما الآن فيتم احتساب الأصوات التي حصلت عليها، ويمكن أن تتحول هذه الأصوات إلى مقاعد، ولذلك فإن الأحزاب الصغيرة التي تستطيع تحصيل نسبة 4% سوف تكون موجودة في البرلمان وتدخل في النظام السياسي؛ لأننا بصدد إعادة تشكيل البنية السياسية في السودان؛ لأنه سيكون مدعاة لمزيد من الاستقرار في السودان، بما يعني مزيدًا من النهضة الاقتصادية التي تحدث في السودان.

 

آلية التشكيل

* تحدثت عن نيتكم لإعادة تشكيل الحياة السياسية في السودان من خلال دعم الأحزاب الصغيرة، فهل هذا معناه أنكم كتبتم شهادة وفاة للأحزاب القديمة التي كانت تتحكم في خريطة المعارضة؟

** أعتقد أن ما يميز هذه الانتخابات هو الإقبال الجماهيري الكبير، وهذا الإقبال هو الذي سوف يرسم وليس نحن؛ لأنه هو الذي يختار بحرية ونزاهة، وهذا هو صكُّ الاعتراف الحقيقي بمشروعية الانتخابات، فليس المهم من شارك من الشخصيات السياسية التاريخية أو اللامعة، ونحن نعلم جيدًا ومعنا الشعب السوداني أن هذه الشخصيات موجودة منذ 50 عامًا في الساحة السياسية، ولم تقدم شيئًا ملموسًا للمواطن، أما نحن فيهمنا المواطن ومشاركته في كلِّ مناحي الحياة، وهو أمر في حدِّ ذاته خطوة للأمام بالنسبة للمؤتمر الوطني الذي كانوا ينظرون إليه باعتباره حزبًا فوقيًّا ليس له أرضية جماهيرية، ولكنه الآن أصبح أكثر الأحزاب جماهيرية وقربًا للمواطن وهذا أمر محمود، وأعتقد أن الإقبال الكبير للمواطنين هو خير دليل، أما الشيء الذي تأسف له المعارضة ومن يدعمونهم هو الهدوء الشديد الذي صاحب العملية الانتخابية وغياب العنف، ولم تسجل المفوضية القومية حادث عنف واحدًا.

 

وما أفرحنا أيضًا أن المواطنين رغم بساطتهم وسذاجتهم وأميتهم ذهبوا للتصويت وممارسة حقهم بصورة حضارية، وقد شاهدت بنفسي عددًا من الوزراء والمسئولين وهم واقفون في طابور لمدة ساعتين من أجل أن يدلوا بأصواتهم مع عامة الشعب، وهو ما يشير إلى التلاحم الكبير الذي حدث في هذه الانتخابات، والمكاسب الكبيرة التي حصلنا عليها، وأنا أعتقد أن هذه الانتخابات ستكون فرصة انطلاقة ومرحلة جديدة في السودان.

 

فضيحة الأحزاب

 الصورة غير متاحة

د. غازي أكد أن الرمز الانتخابي تقليد وليس تمييزًا

* وصفت الأحزاب النظام الانتخابي بأنه معقد، وهو ما يتناغم مع ما طرحه البعض بأن المؤتمر الوطني وجد في هذا النظام مصلحة له عن باقي الأحزاب.. فمضى فيه مهرولاً.

** هذا النظام لم يعط أحدًا ميزة عن غيره سواء المؤتمر الوطني أو غيره من الأحزاب، ونحن تقدَّمنا برمزنا وغَيْرُنا تقدَّم برمزه، وهناك تقليد انتخابي في السودان منذ الاحتلال البريطاني وهو الانتخاب بالرمز نظرًا لأمية غالبية المواطنين، ووجدنا في النهاية أنه الأقرب لمزاج المواطن، وهو يعرف جيدًا رموز كل الأحزاب التي خاضت الانتخابات، ولذلك فإننا لم نتحصل في هذه الانتخابات على أي ميزة، والذي يصوت للمؤتمر الوطني فإنه يصوت من خلال إرادة حقيقية وهو شيء يُحسب لنا؛ لأنه نظام جذب المواطنين.

 

* عودة مرة أخرى إلى المعارضة التي دعت في البداية إلى الانتخابات ثم طالبت بتأجيلها ثم شاركت وبعدها انسحبت.. من وجهة نظرك لماذا هذا التذبذب في موقف الأحزاب؟

** الأحزاب المعارضة اتسم موقفها بالسلبية وعدم الاستقرار؛ لأنها في الأساس قائمة على الانتهازية السياسية، وهم يجتمعون على غير مبادئ، والمثال الصريح هو الحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي قامت فكرتها من أجل السودان الجديد، وهو بالطبع لا بد أن يكون على أنقاض السودان القديم، ثم تقوم الحركة بعقد تحالف جوبا مع المعارضة الشمالية التي هي السودان القديم نفسه، ولذلك فتحالف جوبا لم يقم على أُسس أو مبادئ سياسية واضحة، فإلى أي شيء كان يدعون، هم كانوا يدعون فقط لإسقاط المؤتمر الوطني، فهم فشلوا أن يعرفوا أنفسهم بالإيجاب واكتفوا بانتقادنا ومحاربتنا وإسقاطنا، ولم يقدموا للمواطن أي شيء سوى شتائم وسباب للمؤتمر الوطني، وهو ما لم يحترمه المواطن العادي الذي يعلم جيدًا شكل هذه الأحزاب، وهو لا يمكن أن يحترم ذلك مطلقًا؛ لأنها تخالف النقائض، ولذلك سقط من أول لحظة.

 

وعندما اكتشف جماهيريته الحقيقية وموقفه الطبيعي كال الاتهامات بالتزوير واتهم المفوضية والحكومة، رغم أن المفوضية تشكلت باقتراح من رئيس الجمهورية طرحه على البرلمان والذي كان يضم 12 حزبًا، وعندما ناقش البرلمان الأسماء المطروحة وكلها أسماء لم تكن يومًا من المؤتمر الوطني بل إن رئيس المفوضية مسيحي من الجنوب وهو قاض وأستاذ في القانون، وشخصية لا يختلف عليها أحد، وكذلك باقي الأعضاء الذين تداول البرلمان أسماءهم بشكل مفصل، ووافقت عليهم الأحزاب الممثلة في البرلمان، بل إنهم أدخلوا فيها أسماء أخرى، ولذلك فلا يمكن بعد كل ذلك أن يتهمها أحد بأنها تميل ناحية المؤتمر الوطني، فأعضاؤها كما أشرت شخصيات قومية محترمة، ولكنه سلوك المعارضة التي انكشفت حقيقتها فتفرَّغت للسباب والشتائم، ولم تقدم مشروعًا بديلاً أو برنامجًا لإنقاذ الوطن كما كانوا يزعمون، ولذلك اتهموا الانتخابات بالتزوير وهي حُجج عاجزة في النهاية.

 

ترتيب مسبق

* ولكن الواقع يؤكد أن المؤتمر لم يُقْدِم على فكرة الانتخابات إلا عندما جهَّز نفسه جيدًا، وبالتالي قد تكون المعارضة مصيبة في بعض كلامها.

** أنا أتفق معك في الجزء الأول من السؤال؛ لأننا جهَّزنا أنفسنا جيدًا في اليوم التالي من توقيع اتفاقية السلام، وهي اتفاقية كان محددًا فيها موعد إجراء الانتخابات في عام 2008م وليس في 2010م، وهو موعد معلوم لنا كما كان معلومًا للجميع، ولم يكن بندًا سريًّا لم يطلع عليه غيرنا، وقد استثمرنا وقتنا ونظَّمنا جهدنا وإمكانياتنا وربينا أجيالنا وكوادرنا، وهو شيء مشروع وليس فيه عيب، فهذا هو الجزء الأول من سؤالك الذي أتفق معك فيه، أما الجزء الثاني فهو لم يحدث؛ لأننا لم نحصل على ميزة إضافية، فالساحة كانت مفتوحة ومتاحة للجميع، ولم يكن لنا أي دور في تحديد موعد الانتخابات؛ لأنها في النهاية من مقررات عملية السلام، ولكن للأسف الأحزاب كانت تعيش على أنقاض ماضٍ أدبر من السودان ولم يعد له وجود، هم اكتشفوا أن القطار فاتهم من زمن، ولم يصدقوا ذلك حتى جاءت الانتخابات لتؤكد ذلك، فهم لم يقدموا بديلاً مقنعًا، وفي البداية ظنوا أن المؤتمر الوطني يراوغ ولن يُجري الانتخابات، ولكن عندما تم إجازة المفوضية كانت فعلاً هي إشارة البدء للانتخابات، وكان على الجميع أن يستعد وقد استعددنا فعلاً.

 

65% فوز

 الصورة غير متاحة

الرئيس السوداني عمر البشير يدلي بصوته

* هل معنى ذلك أن المؤتمر الوطني سوف يحصل على الأغلبية المطلقة في الانتخابات؟

** أعتقد أن منصب الرئاسة حُسم للرئيس عمر حسن البشير، وفي باقي الانتخابات كنَّا فعلاً حريصين على أن تخوض الأحزاب الانتخابات وتستغل فرصة التمثيل النسبي لتحقق نتائج جيدة، ولكن بعد الانسحاب أعتقد أن المؤتمر الوطني سوف يحصل على نسبة من 60 إلى 65%، والنسبة الباقية ستكون بين الأحزاب، وهي نسبة أرى أنها جيدة ومعقولة.

 

* ألا ترى أنها نسبة محسوبة من المؤتمر الوطني؟

** هذه تقديراتي الشخصية، فأنا عضو في اللجنة العليا للانتخابات في المؤتمر الوطني، وهذه النسب بَنَيْتُهَا على البلاغات الانتخابية التي نتلقاها في اللجنة.

 

* ولكني أقصد أنها نسبة محسوبة قبل الانتخابات نفسها حتى لا ينفرد المؤتمر بالسلطة، باعتبار أن العالم الآن يرفض فكرة الحزب الأوحد حتى لو كان من بوابة الديمقراطية.

** لا أنكر أن الحزب حرص على أن يسجل الأغلبية وهذا من حقِّه، وهو أمر مناسب بالنسبة للسودان؛ لأننا الآن في مرحلة بناء ومرحلة قرارات خطيرة متعلقة باستفتاء الانفصال أو الوحدة، وهو ما يتطلب حكومة قوية قادرة على اتخاذ القرار وإدارة البلد بدون بلبلة، كما أنك لا تحتاج في هذا الوقت إلى حزب ضعيف مشكوك في أغلبيته، وليس سرًّا أو عيبًا أن المؤتمر الوطني كان يسعى إلى الأغلبية، ولكن هذا لا يعني إطلاقًا أننا نريد أن نستأثر بالحكم، ونحن مستقرون على أن تتشكل الحكومة المقبلة من كافة الأحزاب السياسية الموجودة سواء التي شاركت في الانتخابات أو التي قاطعت إلا من أبى؛ لأننا نريد حكومةً وطنيةً تعمل على استيعاب كلِّ القوى السياسية؛ لأننا- كما أشرت- مُقبلون على قرارات مصيرية متعلقة باستفتاء الجنوب، ولا نريد أن نتحمل مسئوليته نحن فقط.

 

جيمي كارتر

 الصورة غير متاحة

كارتر بمدرسة تحولت إلى مركز اقتراع بالخرطوم

* موقف الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر مثير من هذه الانتخابات، فهو يؤديها بشدة بل إنه وجَّه انتقادات لاذعة لأحزاب المعارضة التي انسحبت من الانتخابات؛ فمن وجهة نظرك لماذا هذا الموقف الإيجابي؟

** أعرف كارتر شخصيًّا منذ 20 عامًا، والتقيت به عدة مرات، وله مشروعات تابعة لمؤسسته في السودان؛ هو رجل نزيه ومعروف عنه ديمقراطيته ونزاهته، ولعل ذلك ما دفع به خارج البيت الأبيض بعد فترة رئاسية واحدة، وبالإضافة إلى أنه رجل صادق فهو حكم بما رأى في النهاية، فهو يرى بلدًا إفريقيًّا يخوض تجربة شُجاعة، وقد تفاعل الرجل معها، ولذلك أطلق هذه التصريحات التي أشرت لها، والتي تصب في تثبيت الأحكام الصحيحة وتشجيع التجربة، وأعتقد أن كارتر آخر من يتم اتهامه بأنه ينافق أو يجامل أو يوالي المؤتمر الوطني أو نظام الحكم.

 

* هي ليست موالاة، فكارتر معروف عنه انتماؤه المسيحي، وهو يرى أن انفصال الجنوب سيؤدي إلى ازدهار الشمال، ونجاح تجربة تطبيق الشريعة، وبالتالي يظل الجنوب شوكة في حلق هذا المشروع؛ لأن الانتخابات بهذا الشكل تدعم الوحدة وليس الانفصال.

** هناك بعض التخمينات الصحيحة والتخمينات غير الصحيحة، ومن التخمينات الصحيحة هو أن الغرب يريد انتخابات نزيهة ليبني عليها الاستفتاء، ولكن غير الصحيح أن كل الغرب يريد الانفصال، ومن خلال لقاءاتي مع عدد كبير من الساسة الغربيين، أعتقد أن المؤسسات الرسمية لا تريد انفصالاً، فأمريكا على سبيل المثال بها مؤسسة البيت الأبيض والخارجية والبنتاجون والمخابرات، وكل هذه المؤسسات ضد الانفصال بشكل واضح؛ لأنها ترى أن الانفصال سيكون وبالاً على إفريقيا والمنطقة كلها، وسيكون شرارة للعديد من الصراعات، وهو أمر لا يريده الغرب؛ لأنهم في النهاية لا يفكرون بالعاطفة وإنما يفكرون بالعقل، وهناك كثير من العقلاء في الولايات المتحدة من خارج مؤسسات الحكم التقينا بهم وهم يؤيدون هذا الطرح، وهناك كذلك أصوات أخرى أيديولوجية متعصبة تعمل من خلال الكونجرس وتشكل مجموعات ضغط تمثل بعض الكنائس المتعصبة، كما أن بعضها له علاقة واضحة بمنظمات المجتمع المدني التي تضغط من أجل الانفصال من باب المذهبية السياسية، وهذه المجموعات تمثل ضغطًا على الكونجرس، وأعتقد أن الرئيس كارتر شخصيًّا ليس لديه هذا التعصب وهو يقف موقفًا وسطًا، ويقول نحن مع الاستفتاء أيًّا كانت نتيجته، ويجب أن يحترم الجميع هذه النتيجة حتى لو كانت بالانفصال، ولكنه شخصيًّا ليس مع الانفصال.

 

الحركة الشعبية والانفصال

* بمناسبة الحديث عن الاستفتاء بماذا تفسر التصريحات المتضاربة لرئيس الحركة الشعبية التي تارة تؤيد الوحدة وتارة أخرى تقف ضدها؟

** الحركة الشعبية في أساسها حركة مسلحة، ولم تكن يومًا حركة سياسية، وقد واجهتها تحديات العمل السياسي بعد اتفاقية 2005م، ولم تكن استجابتها لبعض هذه التحديات موزونة وبعض التحديات كانت في شكل تباين التصريحات السياسية، إضافة إلى أن الحركة ليس لها مسئول واحد يمثلها أو زعيم يسيطر عليها، ونحن أنفسنا لا ندري هل الحركة قاطعت الانتخابات أم لا، فرئيس الحركة أعلن أنه مع الانتخابات، والأمين العام وهو ياسر عرمان قال: إن الحركة قاطعت، ولكن ما يهمنا هو موقف المجتمع الجنوبي، وسبق وأن قلت وأظل أقول: إن هناك رصيدًا وحدويًّا ضخمًا في الجنوب، إلا أنه رصيد غير منظم وغير ظاهر، وللأسف الغرب ووسائل إعلامه درجت على تبني وجهة نظر القلة المتحكمة والمثقفة في الجنوب، والتي تطالب بالانفصال.

 

ويكفي أن أقول لك إن 90% من أهل الجنوب يتكلمون اللغة العربية لغة أولى، أضف أيضًا أن الجنوب به قبائل متعددة مثل غيره من المناطق، وهناك قبائل كبيرة ارتبطت تاريخيًّا بالوحدة، وهناك القبائل والمجموعات المتاخمة للشمال، وهذه القبائل سلوكها السياسي والاجتماعي يختلف عن بقية الفصائل، وكذلك المسلمون الذين هم وحدويون، وما أدهشنا هو هذا الاستقبال الكبير لرئيس الجمهورية عندما ذهب للجنوب، فلم يكن أحد يتخيل هذا الاستقبال، ولذلك فنحن نرى أن هذا المخزون الوحدوي في الجنوب ينبغي أن يُستثمر، وخطتنا المقبلة في المؤتمر الوطني بعد الانتخابات مباشرة هو العمل بقوة في الجنوب حتى يكون الاستفتاء لصالحنا.

 

* ولكن الاستفتاء بعد ثمانية أشهر من الآن؛ فهل تصلح هذه المدة البسيطة لإصلاح ما دأب الغرب على إفساده منذ عشرات السنوات؟

** أنا أتفق معك أننا لم نبذل ما كان يجب علينا في الجنوب، ولكنني ألقي باللوم على كل الحكومات منذ الاستقلال؛ لأنها أهملت الجنوب، فنحن الآن لم يتبق بيننا وبين مصر في الطريق البري الممهد سوى 27 كيلومترًا، وبالفعل لقد بذلنا مجهودًا كبيرًا في الشمال في الفترة الماضية وبسيارتك الخاصة الصغيرة يمكنك أن تصل إلى القاهرة وإلى أديس أبابا وإلى أسمرة في بضع ساعات، ولكنك لا تستطيع أن تصل بنفس الوسيلة إلى جوبا أو غيرها من المدن في الجنوب، وبلا شك كان هناك إهمال واضح، وكان يمكن استثمار التنمية لكي تكون طريقًا للوحدة، ولكني أيضًا على يقين أن الفرصة لم تضع، وإذا ركزنا جيدًا ومعنا الإخوة العرب؛ فإن الوضع سيختلف لصالح الوحدة.

 الصورة غير متاحة

د. غازي أكد عدم وجود إستراتيجية عربية واضحة تجاه الجنوب

 

* الإخوة العرب.. هل تجد لهم دورًا حقيقيًّا في هذه القضية؟

** موقف العرب من قضية الجنوب مثل موقفهم من باقي القضايا العربية، فهناك غياب واضح للرؤية الإستراتيجية العربية؛ نظرًا لغياب الإرادة العربية السياسية، وأحيانًا توجد رؤية، ولا توجد إرادة والعكس أيضًا يحدث، ولكننا نحتاج للاثنين معًا.

 

وبصورة عامة العرب أهملوا إفريقيا التي تخلل فيها الصهاينة، وبعد حرب 1967م نشطت الدبلوماسية العربية، وخاصة المصرية، حتى أقصت الصهاينة من القارة كلها ولم يعد لهم وجود، وسرعان "ما عادت ريمة لعادتها القديمة" بعد أن حصلت تغييرات واسعة في النظام السياسي العربي، الذي أصبح لا يمضي برؤية واضحة ويفتقد لآليات قوية لوحدة الصف العربي، وفي النهاية تظل الخلافات "العربية العربية" التي دخلت في كل شيء وحتى الرياضة، وبالتالي إذا لم يتغير الواقع العربي فلن يتغير الدور العربي، وبناء على ذلك نحن في السودان نتمسك بعروبتنا ووجودنا في المؤسسات العربية رغم ضعفها عسى أن يأتي اليوم الذي يختلف فيه الوضع، وتنشأ إرادة سياسية جديدة لدى حكامنا، ووقتها حل مشكلة الجنوب وغيرها من المشاكل سيكون في غاية السهولة، والتاريخ يؤكد أن إفريقيا هي القارة الوحيدة التي لم ترفض المد العربي الإسلامي وقابليتها للدور العربي الإسلامي عالٍ جدًّا، ولكننا للأسف نحتاج لهذه الرؤية.

 

الغيرة العربية

* على ذكر العرب.. هل تعتقد أن الدول العربية سوف تستقبل تجربة الانتخابات السودانية النزيهة بترحاب؟

** لا أخفيك قولاً بأن لدينا حساسية شديدة في هذا الموضوع، بمعنى أننا لا نحب أن نتدخل في شئون الغير، وأعتقد أن الأفكار لا تصدر، ولكنها تلهم الغير وهو ما لا نستطيع أن نتحكم فيه، وفي اعتقادي أن تجربة السودان إذا قُدَّر لها النجاح سوف تكون ملهمة لكثير من الدول العربية على المستوى الاجتماعي ومستوى النخبة والمثقفين، وهو أمر ليس فيه عيب.

 

* استمعت لأصوات سوادنية ترى في الانفصال خيرًا للشمال باعتبار أن الجنوب يمثل عبئًا على ميزانية الشمال والانفصال سوف ينهي هذا العبء، فلماذا هذا الانتشار لهذا الرأي؟

** هذا موقف عارض وليس موقفًا حقيقيًّا، وقد بنى أصحابه وجهات نظرهم نتيجة الحرب وتكلفتها الباهظة التي أثرت على معدلات التنمية، وما يقوله هؤلاء تحديدًا إنه إذا كانت الوحدة ستؤدي إلى الحروب فمرحبًا بالانفصال، ولكني أعتقد أن الموقف الحقيقي وليس العارض هو الوحدة، وواجبنا كساسة أن ندعم ذلك ونمحو هذه النظرة الخاطئة بالعقل والتفكير.

 

هوية المؤتمر الوطني

 الصورة غير متاحة

د. غازي شدد على أن الإسلام أهم مرجعيات المؤتمر الوطني

* هناك التباس لدى الجمهور العربي حول هوية المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية ومدى علاقاتها بالفكرة الإخوانية.. فكيف توضح الأمور؟

** ليس خفي على أحد أن فكرة الإنقاذ إن جاز التسمية تصف الفترة من 30 يونية 1989م وحتى الآن، وليس يخفى على أحد أنها تجربة قامت بها الحركة الإسلامية، والحركة الإسلامية لها ألوان متعددة؛ ولذلك يمكن أن نعتبر المؤتمر الوطني واحدًا من تجليات التجربة الإسلامية بشكل عام، ورغم أن المرجعية الإسلامية هي وحدها أهم مرجعيات المؤتمر الوطني، أدركنا أن توحيد الجميع فيه خير للفكرة حتى للذين هم من خارج الملة، على أن يكون الالتقاء في كل ما هو فيه شأنًا وطنيًّا، وليس شأنًا إسلاميًّا دينيًّا محضًا، والمؤتمر الوطني هو محاولة لصياغة هذا النسيج الوطني في نية واحدة، فنحن نفتش عن مساحات التقارب بيننا وبين الآخرين، ونحاول أن نؤسس للتجربة، ولذلك فمهما اختلف الناس حولنا إلا أنهم يتفقون على أن المؤتمر الوطني واحد من تجليات الحركة الإسلامية، والتسمية نفسها تعبر عن ذلك.

 

* ولكن هناك من يخلط بين الحركة وبين الإخوان المسلمين.

** الحركة الإسلامية في السودان تأثرت كثيرًا بالحركة الإسلامية في مصر، وخاصة جماعة الإخوان، وحتى الآن أعضاء الحركة الإسلامية بالسودان ينادون أنفسهم بالإخوان المسلمين، رغم أنه حدثت مفارقات في مسار التجربة، وحدث اختلاف بين الحركة في السودان والجماعة في مصر حول فكرة عالمية التنظيم ومبايعة المرشد العام، إلا أن أفراد الحركة الإسلامية في السودان ما زالوا ينهلون من معين إخوان مصر، ويقرءون كتابات وأفكار الإمام الشهيد حسن البنا وغيره من أساتذة ومفكري الإخوان في مصر، ومن المغالطة أن نقول إن الحركة الإسلامية في السودان كانت مستقلة عن تيار الإخوان المسلمين، بل إننا في فترة من الأوقات كان اسمنا الإخوان المسلمين، وغيَّرنا اسمنا فيما بعد من باب المرونة المحمودة؛ لأنه كان من الضروري أن نستوعب الآخرين، وقد حدثت لفكرتنا تغيرات ونوع من المدارسة الفكرية؛ ولكننا نعتبر أنفسنا حتى هذه اللحظة جزءًا من التراث الإسلامي العام؛ سواء كان في مصر أو باكستان أو غيرهما، كما تأثرنا بكتابات لأشخاص غير منتمين للحركة مثل مالك بن نبي، ولعل هذا كله يقربنا من الفكرة التي بنى عليها الإمام الشهيد حسن البنا فكرة الجماعة التي هي صوفية ودعوية وقومية، ولذلك أرى أن الفكرة الجوهرية ما زالت هي الأساس، أما تجلياتها فهي في كل مجتمع حسب ظروفه وطبيعته.

 

الانتخابات السودانية.. لحظة بلحظة